وأخيرا أصبحوا "توانسة" ولكن.../د.خــالد الطراولي

 

د.خــالد الطراولي*
ktraouli@yahoo.fr

كتبنا منذ مدة ولمرات عديدة تساؤلات حول الإقصاء والاستبعاد الذي يتعرض له المهاجرون في المشهد السياسي التونسي، وحذرنا من إمكانية استبعادهم كمرشحين حيث بلغت إلى أسماعنا منحى إقصاء أصحاب الجنسيات المزدوجة من الترشح للمجلس التأسيسي، وعبرنا عن توجسنا وتخوفنا من هذا التبعيض والتجزئة لمفهوم المواطنة، حيث تجلى للعيان خطورة استبعاد جانب مهم من الجالية التونسية في المهجر من الحضور المباشر والمساهمة الفعلية والمشاركة في حلقة مصيرية وهامة من حاضر ومستقبل تونس.

ولقد ذكرنا وأبلغنا أصحاب القرار وسلطات الإشراف بصيغ غير مباشرة عن هذه الهواجس التي تلغي جزء من الشعب التونسي وتنحي عنه جانبا من حقوقه، لا لأنه مذنب أو متهم أو يعمل في سلك معين، ولكن ذنبه أنه وجد نفسه يوما خارج الوطن اضطرارا وليس اختيارا، بعضه اقتصادا وبحثا عن مورد رزق، والبعض الآخر هروبا من الاستبداد، فوجد نفسه بدون جواز حيث مُنٍعَهُ، وبلا وطن حيث شُرِّدَ منه، فوجد نفسه ملقى على رصيف الحرمان، إما أن يركع للإستبداد ويقبل العيش حاني الظهر ويمشي بجانب الحائط، شعاره "الله ينصر من اصبح"، أو يقبل العيش منفيا صامدا مقاوما رافضا الانحناء والتذلل، فتفضلت عليه بلاد الإقامة بجنسيتها وجعلته يعيش آدميته، والحسرة تملأ يومه وليله، حيث لفظته أرض الأجداد وقبلته أرض الجيران!

الجديد المعلن في مشروع انتخاب المجلس التأسيسي هو القبول بترشح التونسيين مهما كان تواجدهم الجغرافي وتعدد جنسياتهم بعد الجنسية التونسية، وأصبح التونسي المهاجر من هذا الباب يتساوى مع تونسي الداخل في الحقوق والواجبات، وهذا مسار محمود، والرجوع إلى الحق فضيلة، فلا فرق بين التونسيين إلا بما يقدمونه من خدمة لهذا الوطن العزيز، ولكن هذا بداية الطريق، وليس كل الطريق، فقانون الأحزاب الحالي، وبانتمائه إلى عهد الظلمات ساهم في هذا الاقصاء والاستبعاد، ونرجو أن يحمل القانون الجديد نفس فلسفة التواصل بين التونسيين واعتبارهم جسدا واحدا كما أرادته الثورة المجيدة، إذا أصاب طرفا منه ألم، تداعى له كل الجسد بالسهر والحمى. فلا يستبعد من المشاركة في المشهد السياسي إجمالا جاليتنا في المهجر وخاصة الجيل الثاني والثالث والذين يحمل أغلبهم جنسية البلد المضيف، فيكون لهم حقوق المشاركة والترشح وتأسيس الأحزاب وتسييرها، والمعيار الوحيد هو حب الوطن والمساهمة في دفع عجلته نحو منازل الأمن والأمان والرفاه.

إن المهجر تواصل جغرافي ووجداني للوطن، وهو الوطن في امتداده يعيش على أرضه تونسيون كرماء أوفياء أصيلون، أحلامهم جميعا تونسية، وهمومهم كلها تونسية، وأفراحهم وأطراحهم تونسية، وتونس بلاد الجميع منهم، بلا إقصاء ولا تهميش، وهي بلاد الأجداد والآباء وهي بلاد الأحفاد.

ولي وطن آليتُ أن لا أبيعه ./. وأن لا أرى غيري له الدهر مالكا.

2011-04-18