مركزية المصالحة في الخطاب الإسلامي الجديد [4/10] الجزء الرابع : المصالحة مع المؤسسة/ د,خالد الطراولي


 المصالحة مع الآخر داخل المؤسسة (ديمقراطية التنظيم) :
لا يمكن للخطاب الإسلامي أن ينال الحظوة والمكانة والقبول إذا حمل ذرة من ازدواجية أو عدم وضوح، ولا يمكن له أن يحصل على مصداقية فعله إذا طالت الخطاب الضبابية والخلط وعدم الوضوح شكلا ومحتوى، ولا يمكن له أن ينال شرعية الجماهير إذا أحست هذه الأخيرة بفضفاضة شعاراته وتناقض خطابه وممارساته.

لم يكن الاختلاف يمثل عيبا أو عثرة وعائقا لنهوض مشروع وتقدمه، وقد حفلت نصوصنا المقدسة وتاريخنا الحضاري، بالعديد من النماذج والممارسات التي تؤكد هذا المسعى الذي وصل حدّ الحق " ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة، ولا يزالون مختلفين إلاّ من رحم ربك ولذلك خلقهم " [هود 118ـ119] [[1]]. ولم تستثن الحركات الإسلامية المعاصرة هذا الجانب في تنظيراتها، ومنذ لحظاتها الأولى يعلن رائدها الأول حسن البنا بكل وضوح " ليس العيب في الخلاف ولكن العيب في التعصب للرأي والحجر على عقول الناس وآرائهم " [[2]]. غير أن العديد من الترهّل برز من هنا وهناك، ولم يلتزم بهذا الخط، نتيجة شطط في الرؤى وقلة زاد في العلم والوعي. وكان الخلط بين وحدة الصف وآحادية الرؤى بابا لهذا الترهل الذي أصاب العقل التنظيمي وساهم في إشاعة مناخ الريبة والتوجس لكل رأي مخالف، ودعم بروز الفكر الواحد واللون الواحد وحتى ظهور ثقافة الشيخ بمريديه.
وهذه العقلية التي تشكلت ساهمت ولا شك في فقدان العنصر الناقد والعنصر المبدع والمنتج، وأضعفت إمكانية تواجد الرأي الآخر والرأي البديل الذي كان بإمكانه في بعض لحظات التدافع التي عاشتها هذه الحركات، جذب المشروع إلى أماكن آمنة.
إن خط التنوع وحق التعدد يمثلان عنصرا وعي وتجاوز وصحة. و يمليان تجذيرهما، عبر تعميق جانب المؤسسة وآلياتها، من شورى، وحق الاختلاف المؤسَّس، والاحترام المتبادل، والصوابية النسبية للرأي والرأي الآخر، والأخوة الجامعة التي تعلو فوق كل اختلاف أو خلاف أو شقاق.
إن عدم الاعتبار لحق الاختلاف داخل المؤسسة واستبعاده، يمثل تهميشا لتنوع الرؤى المثرية للمشروع، وكبتا للطاقات، واستدراجها بوعي أو بغير وعي، نحو السكون والركون، أو مغادرة المؤسسة، أو حتى نبذ المشروع والارتماء داخل أطر أخرى أو مؤسسات بديلة.
ولعل غلق الأبواب والنوافذ بجعل من الإطار منزلا ضيقا منحسرا متقوقعا، لا يدفع إلى الإنتاج والبناء، فالإبداع مجاله الحرية وهو ما أدى في بعض البقاع والأزمنة إلى بروز ثقافة الشعار والبرامج الفضفاضة وغياب المقاربات المتمكنة تأصيلا وتفكيرا.. وهذا يؤدي عاجلا أو آجلا إلى انتفاء التفاعل والتدافع والتناظر، وبقاء الرأي الواحد والطرح الواحد والتصور الواحد والطابور الواحد، ومن ثمة الضمور المتدرج للمشروع لاستنفاذ طاقاته الواعية والفاعلة. "قال سليم بن حنظلة : بينما نحن حول أبي كعب نمشي خلفه إذ رآه عمر فعلاه بالدرة، فقال : انظر يا أمير المؤمنين ما تصنع؟ فقال عمر (رض) : إن هذه ذلّة للتابع وفتنة للمتبوع."
[[3]] 
خطورة هذا المنحى تنبع من أن تأثير ضيق الحراك وعدم ديمقراطية التنظيم وغياب التعددية الفكرية داخله ونسبية مجال الحرية بين أطرافه، يتجاوز الإطار التنظيمي الداخلي ليلامس مصداقية المشروع ذاته وجماهيريته، فكيف تقنع الآخرين بديمقراطية خطابك وقبولك بالرأي الآخر وأنت عاجز في ذاتك بأن تسمح بغير رأيك بالبروز؟ كيف لك أن تواجه الاستبداد وأنت توجه إليه تهم الإقصاء والاستفراد بالرأي وتهميش ما سواه وأنت تستعمل نفس المنهجية والأسلوب تجاه جماعتك؟ كيف لك أن تقنع الجماهير وأطراف المجتمع المدني بحضارية أساليبك وقبولك باللعبة الديمقراطية وأنت فاشل في تطبيقها داخل بنيانك؟
لا يمكن للخطاب الإسلامي أن ينال الحظوة والمكانة والقبول إذا حمل ذرة من ازدواجية أو عدم وضوح، ولا يمكن له أن يحصل على مصداقية فعله إذا طالت الخطاب الضبابية والخلط وعدم الوضوح شكلا ومحتوى، ولا يمكن له أن ينال شرعية الجماهير إذا أحست هذه الأخيرة بفضفاضة شعاراته وتناقض خطابه وممارساته.
إن الفرد هو أساس سلامة البناء أو اهتزازه، سواء كان هذا البناء تنظيما سياسيا، أو جمعية حقوقية أو مشروعا حضاريا. والفرد المكبّل والمعدوم وغير الحرّ، هو فرد غير مسئول ، وهو فرد ميت ! وتحرير الكلمة، هو تمكين لثقافة المسؤولية وتشكيل لعقلية الفرد المبادر والفرد الحيّ، ومن وراءه إثراء المشروع وتعظيم فرص نجاعته ونجاحه.

 ـ يتبـــــع ـ

  ملاحظـــة : وقع نشر هذه الورقة بفصولها العشرة لأول مرة سنة 2004 في بعض المجلات والمواقع نذكر منها التجديد المغربية واسلام او لاين...[مع بعض الإضافات]




[1]  انظر بأكثر التفاصيل طه جابر العلواني " أدب الاختلاف في الإسلام " المعهد العالمي للفكر الإسلامي الطبعة الخامسة الولايات المتحدة 1992.


[2]  حسن البنا " مجموعة رسائل الإمام حسن البنا " المؤسسة الإسلامية للطباعة والصحافة والنشر بيروت، الطبعة الثالثة 1984 ص : 124.


[3]  أبو حامد الغزالي "إحياء علوم الدين" ج 14 ص:2713.




2007-12-17