مركزية المصالحة في الخطاب الإسلامي الجديد [3/10] الجزء الثالث : المصالحة مع المعرفة/ د.خالد الطراولي


إن الأمية الشرعية والعلمية لا تُنشأ سوى ثقافة تغييرية منقوصة وتكوينا فرديا مهزوزا، وليس عجيبا أن ترى أن أغلب الطاقات الفكرية التي برزت على الساحة الإسلامية، والتي ساهمت في بناء اللبنات الأولى للمشروع الحضاري الإسلامي، كانت في مجموعها خارج نطاق الحركات...
من البداهة التي لا توجب حججا ولا تأصيلا، أن يكون التمكّن المعرفي والعلمي قاعدة أساسية لسلامة وفعالية أي عملية خلاص فردي أو جماعي، ولكل مسار تغييري ذاتي أو أممي. ولقد عانت الحركة الإسلامية الإصلاحية في مجموعها وفي جل الأقطار، وفي عديد فتراتها السابقة واللاحقة إلى خفوت الجانب المعرفي في هياكلها، وبروز أفراد جعلت منهم الخطابة أو الفصاحة، أو سنون المحنة والمعاناة، شخصيات الصفوف الأولى، وخنادق الصدارة، ودروع الدفاع والبناء والتشييد. فكانت الشرعية التاريخية، والشرعية الكلامية، والشرعية المحنوية، وغابت نسبيا شرعية الكفاءة والمعرفة، والإلمام بمتطلبات العلم الشرعي والوضعي، ومقتضيات فقه الواقع الجديد والمتجدّد.



 إن الأمية الشرعية والعلمية لا تُنشأ سوى ثقافة تغييرية منقوصة وتكوينا فرديا مهزوزا، وليس عجيبا أن ترى أن أغلب الطاقات الفكرية التي برزت على الساحة الإسلامية، والتي ساهمت في بناء اللبنات الأولى للمشروع الحضاري الإسلامي، كانت في مجموعها خارج نطاق الحركات، نذكر منها د.جمال الدين عطية، الشيخ يوسف القرضاوي، المستشار طارق البشري، فهمي هويدي، محمد الغزالي، عادل حسين، د.محمد عمارة، د.جابر العلواني وغيرهم كثير.
ولقد كان للأزمات المتلاحقة والشديدة، التي عاشتها الحركة الإسلامية الإصلاحية ، تأثير أساسي ومباشر في ضمور الجانب المعرفي والدراسي، وغلبة فقه المحنة، الذي يملي الحفاظ على الجسم وتجنيد الخطاب الحقوقي، والدفاع عن المنفي والمحبوس والمشرَّد، وإغاثة الملهوف واليتيم والعائل والأرملة. ولم يكن ممكنا التفرغ للهمّ الدراسي والفكري رغم المحاولات الطيبة لبعض الأعمال الناجحة من هنا وهناك.
وإذا كان هذا يشفع لذاك، فإن المصالحة مع المعرفة والفكر، تملي تجاوز ارتهان الفكري والمعرفي بما يتعرض إليه الجسم من مصادمات ظرفية أو هيكلية مع الواقع. فالنقلات المعرفية والمنهجية التي أحدثها الإسلام في عقلية العرب طوال فترات الوحي، لم يضمر مسارها أو ينحبس مدرارها أو يتوقف بنائها، في أيام المحنة و أيام النعمة. لأن المعرفة والعلم مطلب حضاري، مبدئي وهيكلي واستراتيجي، وليس تكتيكا أو ظرفا أو نفحة عابرة. "منذ الضربة الأولى في كتاب الله، الكلمة الأولى، نلتقي بحركة التحول المعرفي هذه[اقرأ باسم ربك الذي خلق]… وعبر المسيرة الطويلة، مسيرة الاثنين والعشرين سنة، حيث كانت آيات القرآن تتنزل بين الحين والحين، استمر التأكيد نفسه لتعميق الاتجاه، وتعزيزه والتمكين للنقلة، وتحويلها إلى واقع يومي معاش"
[[1]].
كما لا يجب أن تكون التصورات الفكرية التي يحملها المشروع الإصلاحي حبلى بالمآسي، ولا أن تكون الأفكار والأطروحات زنزانات فكرية
[[2]]، من خلال الاستناد على إرث المعاناة والرحلات الطويلة مع السجون، فتغيب العقلانية وتضمر الموضوعية وتحل العاطفة وردة الفعل والسواد، بدل النصاعة والفعل والإبداع، ويعلو فكر الزنزانة بقتامته وجروحه وأهواله، على فكر الواقع والتجاوز والبناء.
ولا يعني هذا التخلص من آثار المحنة وتأريخ مآسيها، فهذه المهمة الوطنية والتربوية، لا يجب أن تدخل معاقل النسيان والضمور، بل يجب الاعتناء بها وإدراجها في المهمات الهامة التي يتكفل بها فريق خاص في الأرشفة والتوثيق والمراجعة حتى تبقى بناء اعتباريا وتاريخ صدق وكفاح ضد الظلم والاستبداد، وهو باب مفتوح للمواطن أيا كان مشربه، وللإنسانية عامة ليزداد إلى إرثها في العبر والحكم، حتى يعتبر المستقبل ويبني على بياض، ولا يلدغ الجميع من هذه الجحور المسمومة مرة أخرى.
ولعل عملية التأريخ والأرشفة في حد ذاتها إذا اعتمدت العقل قبل العاطفة والبناء قبل التشفي والحقيقة ولو كانت مرة على الجميع، واستندت إلى المنهجية النثرية والشعرية والسيناريوهات المشاهدة والمسموعة، يمكن أن تشكل منعطفا جديدا في الأخذ بهذا الجانب التاريخي والتربوي والأدبي في المصالحة مع المعرفة، من خلال "توظيف" هذه المأساة في الصالح العام في ثنايا البناء والتربية والإصلاح وتجاوز ردات الفعل المبنية على العاطفة وطرق باب الفعل الرصين والواعي والذي يبني اللحظة الاستراتيجية والنوعية من أجل غد أفضل.
وبين التوثيق وتأريخ المأساة للاعتبار والبناء، وبين التقوقع داخلها والبكاء والنحيب في ثناياها، والاحتضار انتظارا للموت والاستئصال، خنادق وتميز يبني على ضفتين منفصلتين ومنهجيتين مختلفتين، ضفة حراك ومصالحة مع المعرفة، ومنهجية بناء ولقاء من أجل الصالح العام من جهة، وضفة موت بطيء وباب مفتوح نحو المجهول ومنهجية صراع لا ينتهي من جهة أخرى...
وعلى محك الواقع، فإن تواجد مؤسسات داخل الجسم أو مستقلة خارجه، وتحمل هم ّ الطرح الفكري والمعرفي، يمثل طلبا حياتيا للمشروع، وعامل إثراء ودفع داخل المجتمع، ولبنيته الفكرية، والمساهمة في تركيز ديمقراطية التعدد الفكري والتنوع الأيديولوجي. 


ـ يتبـــــع ـ

  ملاحظـــة : وقع نشر هذه الورقة بفصولها العشرة لأول مرة سنة 2004 في بعض المجلات والمواقع نذكر منها التجديد المغربية واسلام او لاين...
 هــوامش :
 [1]  د.عماد الدين خليل " حول إعادة تشكيل العقل المسلم" كتاب الأمة، الطبعة الثانية، رئاسة المحاكم الشرعية والشؤون الدينية في دولة قطر، 1403هج، ص :42.


[2]  المصطلح لعبد الله النفيسي وهو يتحدث عن فكر سيد قطب في مرحلة "معالم في الطريق" في "الحركة الإسلامية رؤية مستقبلية، أوراق في النقد الذاتي" القاهرة مكتبة مدبولي 1989، ص:258.



2007-12-10