قانون المالية 2014.. الخطأ القاتل!!! بقلم د.خالد الطراولي


قانون المالية الجديد يتقدم ببطئ نحو المجلس التأسيسي، الحكومة وافقت عليه وأطراف عدة منها الإتحاد العام التونسي للشغل وحتى منظمة الأعراف رفضته أو أظهرت تحفظات حوله، جلبة كبيرة في الساحة السياسية حول مضامينه، تجاذبات كثيرة وأصابع اتهام واضحة نحو المنحى غير الشعبي لمحتوياته، كلمتي هذه ليست في المضامين والتي أحمل حولها تصورا ورؤية أدلفها لاحقا في ورقة أخرى ان شاء الله، ما يهمني في هذه السطور هو البعد السياسي لهذا المنحى ولهذا الخيار القاتل لأصحاب الحكم والسلطة ومن ورائه شعب وثورة على بوابة المجهول.
التجربة السياسية عموما تدلي عبر محطاتها المتعددة أن الاصلاحات الكبرى أو الاجتماعية التي لها حساسية كبيرة عند الجماهير وخاصة في الجانب المعيشي لا تطرح في السنة الانتخابية أو سنوات الأزمات لأنها بوعي بسيط لا تخدم صاحب السلطة حيث تعلن الحرب من حيث لا تدري على شعبك أو على فئة كبيرة منه وتفقد بالتالي طبقة انتخابية مهمة مما يساعد على فشلك وهزيمتك. الاصلاحات الاجتماعية الكبرى تطرح دائما في السنة الأولى انتخاب حتى تجد الوقت لتمريرها وتبين الشعب لاحقا مع الوقت ضرورتها ونجاعتها.
طرح هذه الإتاوات والمس ببعض مناحي الدعم وخاصة في بوابة الطاقة هي رسالة ملغومة تلقفتها أيادي غير بريئة أحيانا لمواصلة الصراع السياسي ولكن بلون جديد الدفاع عن المواطن الفقير والمفقر... وهذا طبيعي جدا في الديمقراطيات رغم حساسية الظرف الزماني والمكاني 
ولكن أين الخلل؟؟؟

* حكومة غيبت البعد الجماهيري لقراراتها والمنحى الثوري في توجهاتها وكأنها سلمت المقود قبل أوانه وأصبحت تعمل في الوقت الضائع فساهمت دون أن تشعر في فتح البلاد على المجهول! ولا يجب حقيقة الاستهانة بحراك الجماهير التي بالتوازي مع حملة ممنهجة واستشعار بحالتها المادية المتردية واستشراف لما يدبَّر لها عبر هذا القانون الجديد، يمكن لها ان تحدث نقلة نوعية في رفضها للخروج الى الشارع واحداث الفارق عبر ثورة ثانية او فوضى عارمة لا تبقي ولا تذر.
معارضة في جانب منها تنتظر السقطة والخطأ للحكومة لتوجيه الاتهام دون بديل يذكر أو طرح يشفي الغليل، والمسار الحالي سواء في "أغنية الحوار" أو غيرها من المبادرات، تأكيد على عنوان ضخم في مسلسل بليد الاخراج خطير المنحى يتماهى بين "عنز ولو طارو" "نفسي نفسي وحزبي حزبي" "خالف تعرف" "" "انقلاب انقلاب بعيدا عن الانتخاب"...والوطن ما عليه الا الانتظار أو الموت السريري أو الانهيار.
طرح اقتصادي عام، وهنا مربط الفرس وهو الأهم في كل حديثي، وقانون المالية الحالي يدعمه، طرح اقتصادي عام وتصور تنموي ينسى الثورة ومتطلباتها واخلاقياتها، ميال كله الى عدم العدالة والانصاف في تقاسم مشاق وثمار التنمية والخروج من الضائقة، حيث يظهر للعيان عدم توازن الحمل بين الأغنياء والآخرين، وهذا في الحقيقة لا يأتي بجديد ولكن يعري فقط بأكثر وضوح الخطأ المبدئي لمنوال التنمية وتوجهات حكومات ما بعد الثورة في عدم الوقوف بكل وضوح الى جانب الفقير والمحتاج، فالسياسة خيارات وقرارات ومناهج.
كل العمليات المطروحة اليوم لرتق الثقب هي عمليات ترقيع وتلفيق حتى لا ينحرف البنيان كلية ويسقط السقف على الجميع. إن الأمر أكثر عمقا وجذرية فهو يتطلب حسما وحزما وتغييرا جذريا في التعاطي مع الاقتصاد التونسي على أساس أن الثورة مرت من هنا ومن يلغيها فقد ألغى ذاته.. ان الثورة انطلاقة ومسار، هي مجموعة لحظات ثورية لاحقة لا تكنس ولا تنسى ، تبدأ من ثورة جبائية حازمة وعادلة للتتواصل مع ثورة ضد الفساد والإفساد ثم تتجوهر في ثورة ثقافية وأخلاقية تمثل المسار الحقيقي والهدف المثالي للنجاعة والنجاح. بدون ذلك فلا ثورة وقعت ولا ثورة انطلقت ولكن دماء بريئة سكبت من أجل فجر مغتصب

2013-11-20