الديمقراطية التي رأيت / الجزء الأول/ د.خالد الطراولي


الديمقراطية التي رأيت : محطة بلا عنوان ! [1/2] *


* هذا فصل من كتاب "الديمقراطية ورحلة الشتاء والصيف" للدكتور خالد الطراولي من منشورات مركز الحضارة العربية القاهرة سنة 2006. الكتاب ممنوع في تونس ووقع حجزه عند عرضه في معرض الكتاب بتونس.
عندما بدأت تتباطأ سرعة مترو الأنفاق معلنة اقترابنا من إحدى المحطات، أشار إلي صاحبي بالتهيء فقد وصلنا إلى "الديمقراطية" أو "الحرية" أو "الجمهورية"... ! نسيت الاسم وبقي المسمى، كانت محطة أرضية عشت تزويقها وجمالها قبل أن أخرج إلى السطح لأتنسم أشواقها وأرقب أحوالها، فكانت "ديمقراطية" ما تحت الأرض سباقة لديمقراطية الأرض والسماء ! وكانت "حرية" الجدران قد أنستني جدران الحرية ! وعجزت "جمهورية" الأنفاق أن تلد لنا جمهورية خارج الكهوف والصناديق المثقوبة !
 كم غابت الديمقراطية في بيوتنا وأبراجنا ونحن نريد بنائها خارج أسوارنا وبيوتنا الصغيرة، خرجنا إلى السطح ونحن نحمل نواقص وبترا في ممارستنا وذهبنا نستدعي الديمقراطية لزيارتنا في مجتمعاتنا ! : " فانظر إلى البلاد الشرقية تجد أن المرأة في رق الرجل والرجل في رق الحاكم، فهو ظالم في بيته مظلوم إذا خرج منه
"[[1]]  
كم هي كثيرة هذه العناوين التي حملت أسماء محطاتنا وطرقنا وساحاتنا، من ديمقراطية وحرية وجمهورية، حتى أنك لتخال أن كثرتها دليل على كمال وعينا وشدة رشدنا وتعلقنا بالحبيب الذي نخاف بعده، وهيامنا بالمعشوق الذي نرهب فراقه، حتى أننا لا نملك العودة إلى بيوتنا قبل أن نطأ أرضه، ونستظل سماءه، ونصحب جدرانه.

الديمقراطية عند الجماهير : ورقة وصندوق


لعلنا نصاب بالوهن والإحباط ونحن نرى ضياء الديمقراطية يطوي أطراف المعمورة دون بيتنا الصغير !، لعلنا نصاب بالخيبة والجنون ونحن نرى رايات الديمقراطية تحملها الجماهير وهي تقف منتصبة في صفوف، لترمي ورقة في صندوق، ولا نرى في بلادنا غير الصفوف المتراصة استجداء لرغيف أو مسكن أو عمل ! لعلنا نصاب بالارتعاش ونحن نرى جماهير الجيران تخرج إلى الشوارع وتبيت في العراء، إذا ما رأت تلكأ ينتاب مسار الديمقراطية، ونرى جماهيرنا إن كُتب لها أن تستيقظ من غفوتها أن تُقابَلَ بالهراوات والعصي والرصاص، وهي مازالت لم تغادر فراشها ولعلها مازالت في أحلامها !
ليست الديمقراطية عند مواطننا وساكن حيّنا غير تأكيد لمواطنته واعتبار لكرامته وتقديرا لحيّه.. !، لن يهمه إن كانت الديمقراطية غربية الأصول أو غريبة الفروع، لا يعنيه ارتباطها بأرض غير أرضه ولا سماء غير سمائه ولا تاريخ غير تاريخ أجداده !..، إنها تعني صندوق اقتراع، إنها انتخاب الحاكم وعدم قهر للمحكوم، إنها ورقة وصندوق ! إنها تعني لديه أن كل فرد، من غير أن يكون قرشي النسب، أو مشهور الحسب، أو صاحب ثروة وصولجان، أو ساكن ثكنة أو من الأعيان، يستطيع أن يحكم البلاد، ويقود العباد !
كم حلم هذا المواطن البسيط أن يرتاد يوما حرا طليقا مكتب اقتراع، ويرى ورقته تسبح بين ورقات في صندوق بلوري شفاف، كم تمنى أن يعيش لذة انتظار فرز الأصوات، وأن يحس نشوى الانتصار، أو حتى الغلبة والانكسار ! لم ير مواطننا في حياته وفي بلاده صندوقا واضح المعالم والمحتوى غير صندوق الموتى !، ولم ير طوابير صادقة غير طوابير البحث عن الرغيف ! كانت المفارقات والعجائب تملأ يومه وليله وهو لها متابع، كانت سيارات الشرطة تحمل أفرادا يدكون بعصيهم وهراواتهم كل صوت حر أو "مشاغب"، وتحمل يافطات كتب عليها "الشرطة في خدمة الشعب" !!!، كان الاستخفاف بحاله والتندر بأميته قد طال كل سقوف الكرامة والاحترام، فهو يشهد أحكاما تصدر ضد أفراد الشعب والأمة من مجالس الشعب ونواب الأمة !!!، كما يقول أحدهم. وهو يرى بأم عينه جمهوريات تورث كما يورث العقار، وأموالا تقسّم كما يقسّم الفيء على غير أهله، ولله في خلقه شؤون !!!
لكن الأعجب أن بعض هذه الجماهير وفي ثنايا أحلامها وأشواقها تطلق أقوالا غريبة نظنها من إفرازات الإحباط أو الهلوسة، يحملها أناس نالت منهم الأيام نتيجة انحباس الديمقراطية، فلامسوا المنافي والتشريد وحتى المشانق والاغتيال، لكن رؤاهم حول الديمقراطية التي ذُبحوا على عتبات غيابها، يبدو من غرابة هذا الزمان المتهافت، فبعضهم أفتى بكفرها فهي جاهلية كافرة و جمع أحدهم كتابا عنوانه "خمسون مفسدة جلية من مفاسد الديمقراطية". بل جعل أحدهم الديكتاتورية خيرا للإسلام وأهله من الديمقراطية ! وهو الذي بنار غيابها يتلظى
[[2]]
 الديمقراطية عند الحاكم : أوراق بدون صندوق
لم يعد غريبا أو جديدا أو اكتشافا نوعيا البوح بأن الإشكال المركزي الذي جرّ تخلفنا وتدهور مجتمعاتنا، وتقدم غيرنا وتفوقهم، يكمن في اختلاف الأنظمة الحاكمة بين الشرق والغرب. لقد ضمنت أنظمة الجيران الحرية وقيدت السلطان بالقانون في حين ضمنت أنظمتنا السياسية الاستبداد وقيدته بالفوضى والعبث. يقول الكواكبي وهو يصف المستبد وحاله في بلادنا :" المستبد يتحكم في شؤون الناس بإرادته لا بإرادتهم، ويحاكمهم بهواه لا بشريعتهم، ويعلم من نفسه أنه الغاصب المعتدي، فيضع كعب رجله على أفواه الملايين من الناس يسدها عن النطق بالحق والتداعي بمطالبته". إن الاستبداد يمثل قوسين ظلا مفتوحين إلى يوم الناس هذا، منذ أعلن معاوية توريث الخلافة ونبذ الشورى. ورغم التغني في أدبياتنا بوجود ومضات في تاريخنا تورد عدل بعض حكامنا، غير أنها تبقى على جمالها مرتبطة بالفرد أكثر من الجماعة، وبميولات الشخص أكثر من توجيهات المؤسسة التي هُمّشت أو غابت في تاريخنا. كانت ومضات عمر بن الخطاب وكانت إشراقات عمر بن عبد العزيز، ولكنها كانت مدفونة في بحر لجي، ظلمات بعضها فوق بعض، مثلتها عربدات الحجاج حينا، وشطحات أمراء بني أمية حينا، واستعلاء الخلفاء العباسيين وجبروت بعضهم حينا آخر، واستبداد سلاطين الاستيلاء والهيمنة، قبل أن ندخل نفق العظمة والعلو عند الكثير من خلفاء بني عثمان. لما تولى عبد الملك بن مروان الخلافة صعد المنبر فقال : "من قال لي اتق الله ضربت عنقه." !
ليس حاكم اليوم إلا نسخة لأيام السواد من تاريخنا، ليس إلا تواصلا مع بقاع الجدب والضمور في فكرنا وممارستنا، فورثنا المحظور والممنوع في كتابنا، والحرام في نقلنا وعقلنا، وكان استبداد اليوم استكمالا لاستبداد الأمس. يروى بن عبد ربه في العقد الفريد أنه لما أراد معاوية البيعة ليزيد جمع الوفود وطلب الخطباء فتقدم منهم يزيد بن المقنّع فقال :" أمير المؤمنين هذا، وأشار إلى معاوية، فإن هلك فهذا، وأشار إلى يزيد، فمن أبى فهذا، وأشار إلى سيفه ! فقال معاوية : اجلس فإنك سيد الخطباء.
"[[3]] وتأتي جحافل اليوم لتعلن التقائها مع هذا الاعوجاج الصارخ والرأي المضل، فنسمع من يمكّن لسلطانه ويستبعد رأي الناس في أمره بزعم عدم أهليتها، وخوفه على استغفالها من أطراف لا ترعى إلا ولا ذمة فينا !
لا يحب الحاكم عندنا صناديق الاقتراع وكأنه يخشى أن تذكره بصناديق الموت، وبالانسحاب ولو مضطرا، ولو بالتداول على كره ومضض. لا يريد الحاكم من رعيته غير أن تكون أوراق خريف صفراء ترمي بها الرياح العاتية من هنا وهناك، تحت سماء متلبدة بغيوم، كثيرا ما تنذر بالعواصف الهوجاء. ولا يريد إلا الاستفراد بالحكم حيا وميتا، تظل الرعية تعيش أيامه وهو في قبره وقد ترك لهم وريثه ونجله حبا لهم ورفقا بهم حتى يهوّن عليهم فراقه.
ليس حاكمنا جاهلا بالديمقراطية وبالتعدد السياسي، ولا تظنه لا يفقه التسلط ولا يعلم خصوصيات الاستبداد وشروط الديمقراطية، ولكنه خوف على الكرسي والصولجان، وتجنب خسارة المكاسب والمصالح التي نالها. ولقد وقع في يدي منذ مدة كتاب قرأته منذ عقدين تقريبا للدكتور شوقي الفنجري بعنوان الحرية السياسية في الإسلام يتعرض فيه صاحبه إلى وجوب التعدد والتحرر السياسي الذي حمله النص الديني والممارسة في أيامها الأولى، وعدّد الأمثلة والنماذج فيها. ومما لفت انتباهي الإهداء الذي قام به الكاتب في طبعته الثانية، حيث ذكر أنه أرسل إلى كل رئيس وزعيم عربي نسخة من الكتاب، وأنه قد تلقى من بعضهم رسائل شكر كريمة !

ـ يتبــــع ـ

 


[1] قاسم أمين "المرأة الجديدة" في بن رمضان فرج "قضية المرأة في فكر النهضة" دار الحامي تونس 1988 ص :25.


[2]  سليمان بن صالح الخراشي، موقع صيد الفوائد "تدرجات الغنوشي"


[3]  بن عبد ربه "العقد الفريد" تحقيق محمد شاهين الجزء الخامس ص 112، المكتبة العصرية بيروت 1998.

 




 

2007-06-22