في الحاجة إلى ثورة أخلاقية / الأستاذ الصحبي الماجري

 

الأستاذ الصحبي الماجري

يقول النسائي :"إذا لم يجردك العلم من نفسك فالجهل خير منه" وهو الأمر المطلوب اليوم ممن يدعون أنهم حملة العلم والفهم والإدراك ويرمون غيرهم بالجهل وقلة الفهم في شؤون الدنيا والدين وينصّبون أنفسهم دعاة للإصلاح والخير ويرفعون شعار الحكمة ويتهمون الناس بالأمية ويدّعون أنهم المنقذون من سطوة المتطرفين. ولكن من المتطرف؟.

إن التطرف إفراط في الشيء يتجاوز الحد. ويمكن أن يكون غلوا في الدين أو السياسة وهما الأمران اللذان يهماننا هنا. فالغلو في الدين تجاوز للوسطية التي تيسر في موضع التيسير وتشدد في موضع التشدد فيغلب التشدد على التيسير بل يكاد التيسير ينعدم انعداما لا عودة معه. والغلو في السياسة تقديس لمفاهيم متحولة وتجميدها في فهم يرتبط بمرحلة معينة وكأن تاريخ البشرية ثابت غير متحرك وكأن الإنسان إله خارج التاريخ. إن الدين يسر (لكن التيسير لا يعني المس بالأصول والثوابت والمحرمات كأن نبيح الخبث والشذوذ مثلا)وإن الإنسان كائن فان متحول خاضع للتاريخ.

إن الدين رؤية متكاملة للواقع الإنساني طبقا لتوجيه إلهي ورد في النصوص المقدسة يحدد علاقة الإنسان بربه أولا وعلاقته بالإنسان الآخر من ناحية ثانية طبقا لقواعد أخلاقية فالأخلاق أس الدين وجوهره الذي تنبع منه كل الأوامر والنواهي في الدنيا والآخرة. وهذه الأخلاق التي بعث النبي ليتممها والتي مدحه ربه بها "وإنك لعلى خلق عظيم" هي التي تمنع المتدين أن يكون فضا قاسيّا عنيفا فاحشا في القول والفعل. وتجعله يحكِّم قلبه وعقله في الرد على المتكالبين على عقيدته وقيمه. وأول ردوده عليهم أن يكون قوله وفعله متطابقان. وأن يجاهد نفسه الأمارة بالسوء في جهاد أكبر تسمو به نفسه وأن تكون دعوته ومجادلته لهؤلاء بالتي هي أحسن.

أما دعاة الحداثة والتي هي في جوهرها ثورة للعقل والقيم فليعلموا أن الحداثة لا تبيح لهم المس بالمقدسات الخاصة بالشعوب بل تفترض احترامها. كما أن آداب الحوار تتأسس على قيم أخلاقية ترتقى بالخطاب إلى مستوى العقل ولا تنحدر به إلى الغرائز وأن الحجة العقلية هي المقنعة لا الحجة الفحشية (نسبة للكلام الفاحش).

وأخيرا إذا كانت الحداثة تفهم لدى هؤلاء كتحطيم للقيم الأخلاقية والدينية فلا حاجة لنا بها. أما إذا كانت تفهم كاستخدام منهجيّ نقدي للعقل طبقا لتطور المجتمع البشري وكقراءة نقدية عقلانية للعقل العربي الإسلامي بموضوعية ودون إسقاطات استشراقية استعمارية هدفها السيطرة والتحكم في الشعوب العربية الإسلامية عبر بعض أبنائها كأدوات. فمرحبا بها. إذ الدين لا يتعارض مع العقل وما انهار المجتمع العربي الإسلامي إلا حين أغلق باب الاجتهاد وتعطلت وظيفة العقل وأصبح السفهاء هم العلماء.

إننا بحاجة لثورة أخلاقية تعيد للمجتمع توازنه ولا يمكن أن تتم هذه الثورة دون رد الاعتبار للدين ولقيمه التي تمثل روح المجتمع.

2011-07-29