عجــائب هذا الزمان الرديء / د.خالد الطراولي

عالم يمشي على رأسه، غرائب وعجائب تتوالى على سفينة تتمايل، ركابها ميتون أو يقاربون الهلاك، وربان معتوه، نشروا له خريطة فظلّ الطريق واستعصت له القيادة والسفينة تدخل بحر الظلمات دون رقيب...
عالم يعيش قطبية مرهقة وآحادية في القرار والتقرير، زعامة منفردة تقود العالم بإيديولوجية متطرفة حالمة، تلامس صراع الحضارات بوعي أو بغير وعي، تسعى إلى مصلحتها ولو على حساب البراءة وحقوق الإنسان، تبث الفرقة والطائفية والعداء بين إخوة الأمس وجيرانه وأشقائه كلما حلت واستقرت...
كانت عجائب الزمان القديم سبعة، جدرانا وتماثيل قائمة حملت وجدانا ومشاعر ومواقف، وعجائب هذا الزمان الرديء مشاهد ومواقف تحملها إلينا منذ زمن أقوال وأفعال ومقاربات، أعطت لهذه الأرض التي نقف عليها لونا قاتما ورائحة كريهة، تجلت أكثر هذه الأيام السوداء، فخرجت علينا في رداء أسود، على أرض سوداء تحترق بأجساد أطفال ونسوة أبرياء... عجائب تتأكد يوما بعد يوم تتجاوز المعقول والمنقول، حتى إذا أردت فهمها أو استيعابها حل بك الجنون أو الهستريا وأصبحت من المنبوذين...

1/ بعثوا للمعتدي قنابل أكثر فتكا وأعظم قتلا وتهجيرا، ثم أرسلوا للضحية مساعدات إنسانية حتى لا تبقى أجسادهم دون دفن، ولا يبقى الجريح يئن فيقض مضاجعهم ولعله يحرك ضمائرهم إن كان للضمائر وجود ! رفضوا أن تنتهي الحرب وتضع أوزارها قبل أن تنتهي مساعداتهم التي أرسلوها، فتبقى عبئا ثقيلا ضاغطا على الضمائر والأرواح.
2/ حكام وسلاطين نددوا بمغامرة أخيهم واعتبروا مقاومته عن الأرض والعرض طفولة سياسية ومراهقة عسكرية، أظهروا لنا عقلانيتهم ورشدهم ، فرفعوا بطاقات حمراء ضده وساندوا العدوان حفاظا على كراسيهم ولو على حساب المروءة والأخوة وحقوق الإنسان...فجاءتهم التهاني والاعتراف والاحترام من أعدائهم، وإذا جاءت مذمتي من ناقص فهي الشهادة لي بأني كامل... فكيف إذا جاءت محمدتي من ناقص !
3/ جماهير مازالت تتيه في الصحراء، بعضها يسهر ليله على أصوات الفن والفنانات و المهرجانات، فيحظر بعشرات الآلاف راقصا منتشيا... شباب نسي دوره ودخل في سراب، لا يريد أن ينظر إلى واقعه الذليل خارجا وداخلا وخيّر الارتماء في أحضان اللامبالاة حتى ينسى أنه موجود وأنه بشر... والبعض الآخر ملقى على أريكته يتابع المذابح والمآسي ينتظر مهديا يلوح من الغمام يكفيه عناء الانتظار والسهر، ويطمئن ذاته بأنه مقاوم ولو من بعيد، فهو يفرح لفرح لبنان ويحزن لحزنه، وهذا فيه كفاية وزيادة !
4/ مجتمع دولي لا يريد أن يفتح عينيه، يترقب أن يتم الإرهاب عمله إلى النهاية حيث لا يبقى لبناني يستطيع الوقوف، حتى لا يبقى اخضرار في لبنان، حتى لا يبقى صبي يبتسم... مجتمع دولي ينظر إلى الغضب يتعاظم حتى ينفجر ثم يتساءل فيما بعد عن السبب، يتساءل بكل نفاق عن التطرف عن المغالاة ونسي أن اليأس والظلم وازدواجية المعايير والكيل بميزانين طريق ومنفذ لهما.
منهم الشامت وليس لنا له إلا الدعوة بالشفاء فالشماتة ليست من قيمنا ولو على العدو والمنافس لأنه يبقى بشر، ومنهم اللامبالي فهو في همومه ومشاغله، وليس لنا إلا أن نذكره بمثل عربي قديم حتى لا يقال أكلت يوم أكل الثور الأبيض !
ومنهم صاحب الحسابات السياسيوية والمصالح الضيقة ولو على حساب المبادئ وقليل من حقوق الإنسان، وهم طرف يميل حيث مالت مصالحهم وليس لنا لهم علينا إلا أننا نسينا تذكيرهم بأسواقنا واستهلاكنا ونفطنا وغازنا، والذنب في هذه الحال ذنبنا، والوزر تحمله ظهورنا...
ومنهم العدو الواضح في تعامله، العامل على خدمة مشروعه والسعي للحط من آمالنا وأحلامنا فلا يجد فرصة إلا وسعى إلى النكاية بنا، وتحطيمنا وإطفاء كل روح أو شعلة تنير طريقنا... ولهؤلاء نقول الأيام دول ولا نعيب إلا حالنا ونسيان بعضنا وغفلته المدمرة أننا نعيش في غاب الداخل فيها مفقود والخارج منها مولود.

5/ صحافيون وأشباه مثقفين وكتاب آخر الزمان تنادوا لحماية الظالم واتهام الضحية، منهم من كان من أبناء جلدتنا ويسكن حارتنا فاستعرض علينا حبره وقلمه وساند صاحب لقمة عيشه الذي ندد بمقاومة اللبنانيين، ونسي قولة الحق والشهامة والرجولة وظل ينظر لنا سياسة الخنوع باسم البراغماتية والرشد والعقلانية، وأخفى كسرة الخبز الذليل وراء ظهره... ومنهم من أوجع رؤوسنا في أيام سابقة بالليبرالية كأساس مشروع الخروج من النفق سموا أنفسهم محافظين عرب جدد أو ليبراليين جدد واشتكوا إلى الأمم المتحدة من فقهاء وكتاب لا يستسيغونهم، وتهكموا على النفس المقاوم الذي ظل ينبض في بعض العروق والأجساد، وتنبأوا بأفول مشاريع الرفض... ثم غابوا هذه الأيام فلم نسمع لهم كلمة ولا نفسا حتى لا يفتضح أمرهم وتتجلى الهزيمة، لم نر ليبراليا جديدا أو قديما لم نر محافظا يدخل المشهد، خيروا الانسحاب والضمور ولعله حياء من المحاسبة !
أقف عند هذه العجائب الخمس ولا أظنها كافية ولا ملمة بالمشهد الأسود الذي تتنزل فيه، غير أني أريد أن أهمس من بعيد أن هذا الزمن الرديء الذي أبرز لنا كيف يمكن أن يصبح الإنسان وحشا يأكل لحم أخيه على بينة من أمره وأمام الجيران وأهل الحي... إن هذا الزمن المنحط قد تبرز من ثناياه شعلات أمل وبدايات تاريخ جديد تبنيه عزائم وإرادات ومواقف وجدت نبتتها الأولى الطيبة في أرض لبنان وفلسطين وأكناف بيت المقدس.

 


                                                   صحيفة القدس العربي
 


2006-07-08