العودة ومؤتمرها، أين الخلل؟ الجزء الثاني /خالد الطراولي


د.خــالد الـطراولي
ktraouli@yahoo.fr
 
الخلل الثالث : كيف نريد الزرع في أرض جدباء أم هي مقولة " الحصيرة قبل الجامع" ؟
لعله ما يسترعي الانتباه ويصدّع الرأس أحيانا أن تسمع من الإخوة الأفاضل الساعين إلى العودة الفردية أو الجماعية، مقولة العودة الآمنة والمسئولة الممكنة للبعض إذ أراد أن يهتم بالشأن العام، وهي مقولة غير صحيحة وغير سليمة فالوضع الداخلي لا يسمح بالمتواجدين على أرضه بالحراك، ولا أضيف جديدا حين يجمع الكل يسارا ويمينا على انغلاق المشهد السياسي وما يتصف به من كبت للحريات وتجاوزات طالت ولا تزال كل من يغرد خارج السرب. فهل أننا صادقون حين نزعم بعودة مسئولة "للضيوف" وأصحب الدار لا يتمتعون بهذا الوجود المسئول والآمن؟ هل نعي ما نقول حقيقة ونحن ندفع إلى العودة بصيغة الفرد والمجموعة إلى أرض غير زرع لا تحتمل الماء الضرار؟ أم هي دعوة غير جدية وغير منطقية تزعم ما لا تقدر على الوفاء به وتخفي حقيقة لا تريد البوح بها وهي العودة العادية لا أكثر ولا أقل، عودة لا تختلف كثيرا عن الخلاص الفردي في باب عدم المسؤولية والاهتمام بالشأن العام؟ أو لعله غير ذلك وهو كما يزعم البعض أنه سحب للبساط من تحت أصحاب الخلاص الفردي للتعجيز والانتظار!
مهما كانت الدواعي والمبررات فإن الدعوة للعودة إلى أرض غير مهيأة لقبول ساكنيها المهاجرين، يعتبر ضربا من المراهنة على الفراغ أو على المستحيل وعدم كنه لدور المهجر ودور الداخل في عملية التغيير، ويستدعي أيضا كثيرا من الوضوح وتسمية المسميات بأسمائها حتى لا يظن بأصحاب المبادرة ظنونا في غير محلها وهم منها براء. لذلك ومع احترامي للجميع، لا أرى أن هذه العودة الجماعية تخرج عن منطق العودة العادية ولكن في لبوس جماعي، وهي تلتقي في النهاية مع الخلاص الفردي في مستوى الهدف دون المرور بالباب القبلي أو الخلفي للسفارة.

الخلل الرابع : الزاوية الأخرى للوجود المهجري
لقد تمت معالجة مسألة العودة من زاوية القضية والمشكلة والمأساة، وكأنها تضاهي في ثقلها حالة السجن والسجناء، وأنا لا أستصغر عذابات المنفى وحنين الأوطان وقد حبّرت في ذلك بعض الأسطر تعبيرا عن معايشتي لها منذ أكثر من عقدين، فقدت فيهما الكثير من الأعزاء والأحبة دون رؤيتهم، كان آخرهم والدي العزيز، عليهم جميعا رحمة الله. ولكن للسجن خاصياته وللغربة ظروفها، وليس لمن يستطيع ضم أحبابه ومعاشرة أهله، كمن يرى أطفاله يكبرون خارج كيانه، وأهله مشردون والأمراض تنخر جسمه، حتى إذا خرج بعضهم كان خروجه محطة قصيرة قبل المقبرة.
فالوجود المهجري مهما طالت لياليه المظلمة لا يضاهي ليلة في ظلمات السجن بين فكاك الجلاد وقسوة القضبان وسواد الجدران، ولقد فشلنا في وهذا الوجود القسري تجاه المشروع ولم نستطع بلورة خطة التواجد، وهي خطة استثنائية للنضال تستطيع تأطير الطاقات وتوظيفها من أجل البناء والعمل. وقد اقتصر النضال في بعض الثنايا على لقاءات واحتفالات، حتى أن البعض كان يدّعي أن لقاءات بعض الأطراف تقتصر على عرس أو مأتم وما خلاها فراغ وعدم! لقد كتبت منذ أكثر من سنة مقالا بعنوان " نحو مفهوم جديد للحزب، اللقـاء نموذجا" [1] بينت فيه أن عمل الأحزاب يجب أن يعيش واقعه ويتأقلم معه، ويتبلور حسب مقتضيات ومتطلبات هذا الواقع. والحالة المهجرية هي استثناء في عمل الأحزاب وجب توظيفها واستغلالها في البناء الفكري والعمل الحقوقي والدعائي المؤسس، الذي يصنع الحدث لا أن يتبعه بالبيانات والعرائض.
ولقد كانت زاوية المأساة والعذاب والتشرد هي الغالبة على النظرة حول المهجر وهي نتيجة مباشرة لهذا الفشل في العمل والحراك، الذي أفرز حالات عطالة فكرية ونضالية، تبلورت إلى حالات يأس وإحباط، ومنها إلى انكفاء وتقوقع، ثم إلى انسحاب واستقالات.
إن فكر الزنزانة وفكر العذاب والمنفى ولّد لدى بعض الحركات السياسية والإسلامية خصوصا أدبا قاتما وفكرا متأزما وزوايا من الطرح يظلها البعد المأسوي، مما جعلها تنتحي بعض الشيء مجال التواكل أو الضحية، ويبعدها عن مواطن المراجعة والفعل المؤثر والواعي، الصانع للحدث والمتمرس بفقه المرحلة وكنه الواقع وتوظيف أي نقطة إيجابية فيه نحو منازل أكثر ضياء. فالمهجر ليس ظلمة كله ولكن موطن يمكن تفعيله وتوظيفه أحسن توظيف، في ظل حرية نسبية تدفع إلى البناء والإبداع. وسأدفع الحديث إلى أقصاه وأملي أن لا أزعج أحدا، فالمهجر ولا شك قطعة من العذاب يحيط به الحنين والحرمان من كل جانب، ولكن النفوس العالية احتوت هذا الشعور، والكثير من المهجرين تأقلموا اضطرارا لا اختيارا مع الوضع الجديد، وأصبحوا يعيشون في راحة مادية وروحية أفرزت استقرارا وسكينة أسرية ومعارف وصداقات مع نغص الحنين للوطن وللأهل ولا شك. ونظرا لانطفاء جذوة العمل والنضال نتيجة أسباب موضوعية أو ذاتية يتحملها الفرد والجماعة بنسب مختلفة، فإن زاوية المأساة والسواد تضيق بعض الشيء حتى أن كل عودة مأمولة أصبحت عودة سياحة وملامسة أرض الأجداد. من هذا المنطلق فإن الحديث عن المنفى من زاوية المأساة يفقد بريقه وإن كان يتجدد أحيانا أكثر لوعة وألما لما يأتيك نعي الأحباب، ومن هذا الباب، باب الاستقرار والبياض كان واجبا علينا رؤية المنفى وتوضيفها بعيدا عن عالم المأساة، عالم العمل والمقاومة السلمية من أجل الوطن، ولو على بعد أميال.
إن من أوكد ما يزعج الاستبداد ولا شك أن يتحول المهجر من إطار الضحية الساكنة الباكية في ركن ضيق من أركان الذاكرة، إلى دور الفاعل والصانع للحدث المتجاوز لمناطق السواد والساعي إلى طلاء كل وجوده باللون الأبيض الحامل لعناوين الأمل والبناء والرافض للإحباط واليأس والمتواري عن الأنظار.

الخلل الخامس : تداخل للسياسي والحقوقي في غير محله!
لما التقيت بأحد الإخوة الأفاضل المؤسسين للتنسيقية، ووجه لي الدعوة للحضور كما ذكرت في الجزء الأول، أعلمني بحضور العديد من القيادات السياسية من داخل البلاد وخارجها، واعتبرها مؤشرا عاليا لأهمية المؤتمر. وبعد رفضي بكل أدب لهذه الدعوة المحترمة كما ذكرت سالفا، اعتبرت هذا الحضور غير إيجابي، لأنه يعطي للقاء بعدا سياسيا واضحا أو تلازما غير مفيد بين السياسي والحقوقي، خاصة وأن التنسيقية وأصحابها ركزوا على استقلاليتها في خطابهم قبل المؤتمر وهو أمر يحسب لهم، لكن ماراعنا إلا والخطاب المتواجد والذي حملته بعض الأصوات القيادية المعارضة حسب ما جاء في بعض المواقع، يحمل بعدا سياسيا واضحا وهذا طبيعي بعض الشئ، فالصفة السياسية ليست تهمة إلا أن الإطار الظرفي لا يستوعبها ولا تخدمه! ثم جاء البيان الذي أصدرته بعض القيادات السياسية على هامش انعقاد المؤتمر، وكان بيانا سياسيا يشخص حالة البلاد المأسوية سياسة واقتصادا واجتماعا، وقد سبق هذا الإعلان، البيان الختامي للمؤتمر التأسيسي وعتّم عليه بعض الشيء.
إن الظاهرة الإنسانية معقدة ولا شك، وتتشابك فيها الأبعاد السياسية والاقتصادية والاجتماعية ويصعب في بعض الأحوال التمييز بين خيوطها الحريرية. ولست ممن يدعي استقلالية هذه الأبعاد عن بعضها، ولكني أميز بين البعد الملازم للظاهرة والذي لا يتخلص منها ويساهم في إعطاء الظاهرة طابعها وتميزها، وبين البعد الملحق بها اختيارا لا اضطرا، والذي يسعى أصحابه بوعي أو بغير وعي إلى التأثير على الظاهرة وتلوينها حسب إرادتهم وأمانيهم. ووجود السياسي مع الحقوقي لا لبس فيه فمن نفس الينبوع تنطلق مياه البعدين، ولعلها تنساب نحو نفس الهدف، ولكن ليس كل تدخل للسياسي يمكن أن يخدم البعد الحقوقي في سعي الظاهرة نحو هدفها.
إنا نعتبر أنه في حالتنا هذه قد كان لتدخل السياسي وحضوره المكثف في المؤتمر تأثير غير إيجابي للصفة الحقوقية للمؤتمر وللاستقلالية التي تسعى إليها جاهدة الجمعية الوليدة. ولذلك أليس كان من الأجدى أن يكون هذا اللقاء السياسي المجتمع في أعلى مستوياته خارج هذا الإطار تماما وبعيدا زمانا ومكانا؟ والحقيقة التي تجاوزتنا أن السياسي [le politique] بطبيعته الغالبة ولعلها المهيمنة لا يترك أي مجال إلا ويتفوق عليه ويحتويه،  ولهذا جاء هذا البيان السياسي للقاء المعارضة على هامش مؤتمر تأسيسي لمنظمة حقوقية سابقا على بيانها ومعتما عليه بعض الشيء ويمثل حسب نظري خطأ منهجيا وقراءة غير سليمة للحدث. وتتواصل حيرتي وأرجو  رحابة الصدر، فالكل مجتهد من أجل الصالح العام، لماذا انتساب الأخ الفاضل رئيس الجمعية الجديد إلى هذا البيان السياسي، والإطار الذي يتزعمه ولا يزال وليد اللحظة حقوقيا خالصا مستقلا خالصا؟ كلها أسئلة لها أجوبة ولا شك نفتقدها ولكننا موقنين أن وراء كل ذلك سعي صادق من الجميع نحو الأفضل والأسلم. وما حديثنا في هذا الباب وغيره إلا اجتهادات نسعى ممن خلالها إلى التقييم بتواضع والتقويم إن كنا أهلا له.
إني أعتقد أن هذا التداخل بين السياسي والحقوقي والصعوبة للفصل بينهما والذي فرض نفسه في أروقة المؤتمر ولعله من باب [chasser le naturel, il revient au galop] وهذا يعود أساسا للمنطلق الخاطئ في طرق مسألة العودة واعتبارها قضية حقوقية منفصلة عن الإطار السياسي ومنبتة عن واقعها الداخلي المثخن بالعامل السياسي، وهذا يعيدنا أساسا إلى منطلقنا الأول واختلافنا الجوهري مع أصحاب المبادرة في اعتبارنا أن المهجر جزء مقاوم تتشابك فيه السياسة والحقوق وهو طرف أساسي في عملية التغيير، ولا يمكن معالجة قضيته بعيدا عن القضية الأم وهي قضية كل الوطن. لهذا فالدعوة إلى عودة حقوقية لا يمكن أن تنجح لأن الإطار التي تعتزم التنزل فيه إطار سياسي خالص وليس مهيأ لقبول الأضداد.

ختــــاما
ليس حديثي نابعا من أستاذية ولا عن وقوف على الأطلال، ولا يدعي امتلاك الحقيقة، ولكنه تدافع سليم من أجل الصالح العام، وقبل كل ذلك أخوة حميمة وصداقة ومشوار نضال مع اخوة طيبين صادقين، لا نشك لحظة في إخلاصهم وحبهم للوطن وسعيهم النبيل لإصلاحه ولا نزايد عليهم، ونحي اجتهادهم ونضالهم وتضحياتهم من سهر ومال.
لعلنا فشلنا في مهاجرنا، ولعلنا نريد معالجة الفشل بالفشل...فشلنا في خدمة المشروع وترتيب بيته وتوظيف طاقاته وتأطيرهم من أجل البناء، فعالجناه بالتخلي عنه وإعادة حامليه في رحلة ترفيهية إلى أرض الوطن.
ليست الهجرة بالنسبة لي إلا محطة في الحياة في مسار صاعد نحو المطلق نحو الله من أجل الصلاح والإصلاح، سنده آية وحديث وموقف يجتمع فيهم القلب والعقل، ويلتقي فيهم الوجدان بالعواطف والمشاعر، ليسطر فلسفة حياة ووجود، في إطار تحمل ضفتاه عنوان المهجر في إحداها، والوطن الحبيب في الأخرى. فأما الآية : "قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين.." وأما الحديث،  فقوله صلى الله عليه وسلم "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى،  فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه". وأما الموقف، فلقد التفت الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم إلى مكة وهو يغادرها جورا وعدوانا و هو يسكب الدمع قائلا : " و الله إنك لأحب أرض الله إلى الله، و أحب أرض الله إليّ، و لولا أن أهلك أخرجوني منك ماخرجت! وصلى الله على محمد.
-انتهــى-

هــــوامش :
1 / خالد الطراولي " نحو مفهوم جديد للحزب، اللقاء نموذجا " موقع اللقاء الإصلاحي الديمقراطي ركن اللقاء الفكريwww.liqaa.net
ملاحظــة : يصدر قربيا كتاب جديد للدكتور خالد الطراولي بعنوان " رؤى في الاقتصـاد الإسـلامي" للحجز يرجى الاتصال بهذا العنوان kitab_traouli@yahoo.fr
 

2009-06-26