في التغيير والإصلاح والمصالحة [5/5] الجزء الخامس:الحركة الإسلامية: أدعو إلى عودة الشيخ راشد إلى البلاد!/ خالد الطراولي


د. خــالد الطراولي
ktraouli@yahoo.fr
 
ملاحظــــة : هذه الورقة التي نقدمها بين أيديكم والتي تحملها خمسة أجزاء، تمثل اجتهادا في مسألة التغيير المقبلة عليها تونس، وتشكل رأي اللقاء الإصلاحي الديمقراطي في قضية التوريث وتمرير الحكم ودور المعارضة المدنية والجماهير التونسية والحركة الإسلامية في هذه المحطة الخطيرة التي تمر بها البلاد، والتي تستدعي كثيرا من المسؤولية، كثيرا من الوعي، وكثيرا من القيم! وصدق الحداد حين قال : لو ما أعلّل نفسي بانتظار غد // لقلت خاب الذي أرجوه في بلدي!
لعل الاخوة في حركة النهضة سيهزهم هذا المقترح ولعل بعض التخمينات تذهب على غير مقاصدها... إن الحركة الإسلامية ورقة ذات حدين، إما أن تبحث عن حذفها بظلفها، والمتمثل أساسا في سكونها وتقوقعها أو تذبذب خطابها ومواقفها أو تهميش فعلها أو عدم الثقة في ذاتها أو ابتعادها عن مواقع الحدث، وهو ما يعني موتها ولو بعد حين... وإما أن تصنع الحدث وتكون قاطرة التغيير والدافعة إليه، وهو ما يعني بقائها ووجودها، والمساهمة على استمرار النفس التغييري والمقاوم في البلاد، خاصة وأن الأمر جلل والبلاد على مفترق طريق حاسم، ولم يعد مجديا ولا مسئولا البقاء على الأطلال أو المراهنة على العدم!
إن الحركة الإسلامية الإصلاحية كما قلت في الأجزاء السابقة غنية بتنوعها، بيمينها ويسارها، بمنتظميها ومستقليها، إلا أن حركة النهضة تمثل ولا شك الطرف الأكبر والجناح المهيمن وصاحبة التاريخ الأوفى، ولقد ساهمت الحركة الإسلامية ولا تزال في بناء الوعي وتأطير الأمل واستنهاض الهمم والبقاء شوكة في حلق الاستبداد...ودفعت غاليا هذا التواجد وهذه المساهمة من أجل بناء تونس الغد رغم بعض الأخطاء التي حصلت. وهذه محطة في مسار التغيير وليست كل المسار، ومرحلة محددة في سياق مراحل التغيير، وليست كل المراحل، وتجربة محددة في إطار التجارب السياسية بما حملته من صواب وخطأ، وليست هي كل التجربة ولا التجربة الوحيدة ولا الفريدة، و هي تستدعي وجوبا تجارب أخرى! إن الأمر كما قلنا خطير ولا مبالغة في ذلك، ويتطلب بكل أمانة تجاوز هذه المرحلة بشعار آخر وعنوان آخر ومنهجية تغيير سلمية أخرى...
لقد تعرضت الحركة الإسلامية إلى خلل قد صاحب مشوارها، وهو يحوم إجمالا حول مواقفها السياسية وقراراتها الحزبية والتنظيمية ومنهجيتها في التغيير، وقد تواترت الكتابات حوله ضمنيا أو بيانا، رغم أن المراجعات الوافية والتفصيلية لم تقع بعد، وهي نقيصة لا يبررها منغصات الواقع أو خصوصية المرحلة، من وجود مهجري ضاغط واستثنائي، أو هيمنة وإلزامات المطلب الحقوقي، أو ما تعرضت له الحركة الإسلامية من مآسي المنافي والسجون والمعتقلات.
ولقد تعرضت إجمالا في كتابات سابقة إلى بعض نواحي هذا الخلل المنهجي، وجذبت طرف الحديث خاصة إلى هيمنة البعد السياسي وضمور البعد الفكري والمعرفي والذي يلخصه ضعف البرامج والبدائل. وقد ساهمت تصفية الحركة وإبعادها قهرا وجورا عن منازل الحدث ونفيها عن أرض الوطن، في تجاوز بعض الأحداث والوقائع لها وبروز بعض الظواهر في غيابها، إلا أن متابعة الواقع التونسي عن قريب وعن كثب لم تنقطع، والتواصل مع شؤون البلاد بقي موجودا رغم الصعوبات والحصار الإعلامي الضاغط. ولعل دخول قضية التوريث على الخط وهيمنتها، وما ينتظر البلاد من أحداث تجعل ولا شك حضور الحركة الإسلامية في مستويات عليا أمرا ضروريا وواجبا شرعيا ومسؤولية وطنية عظمى.

نداء الصحوة : نداء الدين، نداء القيم، نداء المواطنة.
لن نبخس الناس أشيائهم، فإذا كانت الصحوة الأولى في سبعينات وثمانينات القرن الماضي قد غرست جذورها وسقت سنابلها وسهرت على ينع زهورها وطيبة ثمارها الحركة الإسلامية، التي أطرت فكرها وفعلها وساهمت في بروز حالة تدين اجتماعي معتبر، فإن الصحوة الثانية قد انطلقت في التسعينات والحركة الإسلامية في عمق الأزمة وشدتها، فكان ظهور التدين ملفتا شبابيا ونسائيا في أرض غير ذات زرع أو هكذا ما كان يتخيله الاستبداد، بعد عملية تجفيف ينابيع التدين في البلاد. فأغلقت منافذ الأرض فجاء الغيث من أبواب السماء، وكانت  الصحوة الثانية " صحوة الأطباق " [انظر مقالي "قراءة في العلاقة بين الاسلام السياسي وظاهرة التدين الاجتماعي" موقع "اسلام اون لاين" 2001 ] ورغم بروز هذه الصحوة في غياب الحركة الإسلامية، فإن التأثير غير المباشر للصحوة الأولى بقي قائما عبر ما تركته الحركة من مشاتل وزرعته من جذور طيبة. غير أن تواصل هذا الغياب جعل الصحوة الثانية تقوي عودها بنفسها، اعتمادا على رؤى وإرشادات وفتاوى على الهواء، كان البعض منها مسقطا على أرض غير أرضه ومنبتا عن واقعه. فنشأت الصحوة غير مأطرة بعيدا عن إرشادات علماء الداخل وفي غياب الفكر الإصلاحي للحركة وروادها.
المتابع لوضع الصحوة حاليا ومشوارها منذ انطلاقتها المحتشمة يخرج بتشخيص عجيب، فقد يظهر للعيان أن طريق الصحوة لم يكن مفروشا بالورود، فبدأت تنتاب مسيرته مخاوف من بعض الانحرافات التي تستوجب معالجة سريعة وعميقة، حتى لا يقع السقوط وتصبح الصحوة ظاهرة موضة تنتهي بانتهاء فصلها، أو تهوى في مستنقعات القراءت المستعجلة والموهومة فيقع المحظور.
لقد غلب على بعض أطراف الصحوة خطان متوازيان [والحديث غير عام ولكنها ظاهرة ملاحظة] فهي بين مرونة مزيفة تقارب الانحلال، وبين تطرف ومغالاة أنتجته مقولات التكفير والتجهيل. فصارت بعض أطراف الصحوة إلى انفصام بين الشعيرة والسلوك، فيمكن أن تجد صائما نهاره وقائما ليله ولا يتورع من أخذ الربا أو أكل الرشوى أو سوء المعاملة والأفعال. وفي المقابل فإن خطا متزمتا يحمل علما مبتورا وقراءة خاطئة ومدفوعا بحالة الجور والاستبداد وغياب الحريات، ومستفَزا من محاربة مظاهر التدين غير المرضي عليه كالحجاب واللحية والقميص، قد خرج رافعا رايته وساع للوقوع في قطيعة مع مجتمعه ولعله الوقوع في المحظور...
ومما زاد الطين بلة أن دخل على الخط في الاقتراب من الصحوة وملامسة مسارها عنصر جديد، فبعد خطة تجفيف منابع التدين في البلاد وفشلها الذي أثبته بروز الصحوة الثانية، أضحت السلطة تقترب بهدوء منها بعدما تبين لها خطورة انحرافها نحو منازل تهدد استقرار البلاد وبالتالي استقراره وبقاءه هو، فمسألة الأمن الداخلي واستقرار المشهد العام يعتبران خطا أحمرا وورقة طالما خدمت السلطة اقتصاديا وخارجيا، ولذلك سعت تحت صخب إعلامي إلى استضافة بعض علماء الصحوة العالميين، والذين كانوا من المغضوب عليهم لوقت غير بعيد، من أمثال الشيخ يوسف القرضاوي والدكتور سلمان العودة، لمحاولة تغيير الصورة البغيضة التي حملتها تونس تجاه الدين والتدين وتبليغ رسالة إلى الداخل والصحوة خصوصا، أن السلطة ليست في مواجهة مع الإسلام "المعتدل". هذا الإسلام الذي بدأت تُطبخ بزاره وملحه منذ مدة على أوتار دخول صهر الرئيس في بوتقة التدين التونسي المالكي الوسط، فكانت إذاعة الزيتونة ولحق بها حاليا البنك الإسلامي، وأصبحت السلطة تلعب هي أيضا ورقة الصحوة في عملية التوريث واستغلال حالة التدين المتصاعدة في البلاد وعدم مواجهة التيار ولكن مسايرته وكسب انتماءه أو حياده.
لنكن واضحين قبل مواصلة الحديث، ليست الحركة الإسلامية الوريثة الشرعية والوحيدة للدين والتدين، وليست المنفردة بحراسة المعبد، وليست رؤاها مقدسة أو أصحابها معصومين، ولكنها تحمل مقدسا ومرجعية تستقي منها اجتهاداتها ومقارباتها المدنية القابلة للخطأ والصواب، فوجود آخرين لإشاعة المعروف والخير بين الناس وخدمة الدين والتدين وحماية الصحوة، أمر مبارك ومحمود ويشجع عليه، ولكننا عليه ثلاث تحفظات:
ـ نعتبر أنفسنا مؤهلين أكثر من غيرنا في ملامسة الصحوة ومشاكلها وآمالاها، فمن نفس الينبوع نستسقي خطواتنا البعيدة والقريبة مما يجعلنا في وفاق وانسجام مرجعي وواقعي معها فيسهل الصلاح والتأطير وتوجيهها الوجهة الحسنة دون توظيف سياسي، من أجل رفاهتها الدينية والدنيوية خدمة لكل المجتمع. وهذا حقنا الذي لا نلزم به أحدا، وإلا فهو تنافس بين كل الأطراف لكسب ودّ الصحوة، وليس في هذا عيب إذا سُمح للجميع بالتواجد والعمل، ولن ترفض الحركة الإسلامية تواجد أطراف أخرى إذا خُلّيَ هي أيضا بينها وبين الناس.
ـ نرى أن هناك تضاربا بين إطلاق إذاعة للقرآن الكريم وإنشاء بنك إسلامي، وبين المواصلة اليومية لمحاصرة الحجاب والتضييق على صاحباته وعلى بعض الشباب المرتادين للمساجد خاصة في صلاة الفجر، وهو تضارب يلغي النوايا الطيبة التي تظهرها السلطة تجاه الصحوة ويلقي بظلال كثيفة حول مصداقيتها.
ـ الإسلام ليس قطعة فسيفساء ولا تجزأة فيه، والإسلام كلّ ووحدة يجعل من كرامة المواطن وحقوقه حجر الزاوية وأساسه الأول ومقصده الأعلى "ولقد كرمنا بني آدم" و "إني جاعل في الأرض خليفة" واحترام الإنسان وحقوقه المدنية يسبق أو لا يقل مكانة من احترام شعائره وطقوسه والتي تشكل جزء من حرياته العامة.
إن المشروع الإسلامي وإن لم يكن حكرا على أحد، فإنه لا يجب استأمانه عند كل من شب ودب ودون وصل كبير بأهدافه ومقاصده وفهم لدوره العام الذي يتجاوز منطق الإذاعة الإسلامية والتلفاز الإسلامي والبنك الإسلامي ولما لا العسل الإسلامي! نحن لا نريد مستبدا وإن كان يحمل في اليد اليمنى مصحفا وباليسرى سبحة تعدّ عدد مساجين الرأي والحرية والكرامة.
ليست للحركة الإسلامية مع شخص صهر الرئيس مشكلة ولا عداوة، فإن كان يعمل من أجل تدين معتدل كما صرح بذلك، فله ذلك ولكن ليُسمَح لنا أن نتواجد ونكون طرف خير في هذه المعادلة، فلم تكن الحركة الإسلامية من خلال برامجها وتنزيلاتها، داعية تطرف أو مغالاة، بل كانت ولا تزال تتبنى الوسطية كشعار وارتضت أن تدفع باهظا هذا السلوك الحضاري وإن كانت هناك بعض السقطات المنفردة. ويبقى التدين في مفهومه العام منهجية للتغيير سواء كان تغييرا بسيطا في مستوى السلوك الفردي أو في مستوى الشأن العام. وليس التدين منهجية للتقوقع والإرجاء. تدين الشعيرة يصبح تدينا مغشوشا إذا لم يصطحبه تدين السلوك والمعاملات والأحوال الشخصية ومسألة الحكم والسلطان، وإذا لم يدعم حراك المجتمع نحو الأفضل. [التدين كمنهجية للتغيير 2003]
نعم الصحوة في خطر، وتستوجب أكثر من إطار، نعم الصحوة في حاجة إلى من يؤطرها التأطير السليم ويوجهها التوجيه الأفضل من أجل مجتمع السلم والقيم، نعم الصحوة في حاجة إلى علماء صادقين يعيشون مطالبها وقضاياها وواقعها ولا يتركونها فريسة للجهل والتأويلات الخاطئة والفتاوى المسقطة، نعم الصحوة في حاجة إلى من يأخذ بيدها في هذه الدهاليز الضيقة التي لا تحمل سوى عناوين الاستبداد والمضايقة والمحاصرة، نعم للحركة الإسلامية دورها المتجدد في أرض الوطن، ولا نرى لها خير ممثل من غير أعلى مستوياتها ورموزها، لأن الحالة تستدعي أكثر من هم وانشغال وترف حديث وبقاء على الربوة... ولذلك عبر هذه الورقة أدعو إلى عودة الشيخ راشد إلى أرض الوطن والمساهمة في حماية الصحوة عن قرب وعجل. لكن هذا النداء لا يقف عند دافع الصحوة والإسلام بل يمتزج بنداء آخر ليس أقل وقعا ولا أضعف شأنا، وهو نداء الوطن!

نداء الوطن : نداء الإيمان، نداء الواجب، نداء الحرية، نداء المسؤولية.
كما أسلفنا الحديث وحتى لا نعيد تكراره، فإن واقع البلاد ومستقبلها وما يُطبخ لها وراء الأسوار، وإزاء مشهد سياسي متأزم وقابل لكل الخيارات، فإن دور الحركة الإسلامية مضاعف، التاريخ البعيد والقريب يدفعها، وضميرها وضمير الأمة لا يتركها، ومصداقيتها في الميزان، وشرعية تواجدها مرتبط برفعها للتحديات، ومرجعيتها المقدسة لا تترك لها خيارا ولا مجالا للتوقف والاجتهاد، والجماهير تنتظر صدق الأفعال وإخلاصها، ووطن جريح ينادي! كل ذلك يسحب عن الحركة الإسلامية أي تردد ويجعلها في مواجهة مصيرها، فإما حياة مع شعبها وإما فناء وعدم.
فلا يمكن للحركة الإسلامية أن تكون غائبة عن هذه المرحلة الحساسة التي تمر بها البلاد، وعليها أن تكون فطنة واعية وممنهجة. ولعل قائلا أن يقول: أن أعضاء الحركة الإسلامية والنهضة خصوصا، قيادة وقاعدة، موجودون داخل البلاد، بعضهم خرج لتوه من السجن والبعض الأخر منذ زمان، ولا يستطيع أحد فعل شيء، فالدرة منتصبة والتضييقات له بالمرصاد! وليس أكبر دليلا على ذلك غياب أي تأثير لحركة النهضة في مجريات البلاد، بل يذهب البعض إلى أنها لم تعد معروفة من قبل الجيل الجديد! من أجل ذلك يجب أن يتجدد اللقاء وأن يكون وجودها علنيا وفي أعلى مستوى، عليها أن تصنع الحدث، أن يكون فعلها غير اعتياديا ويمثل سبقا ومفاجأة كبرى من شأنها رج عديد المواقع وخلط كل الأوراق...إني أدعو مجددا إلى عودة الشيخ راشد إلى البلاد وقيادة عملية التغيير أو المساهمة عن قرب وبالنصيب الأوفى في تنزيلها ونجاحها.
إن عودة الشيخ راشد إلى البلاد مدفوعا بنداء الصحوة ونداء الوطن يجعل السلطة أمام خيارين، إما حبسه ومحاكمته وإلحاق الأذى به، وهو خيار له كثير من المعقبات والنتائج على مستوى الداخل والخارج، فالشيخ الفاضل له مكانته الفكرية والسياسية وليس ذرة مرمية في فلاة، وهو يحظى بمنزلة عالية لدى عديد الأوساط أفرادا وهيئات، ويملك حضورا إعلاميا مميزا، ومعروف لدى الشارع العربي وهو رمز من رموزه الكبار. زيادة على أن هذا الخيار يعظم الإشعاع الشخصي للشيخ ويلقي عليه الضوء داخل البلاد، ويجعله زعيما يحسب له ألف حساب، ومن غابت عنه معرفة الشيخ ففرصته حلت لملامسته. هذا البعد الجماهيري وهذه الشعبية التي يمكن أن يحدثها خيار الحبس والمحكمة، يجعلنا نستبعده إلا إذا غلب التهور وسوء المنقلب ووقعت السلطة في المحظور.
أما الخيار الثاني للسلطة فهو ترك الشيخ "حرا" مع متابعات وتضيقات والتزامات وإحراجات، لكن عدم استجابة الشيخ ورفضه لأي ردع وزجر رغم شدة الأذى والرسول الكريم صلى الله عليه وسلم كانت توضع على ظهره الشريف وهو ساجد في بطاح مكة الأوساخ وروث الإبل فصبر وما استكان، ونحسب الشيخ الفاضل أهل للصبر والوفاء. ومن شأن كل ذلك إرباك السلطة وطرحها لبدائل وتصورات أخرى ولعلها لمساومات!
وقبل أن أختم هذا الملف أريد أن أغلق بابا لعل الشيطان يفتحه، فلعل قائلا يقول ولما لا تعود أنت..خالد الطراولي! وأجيب والله على ما أقول شهيد : إن للشيخ الفاضل منزلة إعلامية ومكانة فكرية مرموقة كما ذكرت، ورحم الله امرأ عرف قدر نفسه، ولو كان لي هذا الإشعاع الإعلامي لما تأخرت لحظة عن العودة مهما علا صياح الصغار وعناد الكبار، ورميت بنفسي لإنقاذ هذه البلاد الطيبة وأهلها الطيبين. فالمسؤولية أمام الله أكبر من أن يتردد المرء أو يتقاعس، ولن يرحم التاريخ ولا الجماهير من تأخر أو ترك بصماته تحذو بصمات السلطان، وسكن خيمته وأكل ثريده أو فالوذجه، بعيدا عن أكواخ الجماهير ورغيفها.
يبقى أن أذكر ما قلته سالفا وأعيده رفعا لكل التباس أو ظنون، أن حديثنا هذا ومبادراتنا المطروحة تبقى في إطار الاجتهاد الخالص من أجل خير البلاد وهي تحتمل الخطأ والصواب، وإذا رأى الشيخ الفاضل غير ذلك فلعلنا جانبنا الصواب، وهو أعلم بحاله إذا كانت صحته أو ظروفه الخاصة أو غير ذلك من المعطيات التي نجهلها، لا تسمج بذلك و"الله لا يكلف نفسا إلا وسعها"...
 ولكن ثقوا جميعا أن الداعي لذلك كان الخوف على المشروع، الخوف على الصحوة، وأساسا الخوف على الوطن. وحتى نكون مفاتيح خير وبركة ومدرسة تغيير وإصلاح، ثقوا أيضا أننا قادرون بعون الله على خلط كل الأوراق وقلب المعادلة والخروج بكل الخير لتونس، والرفاه المادي والروحي لكل أبنائها.
ــ انتهــــــي ــ

2009-11-19