الديمقراطية التي رأيت / الجزء الثاني/ د.خالد الطراولي

الديمقراطية التي رأيت : محطة بلا عنوان ! [2/2] *
الديمقراطية التي رأيت : محطة بلا عنوان ! [2/2] *


* هذا فصل من كتاب "الديمقراطية ورحلة الشتاء والصيف" للدكتور خالد الطراولي من منشورات مركز الحضارة العربية القاهرة سنة 2006. الكتاب ممنوع في تونس ووقع حجزه عند عرضه في معرض الكتاب بتونس.

الديمقراطية عند المعارضة : البحث عن الورقة والصندوق
ليست المعارضة في بلاد ما بين البحرين إلا وجها من ثلاث، إما راضية مرضية، يحبها الحاكم ويدثرها بدثاره، ولعلها من صنعه المحلي الذي أفرزه رضاء الحاكم وكرمه على مجتمعه، و هي تحب الحاكم وتتلوى هياما به وبمكاسبه، فلا يهمها الصندوق ولا ما حمله الصندوق وما يجلبه لأوطانه، فالاسم معارض والمسمى مطاوع ولو من وراء الأسترة والحجب !
وإما معارضة وطنية يعيش بعضها المنافي والتشريد، أو السجون، فهي تعارض بصمتها أو بغيابها حينا، أو بجوعها وتشردها حينا آخر. وبين هذا وذاك تلوح بين الضباب معارضة الدقائق الخمس الأخيرة وهي صنف يحاول جاهدا أن يقوم بدوره بين مناورة ومدارات وتقية، يطرح الواقعية وينبذ الانسحاب، يريد أن يستغل واقعا "نصف ديمقراطي" للتواجد ومحاولة دفعه، وهو يطمع دائما في أن يكون يومه خير من أمسه وغده خير من يومه، قلّص مطالبه إلى حدودها الدنيا حتى لا يغضب الحاكم ولا يفقد رضا الرعية، حاله كالماسك على الجمرة للدفء، فلا هو رماها فيموت بردا، ولا هو تركها فيموت حرقا. والحديث في شأنهم غير محسوم، من الناس من يلحقهم بمعارضة الديكور التي تعطي شرعية للحاكم ومصداقية للتعدد، ومنهم من يعتبرهم جريئين وشجعانا ومتفائلين ويراهنون على عامل الزمن، ولعل الزمن سوف يبقى الحَكَمَ في شأنهم.
تلتقي كل هذه الأصناف من المعارضة على بحثها عن الصندوق وعن أوراقه، وإذا كانت البيئة المحيطة والواقع الموضوعي يشكلان عنصري جذب وسلب وإحباط نحو الانسحاب أو التهميش أو مشاركة الديكور أو الموت البطيء، فإننا لن نكون وجلين من اعتبار التقصير والطفولة والبداوة لبعض معارضتنا وتردداتها في بعض الأحيان، أو عدم مرونتها وتجمدها في البعض الآخر، يحملّها نصيبا وافيا في غفوتها أو غيابها. وطريق الديمقراطية طريق غير مبثوث بالورود في بلادنا، والبحث عن الصندوق وأوراقه يتطلب الكثير من الصبر والمصابرة والتضحية والبراغماتية دون تخل عن المبادئ. لا يجب أن تتحول الديمقراطية إلى بحث عن الصندوق دون أوراقه، فيكون الهمّ الحصول على مقعد وما يتبعه من منافع شخصية، والاكتفاء بالتلويح من هنا وهناك ببعض الرفض تخفيفا لوخز الضمائر والمشاعر، ولا أن تتحول الديمقراطية إلى بحث عن الأوراق دون الصندوق، فينحدر الحراك السياسي إلى قفز على الواقع والتضحيات غير المجدية والبطولات الزائفة والعنتريات المضحكة !

الديمقراطية عند الخارج : صندوقنا وورقتنا
لما أعلن فوكوراما منذ أكثر من عقد نهاية التاريخ وخلو الأمر لليبرالية وجناحها الديمقراطية المربوط إليها قصرا، تخيل الجميع أن سقوط معسكر الشرق مثل النهاية لعهد عالمي مشتت، وعولمة الديمقراطية في كل الأوطان والزوايا. غير أن أول التحديات التي جابهت الديمقراطية خارج معاقلها الأولى أثبت هشاشة التنزيل خارج الديار، وغلبة المصلحة والمنفعة الذاتية على المبادئ والمثاليات. كانت بداية المأزق في الجزائر حيث وصلت إلى الحكم عن طريق الاقتراع حركة إسلامية في مناخ ديمقراطي تعددي، نظر إليه الخارج غالبا نظرة توجس وانتظار، ساهمت فيه هي بنصيبها ولا شك، حيث ظهرت في بعض خطابها رسوم مزعجة ومخيفة ! وما إن ظهرت النتائج حتى وقع الانقلاب ودخلت البلاد في أتعس حالة مرت في تاريخها، فاقت عهد الاستعمار، انجر عنها مآسي وقتل وإرهاب فاق المائة ألف قتيل ! وانتكس ربيع الجزائر وأصبح شتاء عاصفا، ظلمات بعضها فوق بعض، تواصلت لأكثر من عقد. وانتكست الديمقراطية ودفع شعب الجزائر ولا يزال ثمنا باهظا لتجربتها الفاشلة !.
كان "الخارج" الرسمي، حكومة لا شعوبا، وفي بعض صوره، مغمض العينين، كان توجسه حاضرا، كانت مساندته لما بعد التجربة واضحا، كانت مبدئية الديمقراطية في الخطاب الرسمي قد تركت مكانها لبراغماتية متهافتة ولمصالح وأنانية مفرطة، كانت محطة الجزائر أول هذه التجارب التي انهزم فيها المبدأ وأظهر الكيل بميزانين، نعم لديمقراطية الداخل، نعم لديمقراطية الجار التي تخدم المصالح والأهداف !
وتواصل التهافت والانحراف من قبل بعض أعمدة الخارج بعيدا عن العادلين والمنصفين الذي يحمله مجتمعه المدني، وظلت العيون "الرسمية" مغمضة على انتهاكات حقوق الإنسان وغياب الديمقراطية في بلداننا، وصل من وصل عن طريق دبابة، أو عن طريق وصية، ووقع توريث الجمهوريات وغابت المجالس واعتبرت المرأة في بعض البقاع قاصرة على كنه لعبة الديمقراطية فلا تترشح رحمة بها ولا تنتخب رحمة بنا ! وفي عهد الإنترنت وعولمة المعلومة وصعوبة إخفاء الجريمة ظل الخارج الرسمي أغلبه ساكنا، وراض عن حالة البؤس السياسي والتخلف الاقتصادي التي تعيشه هذه الأوطان رغم وجود بعض الأصوات النزيهة من هنا وهناك على قلتها. وظهر هذا الكيل بميزانين في قضية فلسطين واضحا للعيان، وبدت مظاهر الضباب والتلكئ في علاقة هذا الخارج مع كل صورة أو إطار أو صوت ينطلق من حيّنا يمثل حالة سليمة للديمقراطية، أو بداية الخطوات الأولى لمريض بدأ يتعافى، فكانت الشكوك والمحاصرة والطرد لبعض الفضائيات والأقلام !
وفي لمحة من نهار، وبعد لأي ونصب نال ذاتنا، وبعد عربدة واستخفاف وفردية داخل أسوارنا، يفيق الخارج الرسمي بعد غفوة ليطرح على الرعية وعلى حكامها إصلاحا جذريا ومشروعا ضخما ينال كل رقعة من ترابنا يتجاوز الهضاب والسهول والتاريخ والجغرافيا، والعادات والأعراف والتقاليد، ويلوّح لنا بمرآة الديمقراطية وكأننا كنا عنها غافلين ولتنزيلها رافضين، ويبقى القوس مفتوحا والأفواه مشدوهة والتساءل والانتظار.. !
إن الديمقراطية وإن كانت كلاّ لا يتجزأ، يتجاوز المكان والزمان غير أن الخارج، حكومة لا شعوبا، وفي بعض ممثليه، حبسها في أوطانها الأولى وضنّ بها علينا ولم يرى فيها غير صندوق بلا ألوان غير اللون المرضي عنه، ولا رائحة تنبعث من أرجائه بعد الفرز والحساب سوى رائحة المصلحة والأهداف الخاصة. لن نعتب على الخارج الرسمي، فهذا حقه في رعاية مصالحه، ولكن لن نقتنع بلقاء المبدأ والمصلحة في خطابه وممارسته خارج أرض أجداده. ألم يكن عيبا هذه الأيام وضربا مبرحا للديمقراطية أن تتعالى أصوات الخارج وتستدعى القوانين وحقوق الإنسان وتوظف المنظمات الدولية والإنسانية لما أرادت إحدى دولنا تغيير دستورها والتمديد لحاكمها، في حين نال هذه الأصوات الاضمحلال والعيون العمى، لما نقحت هذه الدساتير لحاكم آخر من حكامنا سعى إلى خدمتنا أكثر من اللزوم ولم يستطع تركنا وشأننا وهو حي يرزق بين أهلنا.
هذه الديمقراطية حسب المقاس، حسب المصالح، أضرت شديد الضرر بالمفهوم نفسه، وجعلته يلامس مناطق محرمة وخطيرة. لقد قال تشرشل ولا شك أن الديمقراطية هي أقل الأنظمة شرّا، ولكن ما يحدث الآن من طرف الخارج هو سعي إلى تضبيبها وتكريه الناس لها، وهو مساندة غير مباشرة للاستفراد والدكتاتورية، لعله نصل يوما إلى من يتحسر على أيام الجور والسجون والعبث والفوضى ! فتصبح أنظمتنا على سوادها خير من الليل الدامس والفجر المعتقل.


ختــــاما
ليست الديمقراطية إلا حالة رشد سياسي ووعي اجتماعي، رضي فيه الحاكم الامتثال لحكم المحكوم. وقد عاشت حضارتنا بعض حالات هذا الرشد رغم بداوة الاجتماع وقلة الومضات، حيث استند الحاكم إلى رعيته وحكم برضاها، يقول ابن الخطاب : من رأى منكم "فيّ" اعوجاجا فليقومه، فالتقت ركائز الرشد السياسي الثلاث، من التزام بالاحتكام والتقيد بالدستور، وقبول بالمشورة الملزمة، حيث رأي الناس الغالب والمهيمن ولا رأي فوقه، ورضا الحاكم بالمحاسبة والتقييم والمراجعة والتقويم عبر مجالس وأصوات حرة مبعثرة، حملها طفل أو فقير أو امرأة.
لن تكون الديمقراطية حالة إملاء خارجي، ولا تكرمة من أهل الفضل والجود، ولا عنوان محطة لمترو الأنفاق، ولكن آلية داخلية تحملها الشعوب عن وعي ورشد داخل التاريخ واعتبارا للجغرافيا، من أجل الإنسان، كل إنسان، مهما تعددت مشارقه ومغاربه واختلفت مقارباته.

ـ انتهــــى ـ



 



2007-06-22