هل يستطيع العسكر حكم مصر؟



تحت عنوان ‘رجل الأقدار… يستجيب’ كتبت صحيفة ‘الأخبار’ الحكومية المصرية أمس مبشرة الشعب بقرب ترشح وزير الدفاع المصري الفريق أول عبد الفتاح السيسي لمنصب رئيس الجمهورية، وذلك بعد التعديل اللافت الذي أجراه ‘الرئيس المصري المؤقت’ عدلي منصور بقرار يشرّع انتخاب السيسي رئيساً قبل حصول انتخابات نيابية.
ويأتي ذلك بعد يوم من الذكرى الثالثة لثورة 25 يناير المصرية التي انقسم فيها المشهد المصري الى ضفتين واسعتين: حشود بالآلاف تحرسها قوات الأمن والشرطة اجتمعت في ميدان التحرير رافعة صور السيسي ولافتات تطالب بخوضه انتخابات الرئاسة، وحشود أخرى بالآلاف في مختلف المحافظات تتظاهر هاتفة بشعارات العدالة الاجتماعية والحرية والكرامة تقوم قوّات الأمن والشرطة بقمعها بقوّة مبقّعة أرض مصر بدماء 49 قتيلاً و247 جريحاً في يوم الثورة.
تبدّل المشهد العظيم الذي وحّد الشعب المصري قبل ثلاث سنوات ضد نظام الرئيس الأسبق حسني مبارك وأجهزة أمنه وشرطته وبلطجيته وأدى بعد 17 يوماً الى تنحّيه، سياسياً وجغرافيا، فقد طُردت الثورة خارج مركزها الرمزيّ المقدّس (ساحة التحرير) الى ميادين وشوارع أخرى، فيما انقسمت النخبة المصرية إلى قطبين واسعين.
يضمّ القطب الأول الجيش المصري مدعوماً بأحزاب أكبرها ‘حزب النور’ السلفيّ، الذي كان خزّاناً جماهيرياً احتياطياً لنظام حسني مبارك (وكل النظم القادمة)، والاتجاه الناصريّ الذي استعاد أنفاسه وبدأ الاشتغال على الفكرة الأسطورية لإعادة إنتاج عبد الناصر والحقبة الناصرية، إضافة إلى حزب ‘الوفد’ الذي عاش عصره الذهبيّ قبل الحقبة الناصرية!
إضافة الى الجيش فقد أعاد السيسي والمؤسسة العسكرية مركزة قرار قوى الأمن والشرطة والإعلام (والبلطجية الذين يقدّر عددهم بربع مليون وتشير لهم وكالات الأنباء أحياناً باسم ‘الأهالي’) تحت سلطته المباشرة، وبذلك أعاد توحيد أركان النظام القديم وجهّزها لإعادة إنتاج نفسه بقوّة أكبر، فيما دفعت فاتورة ذلك قوى إقليمية سبق لنظام مبارك الاستتباع لقرارها ضمن المحيط العربي وعلى رأسها السعودية، وهو ما يفسّر الظهور الخجول لبعض صور حسني مبارك في مظاهرات المبايعة لعبد الفتاح السيسي.
على الجانب الآخر تتشكّل معالم حلف جديد تحتلّ جماعة ‘الإخوان المسلمين’ مكاناً مركزياً فيه، ترفدها قوى وتحالفات تدور في فلكها مثل حزب ‘المستقبل’ و’تحالف دعم الشرعية’ وتقف على يسارها قوى ليبيرالية شابّة مثل حركة ’6 إبريل’، ناهيك عن أطراف فاعلة سياسية وإن لم تكن محسوبة على فضاء السياسة الضيّق مثل جماهير فريق الأهلي ‘ألتراس′ التي تعدّ خزّاناً جماهيرياً مهمّاً ضمن هذا التحالف العريض.
يدلّ المشهد الراهن أن الدولة العميقة المصرية مدعومة بقوى سياسية رجعية (بمعنى أنها تعتقد أن حلول المستقبل موجودة في الماضي: الناصرية في حالة الناصريين، والإقطاع السياسي والمالي في حالة ‘الوفد’، والإسلام الداجن في حالة سلفيي حزب ‘النور’) ومدفوعة بحلف إقليميّ عربيّ، قرّرت كسر الثورة وإلغاء مفاعيلها، وهو ما أدى وسيظلّ يؤدي إلى تفجّر العنف بكافة أشكاله نتيجة انسداد الأفق السلميّ للتغيير.
شيطنة ‘الإخوان’ ومعارضي اعادة انتاج نظام حسني مبارك وتلبيسهم عباءة ‘الإرهاب’ قسراً لم يوفّر شرعيّة للنظام الجديد بل قلّص شيئاً فشيئاً من قاعدته الاجتماعية مع انكشاف سوأة عودة الطغيان القديم بقبّعة عسكرية جديدة.
ومثل أي قرار سياسي خاطئ تماماً فإن عواقب تحالف الجيش ورجال الأعمال والقوى المدافعة عنه داخلياً وعربياً لن تنعكس على مصر والمصريين فحسب بل على المنطقة والعالم.
فكما أدخلت المؤسسة العسكرية مصر في دوّامة سياسية مغلقة فقد أدخلت أيضاً علاقات مصر الخارجية في حائط مسدود وعلائم ذلك واضحة بدءاً من تعليق عضويّة مصر في الاتحاد الإفريقي في 5 تموز/يوليو 2013 مروراً بالفشل في تغيير خطط بناء سدّ النهضة الإثيوبيّ، وصولاً الى علاقات مصر المتدهورة بتركيّا وإيران وقطر وتونس وليبيا، أما الترحيب الإسرائيلي بالحكم الجديد فلا يحسب للنظام هذا بل ضدّه.
بقراره التدخّل في مسار السياسة المصرية بالعنف وكسر التطوّر السلميّ، منع الجيش المجتمع ومكوّناته السياسية من فرصة تاريخية للنهوض بمصر واستعادة مركزها الكبير الفاعل في إفريقيا والوطن العربيّ والعالم كأكبر دولة إفريقية وعربية، وحوّلها إلى تابع لقوى إقليمية وعالمية تريد إيقاف الثورات العربية وحركة التاريخ.
 

2014-01-27