في التغيير والإصلاح والمصالحة [2/5] الجزء الثاني:التوريث ليس قدرا محتوما/ خالد الطراولي


د. خــالد الطراولي
ktraouli@yahoo.fr
 
ملاحظــــة : هذه الورقة التي نقدمها بين أيديكم والتي تحملها خمسة أجزاء تمثل اجتهادا في مسألة التغيير المقبلة عليها تونس، وتشكل رأي اللقاء الإصلاحي الديمقراطي في قضية التوريث وتمرير الحكم ودور المعارضة المدنية والجماهير التونسية والحركة الإسلامية في هذه المحطة الخطيرة التي تمر بها البلاد، والتي تستدعي كثيرا من المسؤولية، كثيرا من الوعي، وكثيرا من القيم! وصدق الحداد حين قال : لو ما أعلّل نفسي بانتظار غد // لقلت خاب الذي أرجوه في بلدي!

العوامل المنسية أو المغيّبة
إن الصورة جميلة وبراقة عند أصحابها ولاشك كما قلنا في الجزء الأول، وأن توريث حكم تونس لحرم الرئيس أو لصهره قد أصبح عند العديد محسوم ولا ينتظر إلا نقطة الصفر... إلا أن المشهد العام لا يبدو بالشكل اليقيني الذي يراد أن يُروٌّجَ له، وأن كثيرا من زوايا التوريث ليست محسومة كما يشاع، وأن عديد العوامل والأبعاد قد تدخل على النص دفعة واحدة أو على مراحل فتغير فقراته وسماته رأسا على عقب...

الأسرة الحاكمة ليست جنان بابل
فالعلاقة الداخلية بين العائلات والأسر الحاكمة أفرادا وجماعات، ليست بالصفاء الظاهر، والتماسك والتوحد، فعملية تقاسم الثروة لا تبدو مرضية لكل الأطراف، ومراكز القوى والنفوذ داخلها لا تبدو قد حسمت أمرها تجاه وريث وحيد يجمع عليه الكل، وتظهر أن بعض العلاقات بلغت مستويات متدنية ومتوترة وانظرو ماذا يحدث في الفيس بوك من بعض الفضائح وتصفية الحساب... الجميع يحاول جذب الحبل نحوه وبكل السبل المتاحة، ولن يرضى إلا إذا كان نصيبه من قطعة الحلوى يملأ البطن وزيادة، فمعركة الاستخلاف والتوريث قائمة داخل أسوار القصر ، وإن كان ينالها بعض الصمت والتورية، ويغلب عليها في بعض الأحيان الخوف من خسارة كل شيء [وعصفور في اليد خير من عشرة على الشجرة] لأن الأسرة الحاكمة وأجنحتها تعلم وتعي أن سقوط طرف يمكن أن يهز كل البناء وتتساقط القطع الواحدة تلو الأخرى.

الحزب لم يقل كلمته بعد...
إن الحزب الحاكم له تاريخه وله رجاله وله مواقفه الوطنية، ولا يمكن نكران ما للحزب القديم  قبل تحوله في فترة ما بعد السابع من نوفمبر، من مواقف ونضالات أيام الحركة الوطنية ومقارعة الاستعمار، ومن رجال رواد وطنيين. ورغم الهنات التي أصابته بعد الاستقلال والذي زادت تمكنا واستفحالا في الحقبة الرئاسية الحاضرة، فإن الحزب الحاكم لم يخلو من وطنيين يحبون لتونس ما نحب ولا يرتاحون لما يروه من تغول سلطة الأسر والعائلات وضمور دور الحزب. لذلك لم تكن العلاقة بين الأسر الحاكمة والحزب بالصفاء والقبول المعلن عنهما، فبعض الأصوات داخل الحزب تنظر بعين التوجس والريبة وحتى الرفض الخفي لما يحدث على مستوى الفساد والمحسوبية وتقاسم ثروة البلاد، ولا ترى مسوّغا أخلاقيا ولا سياسيا لتواصل المشوار بنفس الطاقم ونفس الأسر خاصة. وهي تعلم  وتلمس أن الحزب الحاكم قد فقد بريقه ونفوذه أمام مراكز النفوذ والقوى الأسرية الحاكمة، خاصة في ظل مرض الرئيس وغيابه الحزبي. فعهد بورقيبة وحزبه الجاثم على كل أوصال المشهد السياسي قد ولى وانحسر لصالح مصالح الأسر والعائلات وإن كان بورقيبة نفسه وفي أواخر عهده قد سقط نتيجة شيخوخته وتمسكه الجنوني بالحكم في فخ صولات ذوي القربى وكانت السيدة سعيدة ساسي المثل المعروف.

جهاز الأمن : من هنا مر الرئيس ولكن...
وتبقى العلاقة مع جهاز الأمن الحلقة الأكثر حساسية والأشد خطورة، ففي تونس خاصة ولعله في بلاد أخرى، يمثل البوليس عنصر توطيد الحكم المباشر ولاستفرادي أكثر من توطيد الأمن والاستقرار المعيشي، وإذا كان حاضر تونس يدعم المنزلة الهامة لجهاز الأمن حيث يفوق عدد أفراده 130 ألف حسب بعض الإحصائيات، والذي يخول تونس المراتب الأولى في هذا المضمار، فإن تاريخ البلاد تحت قيادة الرئيس الحالي يؤكد على الدور الرئيسي لجهاز البوليس في تطبيق القرارات السياسية وتوجهاتها من كبت للحريات واستبعاد المنافسين وسجن المناوئين وتنغيص حياة المعارضين، ولعله لا يخفى الدور الفعال لهذا الجهاز في حسم الأمر لصالح الرئيس الحالي أمام الحركة الإسلامية وتصفيتها.
إن كثيرا من المتابعين للوضع التونسي يجزم بأن من حسم تبعية هذا الجهاز فقد حسم معركة الخلافة، ومن حسم ولاءه فقد حسم مكانه في أعلى هرم السلطة، والجميع يعلم ذلك ولا يخفيه، غير أن مجموعة من الاستفهامات والتساؤلات المحيرة تبقى قائمة وملفته للأنظار، فرغم أن الرئيس الحالي قد جاء من الجهاز الأمني وتمتع بولاء كامل طيلة حكمه فهذا لا يعني أن هذا الولاء سيُوَّرَث، وإذا كان كذلك فلمن يورث ولأي أسرة أو طرف، أم يفضل الجهاز البقاء على الحياد حتى تنجلي للصورة وحتى لا ينزلق في صراعات يمكن أن تؤدي إلى ما لا يحمد عقباه؟  والحياد ليس ترفا فكريا منا أو موقفا مستبعدا ومثاليا، ولكننا نراه شديد الإمكان للخطورة الممكنة من دخوله صراع الأجنحة ولعله لا يخرج منها سالما كما هي حال البلاد حين ذاك، ولأننا نظل نؤمن أن في هذا الجهاز الأمني الكبير كثير من الوطنيين المخلصين الصادقين، الذين يهمهم مصير البلاد كما يهمنا ويعملون من أجل الصالح العام وإن كانت ظروف الوظيفة صعبة ومرهقة.

الجيش في ثكناته هكذا أراد بورقيبة ولكن...
للثكنة والدبابة قصة عجيبة مع البلاد العربية والإفريقية والمتخلفة عموما، فمن الثكنة وعلى ظهر الدبابة خرج علينا المنقذ والمخلص والمهدي المنتظر، ولولا أن النبوءة قد حسم أمرها لوجدنا من تجرأ عليها وأوقع الناس في حبالها، وعلاقة ملك الموت بالدبابة مصيري حاسم فحكامنا يصلون عليها ولا يغادروننا إلا في صحبة ملك الموت! والحالة التونسية وإن كانت أكثر "تحضرا" فقد أوصلت الجيش إلى الحكم والرئيس الحالي أحد جنرالاته المعروفين. لقد ظل الجيش التونسي بعيدا عن السياسة أو يكاد حيث كان الرئيس السابق يهابه ولا يريد له مكانا في الشأن العام ولم تكن دعوته له واستنجاده به في بعض المواقف كثورة الخبز وحادثة قفصة إلا لقمع انتفاضة أو تمرد ثم يعود إلى ثكناته ولا عين رأت ولا أذن سمعت ولا كثير حديث. وتواصل هذا الغياب وبقي الولاء كاملا من المؤسسة العسكرية للسلطة القائمة دون أي تدخل في الشأن العام رغم بعض الأحداث الصغيرة الأخيرة، فرئيس البلاد منها وإليها ولا مصلحة في الدخول في المجهول. هذه العلاقة من الولاء والمساندة تبدو مرتبطة بشخص الرئيس أكثر من سلطته وحاشيته، وليست هناك مؤشرات واضحة وملموسة في دخول المؤسسة العسكرية في صراع الأجنحة، وليس من صالحها ولا من صالح البلاد ترك الحيادية والوقوف على التماس. غير أن هذا الموقف الحيادي ذاته هل يبقى مستمرا إذا وصل صراع الأجنحة والأسر إلى ذروته مما يدفع البلاد إلى مستنقعات ودهاليز مخيفة؟ هل يبقى الجيش في ثكناته أم ينزل إلى الشارع لإنقاذ البلاد بمباركة خارجية أو حتى داخلية؟ لعل ورقة المؤسسة العسكرية هي الأكثر غموضا، وهذا الغموض لا يخدم بتاتا مشروع التوريث.

الخارج وأجندة المصالح تتواصل...ولكن...
لقد خدمت الورقة الخارجية النظام القائم ولا تزال، وكان لعنصر الخوف والتخويف من الظاهرة الإسلامية البعبع الذي استعملته السلطة بكثير من النجاح، خاصة وأن الحالة الجزائرية قد مرت من هناك، وتواصل حاليا مع قضايا الإرهاب والهجرة السرية. وكانت مصلحة الغرب [الحكومي] بأطرافه جميعا [الأوروبية والأمريكية] تريد استقرارا وأمنا ييسر لها قضاء شؤونها والمحافظة على امتيازاتها دون مشاكل أو تنغيصات، وكان لها ما أراد. وكان تسويق فكرة المعجزة التونسية في الاقتصاد الكلمة السحرية في فتح الأبواب واستمالة الخارج إلى مساندة النظام القائم دون كثير من التعرض للمسألة الحقوقية ومن غياب للديمقراطية.
هذا الموقف المساند للسلطة التونسية، شابته في الآونة الأخيرة بعض المنغصات والمتمثلة خاصة في الموقف الأمريكي الجديد من الانتخابات الرئاسية والبرلمانية الأخيرة، حيث ظهر ولو ببعض المجاملة قلق البيت الأبيض من النتائج ومن سير الحملة. وهذا الموقف على هناته ودون المبالغة في شأنه، يعتبر ناقوس خطر وحديثا غير معتاد، وهو ما صدم السلطة التونسية لأنه يمثل بادرة غير مسبوقة ورسالة ذات نكهة جديدة وموجّهة إلى الحكم الحالي والذي يليه، عنوانها عدم الرضا على الوضع الحالي والتوجس من المستقبل. فالموقف الأمريكي يبدو غير مطمئنا للمشهد العام وغير مقتنع كليا بآليات التوريث ورجاله أو نسائه، وليس مرتاحا للعواقب.
لذلك لا يجب المراهنة على أن ورقة التوريث مقبولة دوليا وأن الغرب لا يرى مانعا منها، بل إن مستوى الفساد والمحسوبية وما يصل القاصي والداني من وقائع مؤلمة وأحوال يشيب لها الولدان عبر الكتب والمقالات وحديث الناس، ومن تذمر الشارع التونسي ولو بصوت خافت ولكنه متصاعد وشامل، يجعل هذه الورقة مهتزة وغير مضمونة الوصول، حيث يبدو كابوس سقوط البلد في الفتن وعدم الاستقرار عاملا لأن تكون ورقة الخارج في ترقب وانتظار وغير محسومة سلفا، أو لعلها حوت أسماء أخرى ومراهنات على شخصيات وعناوين جديدة لم يكشف بعد عن أسرارها.
لكن كل هذه العوامل التي ذكرناها من عدم تجانس الأسر الحاكمة، والغيبة المؤقتة للحزب، والولاء غير المضمون للجيش وجهاز الأمن، وتوجس الغرب، تبقى مرتبطة بأحوال الآخر ووضعه ومصالحه ومراهناته، ولا نملك في بعض الأحيان كثير تأثير عليها [وإن كنت أرى أننا كمعارضة وجماهير قادرون على بعض التأثير الذي سأتعرض له لاحقا]. رغم أنه يجعل قضية التوريث غير محسومة وليست قدرا محتوما حتى وإن علا ضجيجها، لما تحمله من نقاط ضعف قاتلة تفتح الباب على مصراعيه من أجل خيارات أخرى ومبادرات جديدة.
 غير أن ثالوثا مثيرا وخطيرا نملك مفاتيحه وعناوينه، يمكن له أن يجعل حقيقة التوريث هباء منثورا وورقة متهافتة وكابوسا لن يرى النور، وهو دور الجماهير والمعارضة المدنية والحركة الإسلامية!
ـــ يتبــــــع ــ

2009-11-15