إما أن نعطي اليوم أو أن نُسلَب غدا/د.ياسين الرقيق

 

د. ياسين عزيز الرقيق الأمين حركة اللقاء

لقد عشنا في الأيام الأولى بعد الثورة موجة من التضامن والتكاتف الشعبي أعاد الأمل في أخلاق و قيم هذا الشعب التونسي العريق. رأينا شبابا و كهولا يتداولون على حماية أحيائهم، رأينا أطباء و ممرضين يواجهون الفوضى والمصاعب للقيام بواجبهم النبيل، رأينا أجوارا يتقاسمون ما تبقى من زاد و مؤونة، رأينا أمهات تطبخن للمعتصمين و الحارسين و العاملين. موجة من اللحمة و التعاون و الوطنية أثلجت الصدور و شرحت الأنفس و أعادت الآمال رغم صعوبة الوضع و دقة الموقف. بعد سنين طوال عمل فيها النظام الى طمس قيمنا الإسلامية الأخلاقية، و بعد عقود ركّز فيها على الفرد و الكسب و المادة، بعد هذه المحاولة الممنهجة لتغريبنا و تجريدنا من خصالنا و طباعنا العربية الإسلامية، جاءت الثورة و حفرت في أعماقنا لتخرج منا ما هو متأصل و عريق : التضامن و اللحمة الوطنية.

للأسف الشديد، لم تدم هذه الصحوة طويلا و ما إن استقرت الأحوال حتى عادت الميكانيزمات الأنانية و الفردية. السبب في هذا مزدوج. السبب الأول هو الإرث الإجتماعي الثقيل الذى تركته عقود النظام اللبرالي المتوغل و التي أجبرت التونسي على أن يلهث وراء رفاهة موهومة و قروض مسمومة. لهف على الكسب المادي جعله لا يجد وقتا ليعتني بأبنائه، و لا وقتا ليزور رحمه، ولا وقتا ليأنس لزوجه، ولا وقتا ليحاكي جاره، و لا وقتا ليغذي روحه. و هذا الإرث يصعب مسحه و تعديه في أيام أو أسابيع أو حتى أشهر بمجرد ثورة أو أزمة. إنه ارث يجب أن نتعامل معه لسنوات طوال إلى أن نربي أجيال قادمة بأخلاقيات و قيم مغايرة.

السبب الثاني لهذا الإنتكاس السريع هو التوجه الحكومي منذ الثورة الى اليوم تجاه المطلبية المجحفة للطبقات الوسطى و الميسورة على حساب الطبقات الضعيفة و المنكوبة. صحيح أن لكل عائلة تونسية مصاعب و مطالب، و لكن الفرق شاسع بين من يرنو إلى تغيير السيارة و بين من يأمل إطعام أبناءه. الفرق كبير بين من يريد الحصول على زيادة أو مكافأة و بين من يريد أن يشتغل و أن يتقاضى أول أجر له بعد سنوات من البطالة. الفرق شاسع بين من يطمح الى تجميل المسكن و بين من لا مسكن له. كل المطالب كانت مشروعة و لكنها لم تكن كلها حياتية أو استعجالية. و بما أن الإمكانات محدودة فإن ما يعطى لهذا لا يمكن أن يعطى لذاك. وهنا أراد كل واحد غنيمته و نصيبه من هذه الثورة. و هنا بيت الداء.

منذ الأسابيع الأولى و عوض أن تصمد الحكومة و أن تتعامل مع المطالب حسب الأولوية و الإستعجالية، و أن تقنع البعض بأن الآخر أحوج منه، عوض هذا، تعاملت الحكومة بشعبوية و بضعف واستجابت إلى الضغوط و المطالب. عندها أحس كل مواطن أن من يحدث ضجة يستجاب له، و من يعتصم يصل الى مرماه، و من يصيح يؤتى مطلبه. فصاح الجميع و اعتصموا و أضربوا و طالبوا. و كان الضحية كالعادة ذالك المواطن الذي لا حول له و لا قوة. ذلك المواطن الذي لا يسمع صوته لأنه في قرية نائية. ذلك المواطن الذي لا يضرب لأنه لا عمل له. ذلك المواطن الذي تناسيناه لعقود طويلة والذي نواصل اليوم تناسيه.

هكذا كان التوجه منذ الثورة الى الآن. فئات تطالب وتنال و أخرى لا صوت لها ولا من مجيب. و هذا الوضع ليس عادلا و ليس أخلاقيا و الأخطر من هذا كله أنه ينبئ بالإنفجار. المثل التونسي يقول "الفقر كافر" و المثل المصري يقول "للصبر حدود" و ديننا يقول "لا يكلف الله نفسا إلا وسعها" . و نحن كمجتمع تونسي و كنخبة حاكمة و فاعلة نكلف الكثير من أبناء هذا الشعب ما لا يستطيعون. نريدهم أن ينظروا الينا نرتقي وهم يتقهقرون، نريدهم أن يرونا نعيش وهم ميتون. نريدهم أن يصنعوا الثورات ثم يتلاشون. نريدهم أن يصبروا في حين لم نصبر و أن يتحملوا ما لم نتحمل. وهذا الأمر لا يستقيم. فإما أن نستيقض من غفلتنا و أن ننظر الى إخواننا و إلا فسينفجر الوضع يوما ما. لذلك فإني أعلنها عاليا و أصرخ بها الى كل تونسي : إما أن نلتفت إلى محرومينا و منكوبينا و مهمشينا و ضعفائنا و مساكيننا آن و بإرادتنا أو أن نسلب و يأخذ منا بالقوة بعد فوات الأوان.

صيحة الفزع هذه موجهة الى الجميع و ليست حكرا على حكامنا. كلٌّ حسب استطاعته و حسب امكاناته. الى الأغنياء كي يعطوا و يتبرعوا و يتصدقوا و يستثمروا. إلى كبار الموضفين كي يستحوا و يؤثروا. إلى الإداريين كي يجدوا و يصلحوا. إلى الأطباء كي يرحموا و يخلصوا. إلى متوسطي الدخل كي يصبروا و يحتسبوا. و القائمة تطول، و الذين ذكرتهم ليسوا إلا نموذجا للآخرين. ويبقى حكامنا هم القدوة و المثال : فعليهم أن يبادروا و يستبقوا، على عكس ما هم الآن يفعلون. و علينا أن ندرك أن العطاء وقت الشدة ليس تكرما، بل هو واجب أخلاقي و خيار استراتيجي. هو واجب أخلاقي لأنه ليس من الخلق أن تنام شبعانا و آخرون جياع. ليس من الخلق أن تأوى و آخرون بلا مأوى. ليس من الخلق أن تقود ابنك إلى المدرسة و يمشى آخرون الكلومترات. ليس من الخلق أن تطلب زيادات و آخرون عاطلين. من جهة أخرى فهذا العطاء و التضامن هو أيظا خيار استراتيجي. لأنك تستثمر لمستقبل أفضل، و لمجتمع أسعد. فالحياة الطيبة والعيش السعيد لا يقاس بالدخل المادي فقط وإنما أيظا بالأمن و الإستقرار و التعايش. و تعاملنا الأناني حاليا لا يبني أمنا ولا استقرارا ولا تعايشا سلمي. ولست أدري ما نفع السيارات إذا كنت لا تأمن عند سياقتها، و ما نفع القصور اذا كنت لا تأمن على نفسك داخلها، و ما نفع البنين إذا كنت لا تأمن عليهم حتى أمام منزلك. يجب أن نبني منذ الآن مجتمعا أفضل و لن يكون هذا إلا إذا تعودنا العطاء و الإيثار و التضامن و التضحية. و خاصة أن نعمل كلنا بها لا أن نطالب بها الآخرين و ننسى أنفسنا.

لعل خير خاتمة لهذا المقال هو التذكرة بسيرة رسولنا عليه أفضل السلام و صحابته الكرام عندما هاجروا إلا المدينة تاركين كل أملاكهم في مكة. فآخا الرسول صلى الله عليه و سلّم بينهم و بين الأنصار. فلم يتعلل أحد و لم يعتذر أحد و لم يبخل أحد. بل تكاتفوا و تعاونوا و تضامنوا و تقاسم الغني غناه و الفقير فقره و جاد كل بما لديه. هكذا كانوا ففتح الله عليهم. و ها نحن اليوم نمتحن كما امتحنوا و نُختبر كما اختبِروا. فإما أن نعطي اليوم أو أن نسلب غدا.

(yassinaziz.rekik@gmail.com)

2012-12-05