من فـكر المواجهة إلى فكر المصــالحة د. خالد الطراولي (الجزء الأول)



المصالحة ثقافة وعقلية وسلوك، ومسيرة المصالحة طويلة وشاقة، ولطول عناءها وجب الاستعداد لها وبناءها، وأول هذه المحطات الهامة هو تكوين فكر المصالحة وثقافة المصالحة وعقلية المصالحة. ليس سهلا أن تنقلب الأولويات وتتغير العقليات دون إحداث رجة عالية الدرجة داخل البناء التنظيمي والبناء التصوري، ليس سهلا أن يتنازل إبهام التوعد والاتهام والصراع والتسرع، على السكون والهدوء والعمل المضني والطويل.

لما سعينا منذ مدة وبكل تواضع إلى تنزيل مبادرة المصالحة بين السلطة في تونس والمشروع الإسلامي
(1)، ثم ذيلناها بمحاولة تأصيل لمصطلح المصالحة في الفكر الإسلامي المعاصر(2)، وتوسعة مفهومه في منازل وأطر جديدة غيبتها الحركة الإسلامية أو همّشتها، كان همنا الرئيسي وغايتنا الأساسية هو التذكير بأن هذا المنهج المنسي أو المهمش ليس طفرة عائمة، ولا مصلحة ظرفية، ولا مناورة سياسية، ليس تعبيرا عن حالة ضعف فاخترناه، ولا لأننا قلة فقبلناه، وإنما هو الأصل والمبدأ، وأن ما سواه من منهجيات وممارسات هي نسخ زائفة، ومعالجات مردودة، وخيارات غير صائبة، كثيرا ما ألمّ بها وعي منقوص، وعلم مغشوش، وأمية شرعية، وبراغماتية منبوذة، ومرونة مفقودة، فغلب الاضطرار على الخيار، وكان فقه اللحظة مهيمنا على فقه الزمن !

المصالحة عنوان مشروع وليس عنوان مرحلة

المصالحة ثقافة وعقلية وسلوك، ومسيرة المصالحة طويلة وشاقة، ولطول عناءها وجب الاستعداد لها وبناءها، وأول هذه المحطات الهامة هو تكوين فكر المصالحة وثقافة المصالحة وعقلية المصالحة. ليس سهلا أن تنقلب الأولويات وتتغير العقليات دون إحداث رجة عالية الدرجة داخل البناء التنظيمي والبناء التصوري، ليس سهلا أن يتنازل إبهام التوعد والاتهام والصراع والتسرع، على السكون والهدوء والعمل المضني والطويل.

إن إحداث هذه النقلة الثقافية في العقول والتصورات والبرامج، يمثل التحدي الأول في هذه المسيرة الطيبة، حتى يتشكل عقل جديد بفكر جديد وثقافة جديدة، أساسها العمل الهادئ والرصين، والعقل الواعي والمتمكن من حيثيات الواقع وتقلبات الزمن.

فالمصالحة كما نزعمها، موقف مبدئي، وبناء هيكلي، وثقافة وعقلية وسلوك، لا ترجها التموجات، ولا تغير مجراها الإثارات والاستفزازات وردات الفعل، وتتطلب الصبر والمصابرة. ولعل طريق المواجهة والعداء يظل أسهل في بعض الثنايا والمواقع، لأنه ينهي المشروع ويكفي أصحابه مسؤولية المواصلة، وعبئ التحدي، وهم الصبر على الاستفزاز، وعناء مواجهة الاستدراج.

لكم تساءلنا عن الحكمة من مواصلة الرسول الكريم (ص) دعوته في مكة، بين أهله وذويه دون قتال ولا مواجهة عنيفة مع قومه، رغم عداءهم الشديد له وصدهم، وتعذيب أصحابه وحتى قتلهم، ومحاصرته في أحد الشعاب لسنين طوال. ورغم ذلك لم يؤذن له بالقتال أبدا داخل الديار، بل كان الحل المقترح الهجرة، أو الصبر على الأذى والظلم والطغيان طيلة ثلاث عشرة سنة، لم يغتل فيها أحدا ولم يسكب دم أحد. فالنزاع السياسي داخل المجتمع الواحد لا يحل إلا سياسيا، وأن الخلاف المدني، لا يعالج في نطاق المجتمع الواحد إلا في إطار مدني خالص، حتى لو تعرضت بعض الفئات إلى الجور والبغي والعداء، رغم خطابها الإصلاحي والسلمي.

لقد تعرض المشروع الإصلاحي إلى عديد الاستفزازات، ولكم كان مخطأ حين قبل الدخول في لعبة رد الفعل، وهو لا يملك أوراقها، ولسوف يتعرض إلى مزيد من التحديات والإثارات ويُدعى مرة أخرى إلى الحلبة بدون قُفّازَين ولا حكم ولا قانون ولا توقيت وبدون حضور الجمهور. وإذا كانت ثقافة المواجهة، اضطرارا أو خيارا، قد أدخلته سابقا في متاهات وويلات لم ير نهاية نفقها بعد، فإن عقلية المصالحة المبنية على ثقافة الصبر والمصابرة، وعلى القراءة المتأنية للحدث، والبراغماتية الواعية لمجريات الأمور، وعدم التسرع لقطف الثمرة قبل أوان حصادها، وعدم القفز على الواقع، والاعتبار الكامل لسنة التدرج في الاستبدال والبناء، هذه العقلية إذا روعي تشكلها، من شأنها أن تأخذ بالمشروع بكل هدوء إلى شاطئ السلامة !

لقد كان تشكيل العقل المسلم في بداية الرسالة المحمدية أهم حدث، وأدق فعل وأكبر تحدي واجه صاحبها عليه السلام، لأنه مثل الأرضية الصلبة التي ينطلق منها البناء، سليما وشاهقا، أو هشا ومعوجا، وكانت للنقلات التي أحدثها المشروع، الأثر الكبير في تشكل عقلية جديدة كانت بانية نهضة وحضارة. ولقد ظل ميزان رقي الأمة أو انحطاطها مرتبطا بتشكل عقليتها، كانت عقلية الجاهلية فضة غليظة متخلفة اجتماعا واقتصادا، فكان الإنسان الجاهلي بسيطا يعيش تحت سنام حضارتي فارس وبيزنطة. ولما أعيد تشكل هذا العقل العربي مجددا بفعل الدين الجديد، على ظلال تحولات تصورية واعتقاديه فريدة، ونقلات معرفية ومنهجية، اكتسح جلف الصحراء البوادي والحظر، وبرز مدنيا في طبعه وفي ثقافته وأصبح باني حضارة. وكلما عاد هذا العقل إلى تشكل مختلف ومتخلف، إلا وتمثل في كبوات وسقوط حضاري لا يزال العقل المسلم يعاني منه ويبحث عن نفق للخروج.

 ليس العقل الإسلامي الحركي عموما إلا جزء معبرا عن هذه الإعاقة والتخلف الذي يعيشه العقل المسلم منذ ردهة من الزمن العابر، وليس العقل الإسلامي الحركي التونسي إلا شاهد عين وحامل تجربة وعيّنة مباشرة لهذا السقوط والضمور. ورغم الخصوصيات التي يتمتع بها كل فصيل دون الآخر، وحتى نتجنب التعميم القاتل لمنهجية البحث ونتائجه، فإننا نزعم أن إعادة تشكيل هذه العقلية التونسية التي تاهت في ثنايا المواجهة، وبلورة ثقافتها، يحوم أساسا حول مركزية المصالحة، عبر إعطائها بعدا منهجيا وزخما حضاريا.

-يتبــع-

(*) نشر هذا المقال لأول مرة سنة 2004 على المواقع التالية :

خالد الطراولي فصل من كتاب "إشراقات تونسية الديمقراطية ورحلة الشتاء والصيف"

وتونس نيوز 9 جوان 2004 ومجلة أقلام أون لاين السنة الثالثة - العدد 11 لشهري ماي وجوان 2004)


 



 


 

2007-08-23