عندما تمشي الضحية في جنازة الجلاد/ خالد الطراولي

 

د.خــالد الطراولي
ktraouli@yahoo.fr

... إنه "كان مخلصًا لدينه ووطنه لتحقيق هذه المصالحة التي أصبحت نموذجًا يحتذى في كل البلاد العربية.. وكان سببًا في الإفراج عن آلاف المعتقلين...، في الوقت الذي كانت الدول الأخرى تشحن الإسلاميين إلى السجون بعد 11 سبتمبر...نقول هذه الكلمات عرفانًا بفضله ووفاءً لعطائه وتذكرًاً لجميله.. فقد كان فذًا وسابقًا لأقرانه في كل شيء".

كلمات من ذهب، تأبين في أعلى مستويات التكريم والاعتبار، اعتراف جميل ونياشين مباركة ورضا، يحملها هذا الخطاب البسيط... أحرف تتراكم وتتزاحم لتبني فكرة تلامس الأسطورة، في زمن خلا في الكثير من أيامه من منظومة القيم وحقوق الفرد والرعية..، في زمن تعالت فيه أصوات الذئاب وغابت فيه أو خمدت أصوات العقل والفضائل والخلق الحسن...

ليست هذه الكلمات من أخ كريم التاع من وجع الفراق، ولا من صديق حميم فقد السند والعون، ليس هذا الخطاب بروتوكولا يُلقى في مثل هذه المناسبات الحزينة دون لون ولا طعم ولا رائحة!

إن الفقيد رجل أمن ومخابرات، رجل كان ولعله لا يزال في صف الجلاد أو لعله الجلاد نفسه! والمؤبّن أحد قيادي الحركة الإسلامية! عجيب أن تلتقي الضحية والجلاد دون قضبان وهراوة، دون جور وبغي وظلمات، غريب أن يجتمع القوم بأوجاعهم وخلافاتهم، بأيامهم السوداء وكهوفهم ودهاليزهم، بآهات ودموع ودماء، أن تجمعهم ورقة بيضاء حالمة وإن كانت حزينة...وإن كانت المنازل مقبرة مفتوحة على أبواب السماء، وإن كان لقاء الأحياء بالأموات!!!

نعم الإطار جنازة والمتوفى ضابط كبير في المخابرات المصرية، وصاحب الخطاب التأبيني قيادي في الجماعة الإسلامية في مصر!!! من هنا تبدأ قصة وتنتهي أخرى، من هنا مرت غربان سود، أعقبتها حمائم بيض تغرد داخل السرب وتحلم بغير السراب...

لقد كانت المواجهة عنيفة وقاتلة بين الجماعة الإسلامية في مصر والنظام القائم، وسالت دماء بريئة، ونال القوم من بعضهم في سنين طوال دامية عجاف، مات من مات ودخل السجن الآلاف، وبقيت الحالة متدهورة ومفتوحة على المجهول، حتى لاحت في الأفق مفاتيح لأبواب كانت موصدة، وثنايا حبسها الظلام عن ارتيادها، فكانت المراجعات الفقهية التي طرحتها الجماعة الإسلامية سنة 2002 فاتحة خير وبركة للخروج من الأزمة ومعانقة الصلح والمصالحة بين الجميع، فتم إطلاق سراح الآلاف من المساجين وقد مضى على بعضهم أكثر من عقدين...

كان وراء ذلك رجل من الضفة الأخرى، لعله كان مغمورا ولا يصيح من فوق صومعته..، اللواء أحمد رأفت نائب رئيس جهاز أمن الدولة في مصر، تبنّى المراجعات وكان كما تقول الجماعة الإسلامية " الرجل الفذ الذي رحم الفقير وعطف على المعتقل.. ورحم أهالي المعتقلين من ويلات وويلات لا يعرفها إلا من ذاقها.. وهو أول من أعاد للمعتقلين الإسلاميين كرامتهم الدينية والإنسانية المفقودة.. وهو الذي غامر بمنصبه ومجده الشخصي والوظيفي تقديمًا لمصلحة الوطن على مصلحته الشخصية.. فقد جعل منصبه على محك نجاحه في تجربة المبادرة " ، منهيا بذلك سنوات من الجمر والمعاناة، وفاتحا لباب خير وأمن وأمان.

ما يستوقفنا في هذه الحالة مجموعة من المضارب التي نراها تمثل نموذجا شاذا ومنهجية لقاء وبناء، وفصول كتاب وردي نود أن يعم بلاد المسلمين، وهي تشكل مسارات نحلم أن تخط آثارها على رمال، وإن كانت متحركة، نحو الأفضل والأسلم، من أجل مواطنة كريمة دون إقصاء أو تهميش أو استبداد :

* ليست ضفة الحاكم كلها سواد فأماكن النور متواجدة وأهل الخير والوفاء ليسوا حكرا على منازل المعارضة وثناياها.

* ليست خيمة الحاكم وحدة متجانسة، وإن كان الاستبداد يسعى غالبا إلى نحت صورة الولاء الأعمى والحب الجنوني والظهور بصورة الكتلة المتلاحمة التي لا تشوبها شائبة، فليست كل أبواب القصر ذات لون واحد، ولا نوافذه بنفس الحجم والقدرة لعبور الريح والنسيم العليل.

* المراهنة على الاستبداد خطأ، ودخول خيمته منحنيا ليس من الشيم، ولكن المراهنة على الخير صواب، والاقتراب أو اللقاء مع أهل الفضل والمروءة من أجل الصالح العام جميل ومرتقب.

* إن هناك فصلا بين النظام والدولة وإن كانت السلطات عندنا تسعى إلى تعويم الثانية في أوحال الأول، وأعوان الدولة أناس يغلب على أكثرهم الفعل الحسن والعمل من أجل خير البلاد، فلا يجب الخلط ورمي الرضيع بآنية الغسل، ولكن يجب السعي إلى تجنيب هؤلاء ويلات أي اختلاف أو خلاف، وكسبهم إلى مواطن الكرامة وحقوق الإنسان.

* إن الجماهير إجمالا ليسوا على قلب رجل واحد، وليسوا من معدن واحد، وهذه الحقيقة البديهية ولعلها كثيرا ماتنسى، لا يجب إغفالها ولكن اعتمادها كمعطى واقعي يؤكد على أبعاد البراغماتية غير المنعزلة عن القيم والتفهم الواعي، وعلى قيم العفو والرحمة بين الناس.

ختاما فإن فكر المصالحة وممارسة المصالحة عناوين لمنهجية تغيير ونهضة أثبت التاريخ البعيد والقريب جدواهما، ولقد عزز مقدسنا القولي والفعلي من آليات العفو والرحمة والصلح والتصالح ودعا إليها بكلمات من نور. ولن يكون للفرد والمجموعة من نجاح وفلاح في مستوى الوطن أو الأمة إلا عبر تشكيل عقلية المصالحة في مقابل عقلية المواجهة وتكوين فكر المصالحة وآلياته في إطار من قيم العدل والحرية والمواطنة الكريمة، بعيدا عن الاستبداد ومنازله ورواده.

2010-08-29