من فكر المواجهــة إلى فكر المصالحــة، رحلة الألف ميل تبدأ بميل [د.خـالد الطراولي] ج2



إن هيمنة فكر المصالحة على المشروع الإسلامي ورفع يافطته المبدئية، تعطي ضمانا لمن وراء الحدود، وأمانا لمن داخلها، في سلمية منهجه وسماحة تصوراته، في تبنيه لعلاقة تعارف واحترام متبادل ومصالح مشتركة بين ثقافات مختلفة وأديان متعددة وسياقات متنوعة، حتى تصبح الورقة الإسلامية ورقة ضاغطة وتتمتع بكثير من المكاسب والمعطيات. وهو يعطي كذلك مؤشرا هاما لمن داخل البلاد بأن المصالحة ليست عنوان مرحلة ولكنها عنوان مشروع.

(*) نشر هذا المقال لأول مرة سنة 2004 على المواقع التالية :


خالد الطراولي فصل من كتاب "إشراقات تونسية الديمقراطية ورحلة الشتاء والصيف"

وتونس نيوز 9 جوان 2004 ومجلة أقلام أون لاين السنة الثالثة - العدد 11 لشهري ماي وجوان 2004)


 من هنا نبدأ : المصالحة الداخلية


ليس سليما ولا مقبولا أن تنطلق حمائم المصالحة بجناحيها مرفرفة إلى الضفة المقابلة، وهي عاجزة أن تطلقها في سماء ضفتها ! لا مصداقية لمشروع إذا كان يطرح خلاف ما يمارس، وظاهره خلاف باطنه ! لا صلاح لرأي إذا كان شعاره فرق لتسد، وسدّد لتفرق ! لا يمكن أن تحمل قوة تفاوضية عالية، وأركان البيت محطمة وأضلاعه مهشمة على أصحابه ! ولا جماهيرية ولا نجاح لبرنامج إذا كان حاملوه قلوبهم شتى وبأسهم بينهم شديد !!

قبل أن ينطلق المشروع خارجا لا بد من وقفة هامة وأساسية مع الداخل الإسلامي، لهذا تشكل المصالحة الداخلية ضرورة حياتية له وصمام أمان لصلاحية مساره. هذه المحطة الهامة في مسار البناء تمثل تحديا مهما للعقل التنظيمي، ولقد قلنا في حديث سابق أن المشروع الإسلامي وجب عليه أن يتصالح مع العديد من الطاقات المهدورة التي تواجدت داخله أو تحاملت على الأطراف أو على الأعراف. منها الطاقات المعطلة، والطاقات الخائفة والطاقات المجمدة والطاقات اليائسة والطاقات الفاعلة والطاقات الشاذة. هذه الطاقات التي انسحبت خيارا أو اضطرارا، هذه الطاقات التي ملّت الزمن أو ملّها الزمن، هذه الطاقات التي حملت المشروع يوما وتقاعست عن حمله في يوم آخر، هذه الطاقات التي غلب بعضها الأنا، أو غلبها هواها، هذه الطاقات التي أرادت أن تختلف ولم يسمح لها بالخلاف...

كل هذه الأصناف من الطاقات المهمّشة، المتعددة الاختصاصات والإمكانيات، والمختلفة التصورات والممارسات، والتي ضمر دورها وقلّت فعاليتها أو غابت ذاتها، لا يجب التنازل عنها وتركها لنفسها، أو لغيرها حتى يستثمر قدراتها وتاريخها، ويوظف أفكارها وممارستها بعيدا عن المشروع، حتى بلغ الانفصال عند البعض حدّ التوجس والعداء، وبدأنا نسمع ونقرأ من قريب ومن بعيد صيحات وولولة ونشر غسيل وهي تعبر عن ندآت استغاثة أكثر منها توجيه اتهامات !

الفضاء الإسلامي متنوع ومتعدد، وإن هيمن عليه فصيل دون آخر، وقد عبرنا عنه في مقال سابق "باللقاء الإسلامي" ويجمع المنتمين والمستقلين، من اليمين واليسار، داخل البلاد وخارجها. ليس عيبا أن نختلف، ليس عيبا أن ننقد ونقبل النقد، ليس عيبا أن نعترف ونتراجع، ليس عيبا أن نجتهد فنخطئ، ولكن العيب كل العيب أن تمتلئ الصدور بالغلّ والعداوة بين أصحاب المشروع الواحد والكل يدّعي الظلم لغيره.

إن فكر المواجهة الذي تكوّن أصلا ضد المنافس في بحر التجاذب السياسي، وهو خطأ في بابه، ولّد ولا شك فكر مواجهة وتنابذ وتنابز موجه إلى الداخل الإسلامي، وكبرت الأنفس وعظم الأنا والتوجس، ومهما كانت التبريرات والمسؤوليات، وعلى ما في بعضها من الحق أو من الباطل، فلا تبرير يعلو فوق صوت العقل والتعقل، وصوت الصبر والتجاوز، وصوت القبول بالجميع، وذلك صوت المصالحة. وإلا فهو إهدار لرصيد يندر وجوده، صقلته التجربة والمعاناة، وجمعته لفترات، أخوة ومآخاة، وتاريخ ومسؤوليات. ومن المؤلم أن يتحول الاختلاف في الرؤى والتصورات والبرامج في بعض الثنايا، إلى برود وجفاء كامل في العلاقة، يتجاوز منازل السياسة والسياسيين إلى أطر خاصة وضيقة، تشكل أسس البنيان الاجتماعي، فتضطرب منابع الصفاء وتضيق أروقة اللقاء وتهتز أسر وصداقات، فكيف ندّعي ونريد إقناع غيرنا ببناء مجتمع كبير مستقر ومتعارف ومترف مادة وروحا، ونحن عاجزين أن نبنيه بين أطراف قومنا وفي بيتنا الصغير؟ فيحل التقوقع والانعزال والانسحاب، ويدخل المشروع ورجاله في حالة غيبة وغيبوبة مضاعفة.

إن أزمة تواصل أصبحت تعيشها الحركة الإسلامية إجمالا شرّقت أو غرّبت جغرافيتها، فما إن يقع شرخ في الكيان الأم أو انشقاق أو خلاف أو تعدد للأراء والتصورات، أو بروز أصوات تلهث بنفس المرجعية ولكن تختلف في الرؤى والتنزيلات، إلا ويصبح المخالف منافسا يجب إبعاده، ويمسي خصما يجب هزيمته، ليبيت عدوا يجب استئصاله ! وتبرز هذه الأزمة في مستوى الخطاب وما يعتريه من سوء النية والإضمار، وعدم التورع عن الاستخفاف والشتم والتعيير ونبش العلاقات الخاصة والمجالس المستأمنة التي جمعت الأطراف في شهور العسل الخالية. وهو تعبير عن هشاشة البناء الأخلاقي وارتجاج البعد الرباني وسقوط المرجعية وما تحمله من صور ونماذج تاريخية رائعة.

ليس لأحد أن يزعم الصلاح لنفسه ويربأ به عن غيره، ليس لأحد العصمة في القول والفعل، والهرطقة والخفة عند غيره، ليس لأي موقف قدسية إذا جانب الحق، ومن هذا الحق حق الأخوة، وحق الاختلاف، وحق الاجتهاد الواعي والرصين.

ليس لأي فكر وممارسة، الاحترام والتقدير، إذا ساهمت ولو من بعيد، في ظلم أو اعتداء أو استخفاف، وظلم ذوي القربى أشد مضاضة. ليس لفكر المواجهة أن يستديم تجاه الداخل أو الخارج، وإلا فإن عواقبه ستكون وخيمة على المشروع وأصحابه جميعا دون تمييز. وإذا علمنا أن هذا المشروع الذي حملناه رغبة في خدمة أوطاننا وإرضاء لربنا، والذي نريد من خلاله طرق باب الجنة باجتهاداتنا البشرية بما تحمله من خطأ وصواب، هو فضل آتاه الله لنا وهو قادر على استبدالنا والمجيء بقوم يحبهم ويحبونه ولا يحملون في مزودهم مغنما ذاتيا ولا في قلوبهم غلا على إخوانهم ! وتبقى المصالحة ضرورة حياتية للمشروع، وشهامة وترفّع ومروءة وتواضع وتسامح، وكسر للأنا، وتأكيد للبعد الرباني للعمل ومنهجيته وأهدافه.

إن المصالحة مسار يبدأ بأركان البيت الداخلي قبل أن ينال خيره أطرافه القريبة والممتدة حتى يكون الإطار الجامع ممتماسكا في بناه وفي لحمته وفي قوة تفاوضه. ويتجلى هذا المسار الداخلي أولا في مستوى الخطاب

 إن فكر المصالحة إذا تأصل واستوطن العقول، وأصبح سلوكا مبدئيا يتجاوز سطور البرامج، ويدخل الأسواق والمنتديات، ويرفع الشعار ويلتزم الموقف، لا يرجه زلزال الواقع ولا تقتلعه عاصفة التحديات، من شأنه أن يسحب البساط من الطرف المقابل، ويعري المصداقيات الكاذبة، والشرعيات المهزوزة، وتكتمل الصورة، ويفقد اللون الرمادي أساس وجوده، ويجعل الأمة رقيبا وحكما ورقما فاعلا. ويجعل من حاملي المشروع ضحايا واضحي المعالم والرؤى والمواقف، لا يمكن نعتهم بالازدواجية والانتهازية والتسرع والتطرف والصراع. بل إن شرعية التواجد ومصداقية المشروع، يصبحان مسؤولية أمة، وليس هموم طائفة وجماعة ينالها الضيم والجور والناس في غفلة عن مصيرهم !

إن هيمنة فكر المصالحة على المشروع الإسلامي ورفع يافطته المبدئية، تعطي ضمانا لمن وراء الحدود، وأمانا لمن داخلها، في سلمية منهجه وسماحة تصوراته، في تبنيه لعلاقة تعارف واحترام متبادل ومصالح مشتركة بين ثقافات مختلفة وأديان متعددة وسياقات متنوعة، حتى تصبح الورقة الإسلامية ورقة ضاغطة وتتمتع بكثير من المكاسب والمعطيات. وهو يعطي كذلك مؤشرا هاما لمن داخل البلاد بأن
 المصالحة ليست عنوان مرحلة ولكنها عنوان مشروع.

إن ولوج باب المصالحة الداخلية يمثل بداية الطريق في مسار التغيير في المناهج والعلاقات والآليات، ويشكل الإطار الصائب للدفع بالمشروع الإسلامي الديمقراطي نحو اللقاء والتعدد والتعارف والتدافع الحضاري. ورغم أن الطريق مازالت وعرة وشائكة في بعض ثناياها، فإن تهيئة العقل الإسلامي الحركي الجديد يجب أن يمر من هذه الشعاب على صعوبتها وطول مسافاتها، حتى ينال رضا مجتمعاته ويكون مشروعه مشروع هداية ورفاهة بالأساس. وأنا أعلم بتواضع أن تغريد بلبل واحد لا يكفي لاستدعاء الربيع، ولكنه يذكّر بانتهاء الشتاء ! والله أعلم.

 

2007-08-29