في التغيير والإصلاح والمصالحة [1/5] الجزء الأول:التوريث الحلقة الأقوى الحلقة الأضعف/ خالد الطراولي


د. خــالد الطراولي
ktraouli@yahoo.fr
 
ملاحظــــة : هذه الورقة التي نقدمها بين أيديكم والتي تحملها خمسة أجزاء، تمثل اجتهادا في مسألة التغيير المقبلة عليها تونس، وتشكل رأي اللقاء الإصلاحي الديمقراطي في قضية التوريث وتمرير الحكم ودور المعارضة المدنية والجماهير التونسية والحركة الإسلامية في هذه المحطة الخطيرة التي تمر بها البلاد، والتي تستدعي كثيرا من المسؤولية، كثيرا من الوعي، وكثيرا من القيم! وصدق الحداد حين قال : لو ما أعلّل نفسي بانتظار غد // لقلت خاب الذي أرجوه في بلدي!
من عادة الانتخابات أن تفتح للفائز مرحلة جديدة في مشواره السياسي وللمحيط، بلادا كان أو قرية، منعرجا وحالة جدية تندرج ضمن سياق ما وعد به المترشح أثناء حملته الانتخابية. المفارقة العجيبة التي حملتها الانتخابات الرئاسية التونسية الأخيرة هي أنها عوض أن تشكل صفحة جديدة لصالح الفائز وبداية مشوار جديد له، فقد مثلت ناقوس النهاية وبداية العد التنازلي لمشوار فرد وحتى جماعة، ولتفتح الباب عريضا نحو عالم مجهول تتقاذفه أمواج عاتية وطموحات وأحلام وأسر وأفراد، وحتى خناجر وأوصال. والغريب أن هذه النتيجة لا تحملها أطراف المعارضة السياسية للرئيس فحسب، وهذا شيء طبيعي إذا فهمناه في بعده السياسي، ولكن المستغرب الذي تحوم حوله أبعاد قيمية وأخلاقية مهتزة وسقوط في الحسابات الضيقة بين الأسر والطوائف، ويتبنى هذا الطرح أطراف معلومة داخل خيمة السلطان وحاشيته، ولو بحديث خافت أحيانا أو مواقف علنية فيها كثير من استعراض العضلات والبرهنة على الوجود والنفوذ.
المحطة الانتخابية هي نهاية مطاف وبداية آخر، بما يحمله من عنصر المجهول والطوارئ والمفاجأة، وهو يفتح المستقبل على مصراعيه للجميع، ويكاد يكون نصيب كل زاعم أو حالم أو آمل في الوصول إلى سدة الحكم في تونس متقاربا أو يكاد، من معارضة أو أصحاب الحكم الحالي، رغم ما يحاول البعض إعلاما ومقربين وحتى أطرافا في المعارضة، اعتبار الأمر محسوما وقدرا محتوما ولا سبيل إلى تغيير المقادير، فالأجندة محنطة ومحكمة ومتمكنة في أعماق الأرض والنفوس، وأن الحكم لن يخرج من نسل الرئيس الحالي أو أقربائه أو حاشيته أو حزبه، طوعا أو كرها وعلى المكشوف!
هذا الحسم الذي يسعى أطراف في السلطة إلى تمكينه في مخيلة الناس وفي عقولهم، لدى الخاص والعام، ولدى الداخل والخارج، حتى لا يروا غيره ويصبح من المسلمات والبديهيات التي لا تقبل فلسفة أو استرجاعا، وإقناع الجميع بأنه لا مفر من بقاء الحكم داخل إطارهم، ولا خير ولا مصلحة للجميع داخليا وخارجيا إلا في مواصلة مشوار الحكم الحالي، ولو بوجوه أخرى تربت وترعرعت داخل السرايا.
أعتقد جازما أن الأمر لم يحسم لفلان أو علان وما على البقية إلا التصفيق والمباركة أو مغادرة الركح صاغرين! ولكن هناك عديد العوامل الخاصة والعامة والظاهرة والمسكوت عنها، سوف تظل قائمة ويحسب لها ألف حساب، ومن شأن من يستطيع توظيفها أحسن توظيف واستعمالها في الوقت المناسب والظرف المناسب مع دراية ووعي بأساليب الكر والفر السياسي السليم وفقه تام بالمرحلة ومستجداتها ومطالبها، وفهم كامل للواقعية والمبدئية، فإنه من يحمل هذا الوعي غير المغشوش وهذا الفعل الحضاري الراقي وهذا الكنه السياسي المتقدم، فأبواب التمكين والتغيير لن تبقى موصدة أمامه!
نعم إن حاكم تونس المقبل يمكن أن يكون من غير ما يُخَمَّنُ له ويُطبَخ...نعم إن حكم تونس المستقبلي يمكن أن يحمله طرف من بيننا...نعم إن المشهد السياسي القادم يمكن أن يكون ديمقراطيا خالصا، جمهوريا خالصا، دستوريا خالصا، تصان فيه كرامة المواطن والوطن!

من هنـــا نبـــدأ...
إن ما يُطرح حاليا من خطب وبيانات وتلميحات ومساندات، وطأطأة رؤوس وانحناءات ظهور، وما يُقدَّم من مهرجانات وصخب إعلامي يسعى من باب الواقعية المغشوشة أحيانا [الي تعرفو خير ملي ما تعرفوش] والخوف والتخويف أحيانا أخرى [الي بدّل لحية بلحية يشتاقهم الاثنين]، و من زاوية التواكل والمبالاة أيضا [الي تراه راكب فركة قل له مبروك الحصان]، يسعى كل ذلك  إلى تقديم بعض الأطراف في السلطة وكأنها الملاذ والمصير المحتوم! غير أن كل هذه اللعبة المفبركة و المحبوكة والمبرمجة والممنهجة على أوسع نطاق، لا نخالها تحمل كل هذه الطمأنينة المزيفة والحسم المفترى عليه، ونرى بكل حزم وواقعية أن مستقبل تونس ما بعد الرئيس الحالي تبقى مفتوحة على المجهول وقابلة لأكثر من سيناريو وحدث.

التوريث : حديث اليقين أم حديث الغيبوبة؟
الاستخلاف والتوريث أصبحا رغيف المواطن العربي عموما، وحديثه اليومي ونكات مجالسه ولقاءاته، فمن المحيط إلى الخليج تطبخ على نيران هادئة أحيانا ومتوترة أحيانا أخرى، طبخة عجيبة غريبة تتمثل في توريث الحكم في جمهوريات الموز التي نعيش في ظلالها. ولم تشذّ تونس عن هذه القاعدة، وظهر عنصر التوريث والتمليك والاستخلاف على الأحرف وبين الأسطر، وحملت الانتخابات الأخيرة صورة غلبت على كل المشهد، حتى أنها غيبت بعض الشئ صورة الرئيس وجعلته يتوارى إلى الصف الثاني! حيث ظهرت حرمه على الركح السياسي وكأنها قائدة الحملة الانتخابية والناطق الرسمي لها. حضور إعلامي ملفت يريد أن يبلغ مجموعة رسائل واضحة وجلية وذات أبعاد، منها أن حرم الرئيس حاضرة في مثل هذه المحطات السياسية الهامة بامتياز، وأنها غير متروكة في دهاليز القصر وبعيدا عن شموسه ولكنها قادرة على لم الصفوف وقيادتها... ومنها أنها لها دور حاضر في انتخاب زوجها ومساهمتها الكبيرة، عبر الأحاديث الصحفية والاجتماعات والخطب وإطلاق المبادرات من مثل الباخرة التي جابت المواني تعريفا ببرنامج زوجها... ومن هذه الرسائل أيضا، أنها لها دور كبير ومحدد وحاسم في مستقبل البلاد، فلن يكون لتونس وجود بدونها، ولن يكون هناك خيار بدون رضاها وأن تونس المستقبل حبيسة قراراتها، بل أن الرسالة توحي أيضا بأنه في صورة مرض الرئيس أو استفحاله وتخليه عن موقعه اختيارا أو اضطرارا كما وقع للرئيس السابق أو حصول فراغ دستوري، فإن حرمه يمكن أن تمثل النائب أو حتى المعوّض والمستخلف!
ليست حرم الرئيس هي الوحيدة على قائمة التوريث كما يبدو، فقد ظهر على السطح ولكن بسرعة عجيبة ومع صخب إعلامي متحكم فيه ومدروس، لمعان صهر الرئيس الأخير، حيث سبقت الانتخابات منذ مدة وجيزة ظهور إعلامي بارز تمثل خاصة في إطلاق إذاعة الزيتونة وتملك صحيفة الصباح الشهيرة وإنشاء مصرف إسلامي في البلاد، مع تسويق لنجاح كبير وقياسي في الأعمال مع أنه لا يزال شابا لا يتجاوز الثلاثين.
أغلب الملاحظين يؤكدون على أن هذا الظهور الملفت والسريع،يهيأ صهر الرئيس إلى منازل عليا مرتقبة ولعل التوريث هو أصدقها. فبعد الانغراس المحلي [رئيس شعبة قرطاج] وبعد التمكن الحزبي [عضو في اللجنة المركزية للحزب الحاكم] وبعد التواصل مع الجهات والبلاد عموما عبر انتخابه أخيرا نائبا في البرلمان، فإن الطريق إلى القصر تبدو معبدة ومفروشة بالورد أو بالياسمين على الطريقة التونسية، ولا يمكن للمتابع إلا الخلوص بأن منهجية التصعيد إلى هرم السلطة أخذت طريقها واستوت وانطلق عدادها، خاصة وأن الرجل يحمل تقريبا رضاء الأسرة الحاكمة بكل أجنحتها، فهو قريب الرئيس وصهره وهو أحد أبناء المرحوم الماطري، وعمه صديق الرئيس، وهو زوج البنت الكبرى لحرم الرئيس.
الصورة تبدو جميلة وبكل ألوان الطيف الزاهية، سواء كان التوريث لحرم الرئيس أو لصهره، ولا يبدو في الوهلة الأولى أن المشهد قد يناله أدنى غبش أو ضباب أو شك أو ظنون، وأن القلم قد رُفع وتكلست الأيادي وجفت الصحف وجمدت العقول! إلا أن المشهد يبدو أكثر ضبابية وأقل صفاء وراحة وضمانا، وأن القدر لا يبدو أنه يستجيب لمثل هذا السيناريو فالشعب لعله أراد الحياة كما أعلنها عالية أبو القاسم الشابي، وأن عوامل أساسية أخرى وأدوار رئيسية مرتقبة من خارج السرايا، غُيّبت واستُبعدت خوفا ورهبة، حتى لا يبدو التوريث غير واحة خضراء لا ينالها ضمأ الصحراء ولا كثبان الرمال...
ـ يتبـــــع ـ

2009-11-11