شهيـــد الغضب ! / د.خالد الطراولي

في الظلمات التي تنتهك حرماتنا منذ قرون ولا تنضب، وفي ظل واقع مستبد ظالم وجائر لا يزال جاثما على أطرافنا ويرقب حركاتنا وسكناتنا، وأمام ليل تتسارع خطاه ليعم الأرجاء بحثا عن الفتك بفجر قد يلوح... أمام هذه الصورة المقيتة التي حفل بها تاريخنا وهو بين براثن الاستبداد والترويع والعبث، تنتقل عقارب ساعة الحياة أو الموت متسارعة تعيد بعضها البعض في مسلسل من الاستخفاف بالإنسان والتجني على الوطن والمواطن والرعية.
أتحفتنا كوابيس الليل هذه المرة بخبر يشرح بكل بساطة ودون الإفاضة في التعليل والتفسير حالة قوم وجماعة وأمة وهي ترزح تحت قيد الجور والامتهان واللامبالاة... يعرف عن الرئيس العراقي المخلوع أنه كان يعطي الأمر الأول بالقتل عندما يعرض لديه رجل مشكوك في ولائه ومتهم بالخيانة... ويُعدم الرجل ! حتى إذا ثبت فيما بعد، وبعد اكتمال التحقيق أن المعدوم كان بريئا، أطلق عليه شهيــد الغضب !!!
وهذه الحادثة ليست منعزلة، فكم من الشهداء امتلأت بهم مقابرنا نتيجة نزوة حاكم وتزلف مسؤول وخيانة مأمور وغضب سلطان وصولجان؟ كم من بريء لا يكاد صوته يُسمع أو دموعه تكف وهو ينادي من وراء القضبان، من وراء العدم أنه مظلوم، كان ذنبه أن لا ذنب له، سوى أنه كان أن لا يجب أن يوجد في المكان الذي وقف فيه أو في الموطن الذي يحرم عليه ارتياده، كانت تهمته صوتا لا يجب أن يُسمع، ورأيا لا يجب أن يطَّلع عليه غيره !
شهداء الغضب في بلادنا كثير وسجناء النزوات والتحيلات والحسابات والمناورات داخل أوطاننا أكثر، حيث القانون الأعوج إن وجد، والقانون المتزلف والقانون المداهي... قانون الأسر والمكاسب... شهداء الغضب هي التعبيرة السوداء عن فقدان المؤسسة وغلبة جمهوريات الموز وعلو سلطة العبث.
ليست هذه الصور الحية الميتة في حاضرنا شواذا حملناها على حين غفلة من نهر هادئ يمر على مقربة من حينا، بل إن تاريخنا وإن حفل ببعض القبس المنير غير أن فلتات من هنا وهناك تثبت أن للجور أصولا وللظلم منابت وللعربدة والترويع منابع ومنازل، ولعل في الانحراف الأول الذي ولد الهرقلية وأدخلها تاريخنا عبر نزوة حاكم وتهيب فقيه وتزلف حاشية وصمت رعية، برر للظلم أن يثبت وللجور أن يتأصل وللمستبد أن يحكم ويستمر.
لما مات الحجاج بن يوسف وجد في سجنه ما يقارب 120 ألف سجين حسب بعض الروايات وأنه قتل مثلهم صبرا حسب الترمذي... حجاج الأمس كان واحدا وهو كثير وحجاج اليوم صور مستنسخة لهذا التاريخ الأسود في بعض معاقله... كم من ملك وسلطان وصاحب درة وهراوة غادرنا إلى ديار الخلود، فلما فتحنا سجونه قبل قصوره، وجدنا الظلام والأنين والظلم البواح، كم من رئيس رافقت جنازته الآلاف وبقي الآلاف في مقابر الأحياء، يترقبون حنين ثورة مباركة وحلم زعيم جديد، يفرغ ما ملأه الأول حتى يستطيع أن يملأه من جديد !
منجزات حكام الاستبداد سابقا ولاحقا تقاس بدرجات الأنين التي تصعد إلى عنان السماء من أقبية السجون، تقاس بمستوى صوت الأغلال التي تحملها أياد وأرجل شريفة، منجزات الاستبداد هي كتم الأصوات الحرة وضرب المواطنة السليمة والاستخفاف بحقوق الإنسان، منجزات الاستبداد هي فرق الموت وتشييد السجون والمعتقلات وكثرة الحرس والبوليس...
ولنا في هذا سبق وطول عنق ودروس يمكن أن نقدمها لمن نقص زاده في العربدة والاستبداد... روت الصحف أخيرا دعوة الرئيس المصري مبارك رئيس روسيا فلاديمير بوتين إلى تمديد ولايته المنتهية سنة 2008 حسب الدستور الروسي، ولما لا بتنقيحه... ولنا في هذا جولات ومشاهد من جمهوريات ملكية ورئاسات مدى الحياة، واعتداءات مفضوحة على الدستور والقوانين،  نريد من خلالها إهداء النصيحة الشاذة و تصدير التخلف إلى من حولنا... تصدير السقوط والعدم.
شهداء الغضب شعوب بأكملها وقع إبعادها عن مسالك الحياة والوجود وإن كانت جفونها ترتعش وقلوبها تنبض، شعوب أحياء أموات تعيش على الهامش وعلى نزوات ومكرمات أفراد وأسر، يحكمونها بالدرة والعربدة والاستخفاف... شهداء الغضب هي أوطان ملقاة على أطراف الطريق تعيش التخلف والفقر والاستغلال والامتهان... !
شهداء الغضب هم شهداء التخلف هم شهداء غياب دولة المؤسسات وتفرد السلطة و اعتقال الوطن. هم شهادة دائمة منغصة على عصر سقطت فيه موازين العدل والقيم، غير أنها تطمح ولو من بعد الممات ومن وراء اللحود أن تعلن أن موتها لم يذهب هباءا، وأن سكونها لم يكن نهاية مطاف، وأن لكل ليل فجر يترصده عن قرب، ولكل ظلام نور يسعى لمحوه وتجاوزه، ولو بعد حين...
 

2007-06-22