علاقة السياسة بالتنمية [المنصف بوصرصار عضو المكتب السياسي]


 

الأستاذ المنصف بوصرصار [عضو المكتب السياسي لحركة اللقاء]
علاقة السياسة بالتنمية Relations entre Politique et Développement 

لا نريد أن نقتفي أثر الإيديولوجيات المريضة التي أضلت طريقها وأخرجت عالمنا العربي و الإسلامي من دائرة الريادة في أول المطاف ثم من المنافسة الحضارية و العلمية اليوم بالذات و أخرتنا لعدة قرون لدرجة استحال علي عالمنا العربي الإسلامي القدرة على صياغة نموذج تنموي ذاتي حقيقي قادر على التألق و البروز و لا حتى قادرا على الثبات و الاستمرارية . فلا الفكر الليبرالي المطلق Le Libéralisme à outrance و لا الفكر الاشتراكي المطلق Ni le socialisme Ni et le collectivisme لا هما قادران ولا كفيلان بالخروج بأمتنا من هذا النفق الضيق و التخلص من ظلمة التخلف و الانحطاط الاقتصادي غاية إدراك الأماني المشروعة لمجتمعاتنا. نظرتنا و فلسفتنا للأمور لا بد أن تكون نظرة تبصر و تحضر و اختزال للوقت و الزمن و المكان Economie des temps et des espaces و استباق التناقضات التي تشتد حدتها dépassement des contradictions يوم بعد يوم. ليس فقط بالنسبة لأوضاعنا في الوطن العربي فحسب , بل و حتى الاقتصاد العالمي بأسره , فانه أصبح يتوكأ كالعجوز و يئن من آلام وأوجاع ألمت به و مصائب حلت به و أقلقت مضجعه فأمسى منتحرا على أبواب التعنت و أرصفة الجهل و الاستعلاء, نتيجة التخبط المنهجي و اختراق التوازنات الكونية. فلا بد من حسم الأمور بروية و موضوعية و أن نثق و نقر بأن النظرة الواقعية Approche pragmatique et scientiste التي تستند إليها فلسفة الحياة و التنمية البشرية في كل مجالاتها و فروعها و التي تتوافق معها و تقتفي أثرها و تساندها كذلك دعوة الدين و الفكر الإسلامي الصحيح , هي السبيل الوحيد و المخرج الضامن للنجاح سوف يضعنا على الطريق من جديد. و ليس بالإطناب في شيء و لا فخرا و لا مبالغة في أن نثق بان بأيدينا و في عقولنا و جلاء أبصارنا و قدرة سواعدنا الحل الأمثل الناطق و لا تخلصنا غير الحقيقية . و الله سبحانه الذي فطرنا بملكات و أودعها في وجداننا من روحه العلية , يجعلنا نثق أكثر و نحسن الظن بهذا العطاء و الثناء الرباني و نستحسن هذه الهبة و هذا الفضل مستعينين بمنهاجه الحكيم في التنزيل و أحكامه "الحنيفية" و "التحررية" المسايرة للزمن و المكان و الأخذ بمقاصده الإلهية الأبدية و قوانينه الموضوعية و الحتمية في بعث هذا الكون للوجود , حتى يضل منهاجنا و شرعتنا La lumière de notre philosophie إلى الأبد. و لا مبالغة أيضا في الجزم بان كل أمة غير قادرة على فقه حقائق واقع حالها و حال شعوبها ومواطن الخلل فيها و غير قابلة بأن تعير أهمية للتغيير و الإصلاح الجوهري من الداخل و القبول بالنقد الذاتي و الدفع باتجاه الحقيقة , لا يمكنها بأي حال من الأحوال الارتقاء بمجتمعاتها ولا يمكن أن يكون لها شأنا يذكر في مستقبل الأحداث و ربما مآلها الاندثار و التلاشي. و يكفي بان نذكر كم من حضارة غابرة هلكت بعد ما هللت و كبرت و استضعفت و استهانت و فرطت في مقدساتها , فما فتأت أن فقدت آنذاك مصداقيتها في نظر شعوبها و تلاشت هيبتها و قوتها على كل الأصعدة وفي الموازين كافة ثم اضمحلت كالسراب.

أن في تغيير نظرتنا إلى مفهوم السياسة و فقه مدى ارتباطها الوثيق بمجريات تنمية جوانب الإنسان المادية و المعنوية و الروحية و الاضطلاع الجاد و الواعي بآفاق اقتصاد المجتمع بكل أطيافه و بالبناء و التشييد العمراني يمثل حقيقة الفهم الجيد و الصحيح المبني على عقلانية السياسة و مصدر استقرارها و تطورها و مناعتها Une Vision scientiste de la Politique. و طالما أهداف السياسة مختلفة عن أهداف التنمية الشاملة و المستديمة فلا مجال للنقاش في استراتيجيات و مستقبل التنمية و لا يمكن بأية حال التوصل إلى منابع الثروة و اعتلاء المشاريع الطموحة و العملاقة. الخطيئة الكبرى تتمثل في ايلاء الغايات السياسية السلطوية القديمة وزنا وأهمية اكبر من الغايات التنموية مما لا شك يغذي تنامي روح الانتهازية والاستهتار و اللامبالاة و الفوضى و اعتلاء النزعة الوصولية Les Arrivistes و ربما تغذية الأصولية في صلب المجتمع L’intégrisme , فضلا عن نشوء مجموعات Des groupuscules politiques هدفها الاستيلاء و الاستحواذ على السلطة وعلى النفوذ . من ثم لا بد من الالتزام بتطوير آفاق التنمية كأهداف سياسية و ليس كأغراض للاستحواذ عليها, من بين أهدافها تنمية الحس السياسي الفردي و الجماعي La formation et éducation de la conscience politique الذي بدوره يخلق المناخ المناسب والسلمي للتداول على السلطة و إدارة شؤون البلاد و العباد دون الالتجاء إلى الصراعات المادية و السلطوية و الأحقاد . مع الاضطلاع بأكثر مسؤولية و الالتزام الخالص بأحقية من تؤول إليه مقاليد الحكم و إدارة دواليب السياسة و الاقتصاد و التنمية كأداة ومنظومة مترابطة و مسيرة بحكمة واقتدار للأوضاع La politique qui guide les choix judicieux du développement intégral.

يجرنا بالتالي هذا الارتباط الضروري و التنسيق اللصيق للتنمية الاقتصادية بالتنمية السياسية L’interdépendance entre Développement économiques et développement de la Politique et Pouvoir إلى صياغة أهداف تنموية يدب و يشع فيها روح التضامن و المحبة و مبدأ احترام الآخر و حريته في التعبير و حقه في الاختلاف في الرأي المشاركة و المراقبة المستمرة Droit et devoir de citoyenneté au contrôle et à la participation و يطغى عليها الحس الحقيقي للرقي بالإنسان و مجتمعه و اعتزازه بعروبته و ارثه الثقافي و الحضاري . علاوة على التنسيق الكامل مع المتطلبات التي باتت ضرورية و الواجب العمل و الارتقاء بها و المتمثلة في تطوير مجال الاستثمار العربي الإسلامي Développement du potentiel des Investissements Arabes et Musulmans والابتعاد الفوري عن الاعتبارات السياسية الضيقة و الحسابات السياسية البدائية المريبة و الجهولة القائمة على الأحقاد و الفرقة و الخشية من التقارب و صد روح الشعوب المحبة لبعضها . هذا التمشي المنهجي ليس من باب التعصب القومي أو الانحياز العنصري و الديني أو يقوم على مبدأ الاستغناء عن البديل الأوروبي و العالمي بل تعزيز أواصل هذا التبادل الحر و المتوازن مع بقية العالم . مثل هذا التوجه يرمي إلى التكامل و التبادل الحر La coopération et échange libre et équitable القائم على وحدة المصير و الهدف و العقيدة L’Unification de la cause et du destin غاية إنشاء كتلة عربية قوية و إسلامية اقتصاديةéconomique Une puissance قادرة على فرض كلمتها و استقلالية قراراتها في ضل عالم تسوده روح التكتلات الدولية القوية المؤثرة و المهيمنة. لان مفهوم التنمية في عالم التكتلات الاقتصادية و السياسية أصبح يعتمد كذلك على توازن القوى Rapports de forces في المصالح الاقتصادية لفرض لغة الحوار


2013-11-05