محمد البوعزيزي قاهر المُستبدين [2] /الأستاذ مصطفى لونيسي

 

أيّها السّادة، أصحاب الجلالة و الفخامة،يُسْعِدُنا أن نعرِّفكم بالبطل الشاب محمد البوعزيزي رمز العزّة و الكرامة ، قاسم ظهر الاستبداد و مُفجِّر ثورة الأحرار.

البوعزيزي مُواطن مِنْ تونس الأعماق، أحبّته الشعوب شرقا و غربا لأنه أبى الذّل و الهوان،فانتفض بطريقته ثأرا لكرامته وثورة على الظلم.

صبر على الظلم وصابر و صمد طويلا ككل التونسيين، ولكن لمّا أعوزته الحيلة في الحصول على الحد الأدنى في حقه في حياة كريمة بسبب سياسات خاطئة ومُزيفة أشعل في نفسه النّار ،احتجاجا على هذا المصير المُزعج الذّي آل إليه كلُّ التونسيين. لقد ابتلي التونسيون بنظام سياسي بوليسي استبدادي منغلق أصم لا يسمع، وأعمى لا يرى، وغافل لا يعتبر و جاهل لا يفهم مطالب شعب أبِيّ ٍ في حياة حرّة وكريمة. احتجاجا على هذا الواقع الأليم الذّي صار إليه الشعب التونسي بكل فئاته، فضّل البوعزيزي النّار على العار فأشعل في جسده النّار . فكانت هذه النّار التي كان وقودها جسد البوعزيزي بردا و سلاما على تونس و شعب تونس ، وكانت لهبا و جحيما على الطّغاة و المستبدين، فالتهمت الطّاغية المُسمّى زين العابدين بن علي يوم الجمعة 14جانفي 2011، ثمّ أتت على فرعون مصر المسمّى محمّد حُسني مبارك يوم 25فيفري2011، و هي الآن تلاحق الشّقِيَّ الآخر الذّي استخف بقومه على امتداد اثنين و أربعين سنة المسمّى بالقذافي.

إنّ الطريقة التي اختارها البوعزيزي للتعبير عن غضبه و رفضه لواقع الظلم و لئن كانت درامية على المستوى الإنساني، إلاّ أنّها كانت راديكالية و حاسمة على المستوى الثوري. استطاع البوعزيزي أن يلفت أنظار العالم لمأساة شعب تونس ، و نجح في كشف أكاذيب نظام طالما غالط جهات عديدة في تصديق ادعاءاته. لقد صنع لنفسه (فيتو)حاصر من خلاله حكام العرب ، فسقط من سقط من هؤلاء الحكّام، و هرول من هرول يسترضي شعبه ويعدهم بإصلاحات سياسية قادمة. لقد حاكم هذا الشّاب حكامنا العرب ، فحكم على الظلمة منهم و ما أكثرهم بالدّخول إلى مزبلة التاريخ، كما أنّه على مستوى آخر ردّ الاعتبار الى الشعوب العربية فكان البوعزيزي صانع بداية ربيعنا في عالمنا العربي و الإسلامي . لقد توفيّ البوعزيزي رحمه الله تعالى، ولكن روحه الطّاهرة لا زالت ترفرف علينا و تزوّدنا بالزّاد الرّوحي للصمود و المقاومة. إنّ المُواطن العربي في هذه المرحلة التاريخية من الزّخم الثوري أصبح ينام و يصحو على الملاحم البطولية في تونس و مصر و ليبيا و اليمن... و غيرها من البلاد العربية بعد أنْ كان سابقا ينام و يصحو على الحماقات و تضخم الذّات و تلميع صور الزّعامات الوهمية و الفاسدة... إن من بركات رفض الظلم والصمود هو هذا التحول السياسي الذّي تعيشه الشعوب العربية في هذه اللحظة التاريخية من المحيط إلى الخليج ، و لعلّ من أهمِّ مظاهر هذا التحول هو بداية تبلور ثورة ثقافية ستكون داعمة و مساندة لمكاسب هذه الثورة المباركة. ويكفي هذا الشّاب فخرا أنّه كان أوّل من فجر شرارة هذا الغضب المقدس الذّي سيأتي على الفساد والدكتاتورية من الجذور رحمه الله رحمة واسعة و أدخله فسيح جنّاته ...

2011-03-18