مركزية المصالحة في الخطاب الإسلامي الجديد [8/10] الجزء الثامن: المصالحة مع مؤسسات المجتمع المدني/ د.خالد الطراولي


ويكون ذلك عبر تأكيد البعد الإنساني في التصور الديني للمجتمع الأهلي، وأن المجتمع المنشود إسلاميا هو مجتمع مدني أساسا لا يغفل عن الدنيا والآخرة. وهو تأكيد لاحق للعلاقة العضوية والمبدئية التي جمعت مؤسساته في التاريخ الإسلامي. فإذا كان بروز فكرة المجتمع المدني في أوروبا مواجها لهيمنة السلطة الدينية ولنموذج الدولة الشمولية، ودحرا لظل الله في الأرض ونقضا للتيوقراطية، لتركيز أبعاد الحرية الفردية والديمقراطية، فإن مفهوم المجتمع المدني كان ملازما للبعد التحضيري والتمديني للرسالة الإسلامية في الحث على نقل أهله من حالة البدو إلى حالة الحضر، وتفضيل هذه على تلك.
ولقد طوّق التصور الإسلامي للعلاقة بين الإنسان وربه من جهة، والإنسان ومحيطه من جهة أخرى، بجملة من المبادئ والالتزامات حالت دون تسلط أو استبداد طرف على الآخر. فوحدانية الخالق تمنع أي اعتقاد لتمثيلية سلطة الرب على الأرض، وتنزع عن صاحبها أي مبرر تسلطي. واستخلاف الإنسان وتكريمه يجعلانه مسئولا فرديا على أعماله، ومتساويا في الحقوق والواجبات. لهذا كان الخطاب القرآني في الشأن العام موجها أساسا إلى المجتمع المدني وليس إلى السلطة السياسية (يأيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط) [النساء 135]، (كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر) [آل عمران 110].
وقد تعددت هذه الأدوات الوظيفية في المجتمع الإسلامي، وشكلت مؤسسات خارج نطاق الدولة لتكرس هذا البعد المدني في عملية الاستخلاف. ولعل مهمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الموكلة للجماعة، ووجود مؤسسة الوقف، خير دليل لسلطة الجماعة ومدنية الإعمار والاستخلاف. وإذا كان المجتمع المدني يعني وجود تجمعات مستقلة عن سلطة الدولة مع تأكيد هذا السلطة في الشأن العام، فإن عدم مركزية الدولة وتوسعها في التاريخ الإسلامي أديا إلى وجود هذه المجموعات المستقلة من تنظيمات حرفية وطرق صوفية وأوقاف وحسبة، فكانت هذه المؤسسات حامية لأهلية ومدنية المجتمع، بما وفرته من متطلبات ثقافية واجتماعية للمجتمع من مثل المدارس والمكتبات والمستشفيات والفنادق التي سهرت عليها مؤسسات الوقف.
وإذا كانت مبادئ التسامح والتعدد وعلو القانون واحترام حقوق الإنسان وتركيز دولة المؤسسات، تمثل العمود الفقري للمجتمع المدني وأسسه المتميّزة، فإنا لا نرى خلافا لها أو اختلافا حولها في النصوص المقدسة، أو في سيرة الرسول الكريم (ص)، رغم ما علا هذا النصوع المقدّس من تأويلات جائرة واجتهادات حائرة فيما بعد، والتي أحدثت التباين بين هذه المبادئ التي حملها المشروع الرسالي وتطبيقاته الأولى، ودستور المدينة صفحة ناصعة منه، وبين ما لحقها في أيام الانتكاسة الحضارية من ترهل وتهميش. ولقد كانت وثيقة المدينة سبقا تاريخيا في تركيز هذا البعد المدني عبر رسم خارطة مدنية للمجتمع تتمثل في إعلاء صيغ المواطنة بين أفراده وتجمعاته.
ولعل الحركة الإسلامية شابها بعض الخوف من المجتمع المدني نظرا لارتباطه سابقا في التجربة التاريخية الأوروبية بمنطق فصل الدين عن السياسة، وإقصاء الديني عن السلطة السياسية، والذي زاده العلمانيون من أصحاب الديار عندنا، منطق العلمية والعقلانية الذي صاحب هذه التجربة وميّز بها المجتمع المدني، والمفقود حسب نظرهم في الأطروحات الإسلامية.
إن هذا الوجس الذي يؤدي إلى معاداة المجتمع المدني، وطرح بديل له من مثل المجتمع الديني، يعتبر ملاذا غير آمن، وخطأ فادحا، يخطو بالمشروع نحو الانعزال عن واقعه أو مصادمته، أو القفز على حقائقه. فمفهوم المجتمع المدني لا يناقض نصا، ولا يعادي اجتهادا واعيا ورشيدا، وهو حماية للمشروع من أعداءه وحماية للمشروع من نفسه. فليست العلمية نقيضا لأطروحاته، وليست الرؤيا التيوقراطية من سماته حتى يفصل الديني والسياسي، وهو ليس نصا مقدسا، يحمله حفظة معصومون حتى يدعي امتلاك الحقيقة ويدرأها عن غيره، فوجود المجتمع المدني ودولة المؤسسات كفيل بتحصين الجميع من الغلو والإقصاء والاستبداد. وهي عين المصالحة التي يجب على الحركة الإسلامية تنفيذها مع المجتمع المدني دون خوف أو وجس، من خلال اجتهاداتها، وثقافة أفرادها، وممارساتها.
إن هذه العلاقة المتميزة التي يبديها الإسلام تجاه المجتمع المدني ومؤسساته، والتي وقع طمسها في بعض فترات تاريخنا، لغلبة منطق الاستبداد والتسلط، والتي محتها لاحقا الهجمة الاستعمارية كلية، مثّلت حسب نظرنا ملجأ وحصنا، ولو قاصرا أو مقتضبا، لاستمرارية دور الجماعة، في التاريخ الإسلامي. وهو مبدأ قائم في حاضرنا، ثابت في تصورنا، وعميق في ماضينا. وليست المناداة به اليوم، إلا عودة إلى الأصول، وتدعيما للثوابت، وتركيزا لمبدئية التصورات. ولقد كان إبراز دور الجماعة، تضخيما لدور الأمة ولمؤسساتها الاجتماعية والثقافية والاقتصادية وتعايشا رشيدا مع دور الفرد والدولة لمصلحة الجميع.

                                                                                            ـ يتبـــــع ـ
 ملاحظـة [1] : وقع نشر هذه الورقة بفصولها العشرة لأول مرة سنة 2004 في بعض المجلات والمواقع نذكر منها التجديد المغربية واسلام او لاين...[مع بعض الإضافات]
ملاحظـة [2] : يصدر قريبا للدكتور خالد الطراولي كتاب جديد بعنوان "حــدّث مواطن قــال.." يمكن الحجز بمراسلة هذا العنوان
kitab_traouli@yahoo.fr

2008-03-08