مخرج الأزمة التونسية: تحاوروا وتقاسموا حكم البلاد /خالد الطراولي

 

البلاد على كف عفريت...البلاد تحترق...الأزمة في تصاعد...غلاء واضطرابات... تهويل أم حقائق مدفونة؟؟ ولكن أيضا النخبة في واد والشعب في واد آخر!

كلمات كثيرة ودعوات وملاحظات ومقاربات وتشنجات، ولكن أيضا حسابات ولعل المشكل في الحسابات!!!

تونس تتمايل شمالا وجنوبا بين يمين يحكم ويسار يعارض، تونس تبحث عن طريقها بين ضفتين، ضفة تهيمن وضفة تناجز...في هذا المشهد السياسي الملغوم الكل يبكي، الكل "يناضل" الكل يدعي حب ليلى ولعل ليلى منهم براء! الكل يدّعي حب تونس وخوفي أن تونس منهم براء!!!

خوفي أن البعض يلعب بالنار..، خوفي أن البعض لم ينتبه إلى خطورة هذه المحطة الإنتقالية الحساسة، خوفي أن عمى الأبصار قد نال بعض النخب، حكما ومعارضة ولم ير مسؤولية التأسيس والبناء..، خوفي أن البعض لم ينتبه أن هذه الأيام لها ما بعدها وأن مستقبل تونس بين أيديهم، في الحكم كانوا أو المعارضة..، خوفي أن أجندات وطموحات شخصية أو فئوية أو حزبية أصبحت تتقدم الصفوف على حساب نسيج الوطن ومستقبل شعب...

مخاوف عامة يتبناها التونسي عامة، يرميها أمام الجميع بألم وأمل، بخوف وتوجس، وهو على أريكته يشاهد خطابابات مبثوثة على الشاشات، أو وهو يسير في الأسواق متنهدا غاضبا بين لافتات الأسعار...

إن هذه المحطة الإنتقالية ليست محطة حزبية، ليست محطة غالب ومغلوب، ليست محطة حكم مجموعة على حساب مجموعة أخرى، ليست مرحلة حكم ومعارضة! وهنا مربط الفرس وهنا الخطأ الفادح الذي وقعت فيه النخب السياسية للبلاد.

هذه المحطة ليست عادية في حياة الشعوب ولكنها استثناء في مسار، وظرف في مشوار. محطة خاصة تستوجب الالتفاف لبناء الأسس وتدعيم الإطار، محطة لخدمة البلاد وحكمها دون عنوان أو حساب. وهذا لا يقتصر على فرد دون فرد، ولا حزب دون حزب، ولكنها محطة وطنية وفاقية وشراكية بامتياز.

لقد غاب عند الكثير أن الانتخابات الأخيرة كانت انتخابات تأسيسية من أجل تدوين الدستور والمرور إلى الجمهورية الثانية، ولم يكن حكم البلاد المطلب الأول والأساسي بل كان تابعا لا متبوعا، واستثناء وليس مطلقا. لم يكن سليما لهذه المحطة الانتقالية أن يتبع تكوينُ الحكومة وتسيير البلاد حكمَ الصناديق التي أعطت ولا شك شرعية كاملة وسليمة وشفافة لمجلس منتخب ديمقراطيا لا يُطعَن فيه. لم يكن فعالا ولا مجديا أن تتبع النسب الانتخابية نسب حكم البلاد وتسييرها. كان الأفضل والأسلم للبلاد أن تكون هذه المحطة الانتقالية محكومة شراكيا وفاقيا بين كل الأطياف في إطار زمني محدد لا يزيد على السنة. وهذا التسيير الجماعي لحكم البلاد لا يجب أن يبرز على أساس منة أحد على آخر أو تفضلا وتكرما، أو تنازلا وتسليما، ولكنه اعتراف بأولوية مصلحة البلد على كل الحسابات الجارية أو الساكنة.

الحل لا يزال ممكنا، ولو أنه متأخر وهو أن تحل الحكومة نفسها لإعادة تكوينها، وهذا ليس استنقاصا منها ولا استضعافا لدورها ولا ضربا لمصداقيتها وشرعيتها، ولا ترقيعا وإسقاطا في غير موضعه. ولكنه حل جذري وبناء للأسلم من أجل تونس للجميع حاضرا ومستقبلا دون تهميش أو وصاية أو إقصاء.

إن هذا الطلب ليس مثاليا ولا طوباويا ولا سياسويا، ولكنه صرخة فزع ومطلب إنساني ووطني نابع من مواطن يريد الصالح العام، لأني مقتنع من أن تواصل مثل هذا المخاض السيئ وهذا المناخ غير الطيب لن يوَلّدا إلا حالة استنزاف للطاقات وانحرافات وقطيعة وسقوط.

إن هذه الفرصة لبناء هذه البلاد الطيبة والتي جاءت على التوابيت وعلى دماء الشهداء، وجاءت على طبق من فضة بالنسبة للكثير تعتبر مسؤولية هامة أمام الله والتاريخ والوطن، ولا يجب التخلي عنها أو تبذيرها دون وعي بخطورتها وأهميتها القصوى على مسار ثورة وطنية وتحول كبير في مستوى الثقافات والحضارات...وهي أيام لها ما بعدها!!!

*رئيس حركة اللقاء والناطق الرسمي لحلف الجماعة.

2012-03-11