النهضة وترويكتها :الفشل كان متوقعا ولكن الفشل المزدوج لم يكن متوقعا/د.ياسين الرقيق

 

د. ياسين عزيز الرقيق*
السياسة هي فن الممكن، لذلك لا يمكن الحكم على أي عمل سياسي في العموم أو حكومي بالخصوص الا في إطار الأوضاع والإمكانيات. ولا أظن أن أحدا يمكنه أن يستهين بصعوبة الوضع التونسي بعد الثورة. إرث ثقيل وانتظارات كبرى وامكانيات محدودة. هذه كانت المعادلة أمام الترويكا و أمام حركة النهضة بالأخص بعد انتخابات السنة الفارطة. معادلة صعبة ووضع دقيق كان ينبئ منذ البداية بأن النجاح سيكون صعبا و نسبيّا وأنّ الفشل أيضا وارد جدا. و أنا متيقّن بأن الشعب التونسي بما لديه من وعي سياسي و نضج فكري كان مدركا لهذا الوضع وعارفا بتبعاته. فلماذا نرى الكثير من أطياف هذا الشعب اليوم يشتكي ويلوم ويندّد ويتظاهر ويعتصم ويطالب ويصرخ و ...؟ لماذا نشعر اليوم بأن المناخ العام والتصريحات والحوارات والمؤشرات أغلبها يصب في اتجاه مشترك : تقييم سيء للحكومة ومن خلاله لحركة النهضة التي تقود هذه الحكومة. هل هي المطلبِيّة؟ هل هو الصراع الحزبي؟ هل هو التجاذب الإيديولوجي؟ أم أن هناك أمورا أخرى؟

صحيح أن المطلبيّة كانت مميّزا للحراك الشعبي والجهوي في كثير من الأحيان. و صحيح أن الحكومة كانت في كثير من الأحيان أمام مطالب تعجيزيّة لا طاقة لها بها. ولكن التعامل مع هذه الأوضاع واجب من واجبات العمل القيادي والحكومي. الحوار عندما يجب الحوار و الإقناع عندما يجب الإقناع و الحزم عندما يجب الحزم والردع عندما يجب الردع : كل هذا من مشمولات الحوكمة و القيادة. ثم إنّ التقييم السلبي للعمل الحكومي ليس محصورا في طبقات شعبيّة حتى نستطيع أن نحصر أسبابها في مطلبية مجحفة. كثير من النخب والميسورين و المنعّمين يشاركون الباقين في هذا التقييم السلبي و في هذا النقد المستمر للعمل الحكومي. يجب إذا أن نبحث في أسباب أخرى.

السبب الآخر الذي يتردد كثيرا لمحاولة التبرير لهذا التقييم السلبي هو التجاذب الحزبي والإيديولوجي. وهذا تبرير له قسط من الصحة. فنحن نلاحظ كثيرا من التحامل على هذه الحكومة وعلى "نهضاويها" بسبب الريبة الإيديولوجية والصراعات السياسوية. ولكن كيف يمكننا أن نبرر النقد و الإستياء القادم من حركات و أحزاب وجمعيات ذات مرجعية إسلامية و من أطياف اجتماعية و جهوية وعمالية ذات ميولات إسلامية. و أخيرا، وهو الأهم، كيف نبرر الإستياء القادم حتى من قواعد الأحزاب الحاكمة نفسها، بما فيها حركة النهضة. هنا أيضا لا يمكن أن نختزل الأمر في سياسوية أو ايديولوجية ويجب أن نبحث عن أسباب موضوعية أخرا.

من الواضح إذا أن التقييم السلبي للأداء الحكومي له أسباب تتعدى هذه المبررات السطحية، وأنّ الخطأ الأكبر في العمل الحكومي الحالي و الدور "النهضاوي" داخله هو بالأساس خطأ تمشي واستراتيجيا و خطاب. فدعنا نعدد أهم ركائز هذا التمشي الخاطئ مستعينين بأمثلة معبرة و بعيدين عن التجني والمبالغة والتعميم.

1- التسويف عوض التجنيد و الإستنفار

عند بداية الدولة الإسلامية واجه الرسول صلى الله عليه وسلّم و صحابته الكرام مصاعب جمة و مخاطر عدة. فلم يكتف الرسول الأكرم عليه السلام برفع يديه الى السماء أو بإطلاق وعود و آمال، بل جند و استنفر. عندما تولى "تشرشل" الحكم اثر الحرب لم يطلق وعودا زائفة ولكنه طلب التضحية واعدا شعبه بالآلام والدموع. عندما أراد "كندي" رئاسة الولايات المتحدة خطب في شعبه و قال :" لا تسألوا ماذا ستفعل أمريكا لكم ولكن اسألوا ماذا ستفعلون أنتم لأمريكا". هذا هو الخطاب الملائم للظرف الحالي وكان على حركة النهضة أن تتبناه قبل الإنتخابات و بعدها فما كان منها الا أن أخطأت مرتين : وعود كبرى قبل الإنتخابات تخوفا من النتائج واستمرار في نفس النهج بعد التولي خوفا من التراجع والمصارحة. التقييم اليوم ينبني على وعود الأمس والمطلبية المتزايدة ليست الا جوابا للآمال الزائفة.

2- التخلي عن البصمة الإسلامية

الإسلام دين تعامل وأخلاق قبل أن يكون دين عبادات و طقوس و حدود. وما كنا جميعا ننتظره من حكومة تقودها حركة ذات مرجعية اسلامية هي تلك البصمة الأخلاقية الإسلامية. أخلاقية الإسلام التي تعتبر أن الصدق نجاة و أن التظامن واجب و أن التعيين أمانة و أن الحرية مقدسة و أن العمل فضيلة و أن الشورى منهاج و أن و أن .... لست أنفي عن الحكومة و عن حركة النهضة هذه الصفات فهذا ثلب وتهجم لا أرضاه ولكني أنتظر من حكومة "إسلامية" أن تكون قدوة وأن تطبع تعاملها و خياراتها بهذا الختم الأخلاقي. فما هو مقبول من غيرها يصبح غير مقبول منها. أنتظر منها أن تبني على التظامن أكثر مما تبني على القروض، أنتظر منها أن تعين بقدرالكفاءة أكثر من تعيينها بقدر الولاء، أنتظر منها أن تعترف عند الخطإ والتقصير عوض التعالي والتخوين وحتى التكفير أحيانا.

3- الخلط بين القيادة و الهيمنة

من المتعارف عليه في علوم التصرف والقيادية أن الريادي و القائد المثالي ليس من يقوم بكل الأدوار والأعمال بنفسه ولكنه من يكوّن الفريق الأمثل للقيام بالمهام. زيادة على ذلك فإنه كلّما كان تواجده شفافا و متوازنا كلما كان الأداء العام أفضل. هذا هو الفرق بين أن تقود فريقا و أن تهيمن وتتغول على هذا الفريق. اذا عممنا هذا التمشي على مستوى البلاد فإن حركة النهضة خلطت بين القيادة (التي تستحكها بحكم شرعيتها) وبين التغول والهيمنة. المثال الأول على هذا كان التكوين الحكومي نفسه الذي أظهر هيمنة عوض أن يظهر توافقا وتوازنا. ثم تلاه رئاسة الهيآت داخل المجلس التأسيسي في حين ان الأغلبية المريحة كانت كافية لضمان الدور الريادي في جميع الهيآت. ومن ثمة تواصل التمشي نفسه في باقي التعيينات والتكوينات، على غرار الولاة والمديرين العامين. أنا لا أنفي حق النهضة في قيادة العمل الحكومي، ولكن هذه القيادة كانت ممكنة بقليل من الإنفتاح والتوافق و"الإستحياء" خاصة في مرحلة إنتقالية ومع وجود تحفز واضح تجاه النهضة قبل وبعد الإنتخابات.

4- الارتجال وافتقاد التناسق في القرار

من أهم الركائز لنجاح أي عمل سياسي هو الوضوح والتجانس والتناسق في المواقف والقرارات. ميزات أساسية لخلق الثقة والتفاهم بين القيادة والقاعدة، بين الحاكم والمحكوم. هنا أيظا كان الأداء مضطربا من طرف الحكومة كمؤسسة دولة و من طرف النهضة كحزب. المثال الأول على عدم التجانس هو الإعلان في نفس الأسبوع تقريبا عن نية في إحداث عفو جبائي من جهة و تجميد الأجور من جهة أخرى. ربما يكون لكلا القرارين مبررات، و لكن كيف تريد الحكومة إقناع مواطن بالتضحية والتكرّم على آخر بالعفو، وفي نفس الأسبوع ! مثال آخر هو التعامل الأمني. ففي حالات نجد الحزم و في أخري نرى اللين، في حالات يكون القانون مقدسا وفي أخرى نجد أعذار واستثناءات. هنا أيضا لا أتهم أي طرف بوجود خلفيات، ولكن عدم التجانس في حد ذاته يمثل مشكلا. فإذا أضفنا الى هذا بعض الإرتجال (التوقيت الإداري خير دليل) و بعض التضارب في الخطاب، يمكن لنى أن نفهم سبب هذه القطيعة بين الحكومة والشعب. قطيعة تبدأ بالنقد في حالات، و تمر بالمطلبية الأنانية في حالات أخرى، وتنتهي بالعصيان والتمرد في حالات قليلة (الى حد الآن، ...)

5- تحديد خاطئ وغير شجاع للأ ولويات

توجد عدة معايير للحكم على سياسة ما أو وصفها. لكني سأركز على أمر مبدئي : إما أن تكون السياسة حاملة لمشروع و مبادئ واضحة وإما أن تكون سياسة تعتمد استطلاع الرأي وتأتمر بأمره. التجارب أوضحت أن الحكم عبر الإستطلاع لا يدوم ولا ينجح. أولا لأن إرضاء الجميع غاية لا تدرك و ثانيا لأن أغلب الإصلاحات الجوهرية تكون غير شعبية في البداية. ما يميز تمشي الحكومة الحالية هو هذا التمشي المتذبذب المعتمد كثيرا على ردود الفعل والإستطلاع. صحيح أن المرحلة حساسة ويجب أن تكون توافقية و لكن في نفس الوقت لابد لأي حكومة أن تفي للمشروع الذي سوّقت إليه و دافعت عنه. لابد أيضا من الشجاعة والجرأة والإيمان في كل عمل سياسي. ومن الجرأة مثلا أن تصرّح الحكومة بأنّ خلق مواطن الشغل مسبّق على زيادة الأجور أو التعويض وأن الإعتماد على النفس والتقشف مسبق على التداين. في كثير من الحالات رأينا ملفات غير مستعجلة أصبحت مستعجلة فقط تحت ضغط الإضراب أو الإعلام، و ملفات أخرى معيشية و هامة بقِيت طي النسيان لأنّه لا من أحد يضغط. عندما أصلح برقيبة حال المرأة كان عكس التيار ولم يصلح عن خوف وإنما عن قناعة. لو انتظر اعتصام النساء لكي يصلح لما رأينا شيئا.

6- عدم خلق قطيعة مع الماضي

آخر الأخطاء المنهجية لهذه الحكومة هي أنها بقيت في كثير من الحالات سجينة المنظومة السابقة والآليات البالية. هذا ينطبق على القوانين والأنظمة والأشخاص. في حين أن الوضع الثوري والإستثنائي يستدعي الجديد. لست أقصد بهذا أن الثورة يجب أن تمحي ما قبلها وأن نبدأ من عدم. ولم أقصد أيضا أن يقع التعدي على القوانين والترتيبات. ولكن كان لازما على هذه الحكومة أن تكون استباقية وأن تسرع في تغيير أي ترتيب أو قانون (عبر اقناع المجلس التأسيسي بالطبع) يحول دون الإصلاح السريع والعمل الفعال. خير مثال على هذا القوانين المنظمة لطلب العروض التي جعلت الأموال مرصودة والمشاريع معددة ولكن الإنجاز متعطل الى أجل بعيد. المنطق يقول أن لكلِّ حال وظرف قوانينه وتراتيبه ونسقه. وكان حريا بأوّل حكومة شرعية بعد الثورة أن لا تكون مقيدة ومكبلة بالإرث البائد بل كان عليها أن تحدد هي النسق وأن تعدل وتصلح الآليات لكي تتأقلم مع هذا النسق.

النجاح و الفشل في السياسة دائما ما يكونا نسبيين. فلا يوجد نجاح تام و لا يوجد فشل تام. و الشعوب رغم تفاوت مستوياتها و تركيباتها و مكوناتها تملك قدرة فائقة على تقييم قياداتها و الحكم لها أو عليها. و بعكس المأشرات العلمية والنتائج الموضوعية فإن تقييم المواطن البسيط غالبا ما يكون أعمّ و أشمل لأنه غالبا ما يقيّم الوسيلة و الغاية سويا، و يقيم الموجود مع الممكن سويا، و يقيم العمل مع الأسلوب سويا. لهذا فإن الفشل البسيط عند الشدائد ينظر إليه المواطن على أنه نجاح، و النجاح المحدود اذا توفرت مكونات النجاح الأكبر يشعر به المواطن فشلا. وهنا يكمن السبب الحقيقي وراء التقييم السلبي المنتشر حاليا تجاه الأداء الحكومي و تجاه حركة النهضة التي تقود العمل الحكومي. إنه يتعدى الفشل في تحقيق مأشرات أو نتائج أو إنجازات، لأن هذا الفشل كان متوقعا وإلى حد ما كان معذورا. و لكن ما لم يكن منتظرا هو الفشل المزدوج : فشل الغاية مع فشل الوسيلة، فشل النتائج مع فشل الأسلوب. أو لنقل بعبارات أبسط : الفشل في خلق الثقة و اللحمة مع الشعب حتى نجابه معا صعاب المرحلة.

قبل أن أختم، يجب أن أعيد القول بأن المهمة كانت صعبة منذ البداية، وأن النوايا كانت ربما طيبة و جادة ولكنني من منطلق أخلاقي و ووطني لا يمكنني الا أن أقول لمن احسن أحسنت ولمن أخطأ أخطأت وأن أنصح و أرشد لما فيه خير البلاد والعباد. ورغم أن هذا المقال يركز على الأخطاء المنهجية للحكومة فهذا لا يعني أن الصورة سوداء. فلهذه الحكومة انجازاتها واجتهاداتها. ولكن كان في الامكان أحسن مما كان. و ليس المقلق في الوضع الحالي أن تفشل النهضة في أول عناق لها مع الحكم، ولكن المقلق هو أن يُحْمَل هذا الفشل على المشروع الإسلامي. فحركة النهضة ليست الا وجها من وجوه المشهد الإسلامي، ليست لها عصمة ولا قدسية. و إن هذا الواقع الذي تعيشه الحركة التي تزعمت الإسلام السياسي في تونس والذي اتسم بالتخلي التدريجي عن المرجعية والبصمة الاسلامية، يحتم بروز قطب إسلامي وسطي بديل يعتني بتصحيح المسار في مشروع متكامل للإنقاذ الوطني وإعادة الثقة في المشروع الإسلامي الوسطي الأخلاقي المعيشي.

- الأمين العام لحركة اللّقاء
(yassinaziz.rekik@gmail.com)

2012-10-12