البيت بيتنــا والمال العام مالنا !/ د.خالد الطراولي

 

هذه الورقة فصل من كتاب نعتزم نشره قريبا إن شاء الله تحت عنوان " حـدّث مــواطن قـــال..."
قضية غياب النموذج السوي والقدوة الصالحة تمثل ولا شك إحدى منافذ تخلفنا وسقوطنا وخروجنا من التاريخ منذ الأمس البعيد ولكنها ليست وراء كل مناكبنا، فهي نتيجة لما هو أسوء، فنكبتنا الأولى هي غياب المؤسسة الرافعة ليافطة القانون الذي يتعدى القرابة والنسل ويجعل الجميع سواسية أمامه شعاره الأول "من أين لك هذا؟"، مؤسسة لا تعود إلى صاحب الدرة ولا الصولجان، ولكن حاكمها الأول شعب، وباطنها ضمير فرد ومجموعة وشعب، ومرجعيتها منظومة قيمية وأخلاقية حازمة.
عندما نستعرض صفحات نيّرة من تاريخنا تعترضك مواقف وممارسات يكاد يغلب عليها في بعض الثنايا والمنعطفات صفة الأساطير وحكايات ألف ليلة وليلة، لهول البناء وتجاوزه حدود عقولنا في هذا الزمن المريض. هذه العقول التي بُنيت من بقايا أوراق خريف صفراء ومشاهد عمياء وإسمنت مغشوش وماء ملوث وراكد، وتحت سماء ملبّدة وفوق صحراء قاحلة...
اقرأوا إن شئتم دون ملل علاقة بعض حكامنا الأوائل بالمال العام وسوف تجدون ما لاعين رأت ولا أذن سمعت ولم يخطر على قلوبنا الضعيفة وعقولنا الصغيرة. تصفّحوا مواقف أبي بكر وعمر وعلي وعمر ابن عبد العزيز رضي الله عنهم، وسوف ترون العجب، ورع وزهد وخوف من الله ومسؤولية أمام الناس، وحساب أمام مرآة الضمير والتاريخ.
فقد سأل عمر ذات مرة سلمان الفارسي : أتراني مستحقا للقب أمير المؤمنين؟ فأجابه : نعم إذا لم تستأثر عن الناس بتمرة !!
[1] وغير بعيد منه يجيب عمر بن عبد العزيز قرابته الذين اشتكوا من تناقص أرزاقهم : ما أنتم وأقصى رجل من المسلمين عندي في هذا الأمر إلا سواء...فحقكم فيه كحق رجل بأقصى برك الغماد [2].
صحيح أن هذه ومضات تبقى ضعيفة أمام المد العاصف الذي سوف يليها والذي صبغ التاريخ الإسلامي في الكثير من محطاته بالسواد حيث اختلط المال العام بالمال الخاص وأضحت خزينة الدولة خزينة الخليفة الذي أصبح ظل الله في أرضه... أعطيات بالآلاف من أجل بيت شعر، وضيعات وبساتين من أجل كلمة باطل في حق منافس أو معارض، ومناصب ومنازل من أجل التهليل والافتراء والكذب...
انطلق هذا الزيغ منذ الأيام الأولى لخلافة معاوية حيث انقلبت الصورة ودخل الشيطان من ثقب الباب فكانت احدى ثلمات الإسلام، ومن هذه النافذة الصغيرة توسع الخرق ودخل الاستبداد والاستفراد إلى مجلس الحكم والدولة. يروي الطبري أن أبا ذر ذهب إلى معاوية وقال له ما يدعوك إلى أن تسمي مال المسلمين مال الله، وقد خشي أبو ذرّ أن يستعمل الحاكم هذا المسمّى لاستغلاله لصالحه وينفرد باستعماله، فقال معاوية مؤوّلا : يرحمك الله يا أبا ذر ألسنا عباد الله والمال ماله؟ فقال أبو ذرّ متمسكا برأيه : فلا تقله، فلم يسع معاوية إلا أن قال : سأقول مال المسلمين !
وتواصل المشهد بعد ذلك أيام الخلافتين حزينا وحافلا بقصص وروايات خرجت عن المعقول، وتصرّف الحاكم في المال العام تصرف المالك والوريث الشرعي. يُروَى عن الخليفة العباسي المتوكل قيامه بطرق خمسة ملايين من الدراهم حتى أصبحت رقيقة كأوراق الورد ثم أمر بصبغها ونثرها في يوم عاصف حتى تنتشر كما تنتشر أوراق الورد، وهو متكئ على أريكته والخدم والحاشية يجرون من كل ناحية لمسك هذه الملايين المرمية في الهواء، والتي حوتها خزينة المسلمين، من أجل إسعاد أمير المؤمنين وإضحاك سنّه الشريفة !
ما يقع لنا في هذه الأيام الهابطة عند بعض حكامنا هو تواصل لهذه المسيرة السوداء لعلاقة الحاكم وأسرته بالمال العام، وهو تفعيل متواصل لمقولة معاوية وما تبعها من ملك وتملك وإرث وتوريث وتوزيع على ذوي القربى وأصحاب الأعناق الطويلة والأيادي المتعبة من التصفيق والتهليل والتكبير !
أسر حاكمة لم ترفع صفة الملوكية، ولم تضع تاجا على رؤوسها، ولكنها تزعم حكم شعوبها من قصر جمهورية ومن مجلس نواب وجمعيات مجتمع مدني... ولكن سكان القصر أسر وقرابة دم ومدح وذكر حسن. ومن هؤلاء ينطلق البناء وعمارة البلاد... بناء العمارات الشاهقة وزراعة الأراضي الخصبة، فتباع معامل ومؤسسات القطاع العام، ويشتريها أولو العزم من المقربين بثمن بخس دراهم معدودة بدعوى الخصخصة والإفلاس، لينالها أولوا الاختصاص في الاستيلاء والاستخفاف.
إن ظواهر المحسوبية والفساد وتفشي الرشاوى في مجتمعاتنا لم تكن منزّلة من السماء ولم تصحب خروجنا من بطون أمهاتنا، ولكنها ظواهر انطلقت من حولنا وفي أعلى القمم المحيطة بنا، كانت لها نموذج وقدوة وسوابق تعطي المثال وتفسح الطريق، فتبعها الناس وطبقوها في حياتهم الخاصة والعامة، والناس على دين ملوكهم وحواشي ملوكهم.
قضية غياب النموذج السوي والقدوة الصالحة تمثل ولا شك إحدى منافذ تخلفنا وسقوطنا وخروجنا من التاريخ منذ الأمس البعيد ولكنها ليست وراء كل مناكبنا، فهي نتيجة لما هو أسوء، فنكبتنا الأولى هي غياب المؤسسة الرافعة ليافطة القانون الذي يتعدى القرابة والنسل ويجعل الجميع سواسية أمامه شعاره الأول "من أين لك هذا؟"، مؤسسة لا تعود إلى صاحب الدرة ولا الصولجان، ولكن حاكمها الأول شعب، وباطنها ضمير فرد ومجموعة وشعب، ومرجعيتها منظومة قيمية وأخلاقية حازمة.

هـــوامش :
[1] السيد عمر "الدور السياسي للصفوة في صدر الإسلام" الطبعة الأولى، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، القاهرة، 1996، ص:179.
[2] جلال الدين السيوطي "تاريخ الخلفاء" دار المعرفة، بيروت، الطبعة الخامسة، 2000، ص:208 ـ 209.


2007-12-01