ملامح على طريق إعادة البناء أ. مصطفى عبد الله ونيسي

 

تضاريس الإستبداد السياسي:
الاستبداد في عالمنا العربي و الإسلامي منه ما هو معلوم وظاهر للعيان ،قد عمَّت به البلوى، ومنه ما هو خَـفِـيّ ٌ وكامن وقد لا يراه و يحسّ ُ به إلا من أتاه الله بصرا و بصيرة يرى بهما ما لا يراه العَّادي من النّاس الذّي لا يرى في دنيا البشر إلا مصلحته الضيّقة. و لأن الاستبداد كُلٌ لا يتجزأ ، سواء كان ظاهرا أم خفيّا، فلا بد من مُقاومته مقاومة شاملة ، عن طريق التربية و التعليم والفنّ و كل أشكال المقاومة. ولكن من أجل أن تكون هذه المقاومة فعليّة كان يجب علينا إدراك مختلف صور الاستبداد لتحديد منهجية قويمة و شاملة للقضاء على هذا الدّاء العضال الذّي لا تزال أمتنا تعاني من ويلاته المدّمرة. فما هو السبيل العملي لفضح المؤامرات الرهيبة التي يختبأ وراءها المستبدون في الدّاخل و الخارج؟ و ما هي الوسائل الفعّالة التّي بفضلها نستطيع أن نُشْفَى من هذا الدّاء العُضال؟

الاستبداد ظلم عظيم وشرٌّ كبير و ظلمات بعضها فوق بعض سواء مارسته سلطة غاشمة احتكرت البطش والإكراه، أو مارسه تنظيم حزبي ولو ادّعَى كذبا أو توّهُما أنه حزب الإصلاح والحرية و الديمقراطية. فاستبداد الأنظمة هو من دون شك من أهم أسباب تأخرنا وتبعيتنا وهو ما سنقاومه،ولو بمواقفنا وسلوكنا اليومي ،إن عجزنا عمَّا هو أكثر. فعنف الدّولة قد خبرناه، كيف لا و الجميع يُعاني من ويلاته، معارضين و غير معارضين،فهو واضح وليس خافيا على أحد. ولذلك فنحن وطّنا النّفس وأعددناها لمقاومة هذا الدّاء العضال الذي ينخر أمتنا وشعوبنا، وتحمّلنا مسؤوليتنا في ذلك ودفعنا ولازلنا ندفع ثمن ذلك. ولكن الأخطر من هذا،هو ذاك الاستبداد الذّي يُمَارَسُ باسم الأخوة وقيّم التّضامن والوحدة أحيانا،والحريّة والدّيمقراطية و الثّوْرِيّة أحيانا أخرى. الذي نخشاه وترتعد منه فرائصنا هو أن نرفع شعارات الديمقراطية والحرية و العدل والمساواة كخطاب ونظريات للتمويه على الذّات والآخرين والمزايدة ومغالطة النّاس سياسيا لكسب وِدّهم و نصرتهم، مع أنّنا في الحقيقة لم نغادر مواقع الاستبداد ولا دياره،إلاّ مَنْ رَحِم الله، تَـكشفنا وتُعرّينا في الغالب تطلعاتنا الاستبدادية في السّلوك و الممارسة اليوميّة شعرنا بذلك أم لم نشعر. إنّ الشعور بالمرارة يكون مُضاعفا عندما نتلظّى بنّار استبداد داخلي نكون قد ساهمنا في صناعته يوم لم نقطع أسبابه من الجذور مُعتقدين أنَّ إخوان الدّرب وخاصة وقْتَ البلاء و المِحَنِ لا يُمْكِنُ أن ينقلبوا إلى أنَاسٍ مُتطَّلِعِين و مُتعطشين إلى الاستبداد. إنَّ التعذيب الجسدي، والسجن وحتى الشهادة في سبيل القضايا العادلة هو أهون علينا من الإستبلاه والإحتقار والتهميش والتشويه والتكفير وتكميم الأفواه وإلغاء العقول وبثّ الفتنة باسم وحدة الصف المغشوشة، والصّمود الكاذب والبطولة الوهمية......ولذلك فنحن يسعنا ما قاله ابن تيمية رحمه الله عندما سُجن في سجن القلعة ( ماذا يفعل أعدائي بي، أنا جنتِّي في صدري حيث رُحت فهي معي، سجني خُلوة أختلي فيها بربي، ونفي سياحة،وسياحة المؤمن جهاد في سبيل الله، وقتلي شهادة في سبيل الله ...)

فهذا الصِّنف من الاستبداد ، لن تزيدنا مقاومته إلا ثباتا و صمودا و عزّة وإباء إلى أن يفتح الله بيننا و بين قومنا بالحق و هو خير الفاتحين. وهْوَ لا يعدو أن يكون (أي الاستبداد) في كل الأحوال إلاّ صورة بشعة و متخلفة للحكم و مُدّمرة للذّات البشرية و لا نتمناه لبلدنا ولا لأي شعب من الشّعوب، ولكننا في نفس الوقت لا نخشاه مثلما نخشى ذاك الاستبداد المتستر الذّي يغتالك من تحت أقدامك وأنت غافل ويحكم عليك بالإعدام السِّياسي والتشويه الخُلُقي باسم الدِّين وطاعة الله ورسوله تارة، وباسم الشعب و الثورة أحيانا أخرى. لا أظنُّهُ خافيا عليكم أيها المتطلعون لأيا م أفضل أن المقاومة الجذرية للاستبداد لن تتم إلا عن طريق التربية منذ الصغر، والتعليم والثقافة و الإقناع، وانطلاقا من القاعدة الشعبية العريضة، فردا و عائلة و مجتمعا.و نحن لا نختلف مع إخواننا، سواء منهم أولئك الذّين ركبوا الثورة وحاولوا سدّ الطريق على غيرهم من دون وجه حقّ، أو أولئك الذّين نصبُّوا أنفسهم سادة جُدُدًا علينا من الآن في ضرورة مقاومة الاستبداد والتّصدِي لكل المحاولات المُريبة لإفراغ الثّورة من محتواها. إنَّ مُهِمّة القوى الوطنيّة اليوم هو الانتباه إلى مُختلف التّطلعات الاستبدادية و التّصدي لها بكل صرامة وجدِّية حتى نكون قد قطعنا بشكل نهائي مع الاستبداد وآلياته المُتعدِّدة . إنَّ التَّحَوُّل الحقيقي نحو الدّيمقراطية لن يتحقق إلاّ باستبدال ثقافة الاستبداد والإستبلاه بثقافة الديمقراطية و النباهة السّياسيّة. إنَّ نضال التونسيين من أجل حياة سياسية مُزدهرة لن يتِّمَ إلاّ بالإخلاص لتونس و المحافظة على روح الثورة والتعاون مع كل أفراد الشعب دون إقصاء أو تهميش لأحد. إنَّ مُستقبلنا السياسي مرهون بسعينا الجاد، كُلٌّ من موقعه،لتحقيق الوحدة الوطنيّة من ناحية، والإصرار و الصمود والفعل والفاعلية، ومحاصرة كل الإستئصاليين من كل دين وملّة بالفكر القويم والسلوك الرشيد والصبر الجميل من ناحية ثانية.

إنّ ما نَخشاه على القوى الوطنيّة الجادّة و المسئولة بصفة عامّة، والتيار الإسلامي بصفة خاصة هو الرّكون إلى إملاءات الأجندات الحزبيّة الضّيقة و إكراهاتها ، فنُستدرج من جديد تحت مُسميّات جديدة نحو مواقع الاستبداد الذّي دفع الشعب التونسي الثمن غاليا للتخلص منه إلى غير رِجعة إن شاء الله تعالى. إنّ القطع النّهائي مع الاستبداد و آلياته و سلوكياته هو واجب وطني و مُقدس على كل تونسي أن يكرسه في أقواله و سلوكه اليومي ومواقفه وأعماله . فالاستبداد الذّي خرج من الباب لا ينبغي أن يدخل علينا من جديد في أشكال جديدة من النّوافذ.

ما يجب التأكيد عليه هو عدم القبول بالاستقطاب السياسي، مهما كان المُستفيد من هذا الاستقطاب، ذلك لأنّ احتكار الشأن العام من طرف فئة معيّنه هو باب لشر عظيم، وخاصة في هذه المرحلة الانتقالية التّي تعيشها بلادنا.ومن الوفاء للثّورة و دماء الشّهداء رفض كل محاولات الالتفاف على مطالب الثورة وتناسي دور البطل الحقيقي في إنجاز هذه الثورة التّي حققت ما عَجّزَ عنه الأولون.

وغِيرَة منّا ،إذًا،على البلاد و العباد وثورة الكرامة، وتصديا لبعض الانحرافات، فإنّه لا يُمْكِنُ أن نقبل بالتهميش كُرْهًا ولا بالاستقالة الميدانية طوعا، مهما كانت الصعوبات و العراقيل. فمصلحة تونس تقتضي منْ كُلِّ مُواطن حُرٍّ و أصيل أن يتحمل مسئوليته في الدّفاع عن روح ثورة 14يناير (جانفي) حتى لا تلتف عليها قـُوَى الجذب إلى الوراء . فممارسة الحقوق السياسية ، والمساهمة في خدمة الشأن العام الوطني، هي واجبات مُقدسة مُتعلقة بذِّمة كل واحد منّا يفرضها علينا الدّين والمروءة و الإنتماء المشترك لتونس،هذا البلد الذي نحبه ونعتز بخدمته وخدمة شعبه. هذا الشعور بالانتماء الوطني المشترك يقتضي منّا أن لا نتردد في اقتراح ما نراه مفيدا لبلدنا معتمدين في ذلك على مدد من عند الله أولاّ، و مُراهنين على صمودنا و إصرارنا على حقنا في حياة كريمة ومناصرة الخيِّرين والوطنيين الحقيقيين من أهلنا وشعبنا من ناحية ثانية.

كُلنا يُدرك أنّ العالم اليوم أصبح قرية كونيّة واحدة،وأنّ الرّياح في هذه القرية بدأت تجري أكثر فأكثر بما لا تشتهي سفن المستبدين. وهذا مُعطى إيجابي لصالح قُوى الإصلاح والتغيير. إضافة إلى هذا المُعطى الخارجي الذي لا يُستهان به ،هناك مُعطى آخر داخلي مُهِّمٍ لا يمكن أن ننساه أو نغفل عنه، وهو حُبُّ التونسيين الأحرار لبلدهم. بهذا الحبِّ أصبح التونسيون لا يعرفون المستحيل، وأصبحوا قادرين على تحويل الجبال بإذن الله تعالى و زرع الأمل في كُلِّ مكان و زمان، و ما ثورتهم الرّائدة إلا دليل قاطع على صدق حبِّهم لبلادهم . ولأننا جزء من هذا الشّعب، فنحن كمواطنين أوّلا، و كمناضلين ثانيا، صادقون في حبنا لبلادنا وللنّاس أجمعين، مهما حاول المثبطون أن يُثبطوا من عزائمنا و يشككوننا في أنفسنا. وتونس لكل التّونسيين ، فلا ينبغي لأي فريق مهما كان هذا الفريق أن يفرض علينا إرادته أو وصايته بأي شكل من الأشكال، فلا نريد سادة جدُدا وإنّما السّيادة للشعب و حده ، فالإنتباه الإنتباه.

إنَّ تعدد المشاريع والرؤى هو ظاهرة طبيعية و علامة ثراء و صحة بشرط أن يكون هذا التعدد مُنّظما و مؤطرا بشكل يخدم المصلحة العامة للبلاد والوحدة الوطنية . ولعله من حسن حظّنا أيضا أننا نعيش في عصر لا تملك فيه جهة من الجهات مهما أوتيت من قوّة و شرعيّة ،بحكم الزحف المتواصل لقيم الديمقراطية و حقوق الإنسان، أن تمنعنا من خدمة بلدنا ما دمنا ملتزمين بالقانون والمنهج السِّلمي في التغيير و الإصلاح.

فتونس فوق الجميع وأكبر من الأحزاب، و ما دام الحال كذلك فلماذا هذا الخوف والتردد والتبعية لمن لا يسمح لنا حتى بحرية الرأي و الاجتهاد؟

إن الحرّية قبل أن تصبح مطلبا تطالب الشعوب به، هي شعور نبيل و فطري يعيشه الإنسان في ضميره، وسلوك يومي يمارسه يوميا و ذوق جمالي وإنساني يعيش عليه المواطن أينما حلَّ بين أفراد عائلته و في مجتمعه و مع شعبه الذّي ينتمي إليه. الحرّية هي مجموعة قيّم ينتمي إليها المواطن و يعيش عليها و بها و لا ينساها أبدا. ومن بين هذه القيّم نعتز بالإنتماء إليها و نذّكر بالبعض منها على سبيل الذّكر لا الحصر:

نؤمن إيمانا جازما بأن لا مستقبل لنا حضاريّا خارج هويتنا العربيّة و الإسلامية ، ولا مستقبل لنا سياسيا خارج ديمقراطية حقيقية تمكننا من اختيار شكل النظام السياسي الذي نريد أن يحكمنا، ولا مستقبل لنا تنمويا بدون عدالة اجتماعية ، ولا حصانة لنا بدون أخلاق تحفظنا من مغبّة التّردي في أوحال الانتهازية والغرور و النّرجسية المقيتة. و الأهم من هذا كلّه ، هو أنه لن يتحقق من هذه المطالب مجتمعة أو متفرقة شيئا ما لم نقاوم الاستبداد مقاومة جذرية و على كل المستويات والصُّعد. فليكن شعارنا في المرحلة القادمة مقاومة الاستبداد بكل أشكاله و صوره وبكل الطرق المشروعة. و لا أبالغ عندما أقول أن الخطوة الأولى لتحرير فلسطين والعراق وغيرهما من البلدان هو مقاومة الاستبداد وخاصة منه الدّاخلي لتحقيق الاستقلال التام والشامل . فالاستبداد ، بشاعته وخطورته تتجاوز الأقطار و الشعوب والأمم لتطال الإنسانية والإنسان بقطع النظر عن دينه وعقائدة ولونه وجنسه . فالطريق لتحرير القدس الشريف،مثلا، وتجسيد الكرامة والسيادة الوطنية ، هو إسقاط ما يسّمى باتفاقيات أوسلو والضرب بها عرض الحائط وطرد كل من يرمز لهذه الإتفاقيات المشئومة سواء في فلسطين أو العراق أو أفغانستان، وتنبي خط المقاومة الشامل و الثابت.

فطريقنا إلى الحرية وفرض سيادة الأمة وتحقيق الإصلاح السياسي والعدالة الاجتماعية هو أوّلا مقاومة الاستبداد وخاصة منه الدّاخلي، سواء كان ذلك في تونس أو خارج تونس.

* عضو الهيئة التنسيقية المؤقته لحركة اللقاء/ باريس

2011-05-04