مآذن سويسرا وحجاب هولندا ومستقبل المسلمين في الغرب/ د.خالد الطراولي


فلو سعى هذا الجيل إلى تحديد هدف وحيد وسليم وهذا يعيدنا إلى فقه الأولويات، إلى تكريس كل قواه وطاقته وأوقته وماله إلى بناء الطفل المتعلم والمتربي والطالب المتحصل على الشهائد والواعي، وذلك عبر تكاتف عنصر الأسرة والمدارس الإسلامية وأصحاب الشأن الإسلامي من منظمات وهيئات، لكنا وصلنا إلى بناء محطات سليمة نحو الأفضل والتفاعل الإيجابي مع هذه المجتمعات.
وضعت إيطاليا أسطولها الجوي لحمل كل المهاجرين المسلمين إلى ديارهم بعد أن وافق البرلمان بأغلبية فاقت 90 بالمأئة إلى طرد المسلمين من البلاد... وفي هولندا دعى الرئيس الجديد وهو من أقصى اليمين إلى إلزام المسلمين بحمل شارة خضراء على ثيابهم حتى يقع تمييزهم عن بقية الشعب... وفي فرنسا وافق البرلمان على سحب الجنسية من الفرنسيين المسلمين وطرد كل المسلمين المهاجرين إلا إذا أعلنوا تنصرهم واستبدلوا أسمائهم... وفي إسبانيا فرض على المسلمين على ألا يتزوجوا من غير جنسهم وألا ينجبوا أكثر من واحد حتى ينتهي نسلهم في القريب...أما في بريطانيا فقد كانت الملكة أكثر رحمة وطلبت من الإتحاد الأوروبي أن يكون عمله موحدا بتخصيص موازنة للقيام بجسر جوي وبري وبحري بين أوروبا وبلاد الإسلام لحمل المسلمين رعايا وجالية اليها...
هذا كابوس ولا شك ولعله حلم بعض العقول المريضة وأمل بعض السياسيين المتطرفين، ولكنه يبقى إلى حدود هذا الزمان الرديء قصة من الخيال العلمي أو السياسي ونتمنى ألا يتجاوز ذلك! 

من هنا مرت المــآذن
نعم هذا من الخيال ولكن أحداثا غريبة تقع قريبا من حينا ومواقف وتعابير وفضائح تحملها أمواج عاتية، كنا نظنها من الخيال فأصبحت واقعا يمشي ييننا ويقض مضاجعنا! من كان يتخيل أن في بلاد ترفع عنوان الحياد واحترام حقوق الإنسان ودستورها يؤكد على حرية المعتقد، أن يقع استفتاء حول هذه الحرية ذاتها، هل نعطيها للبعض ونسحبها عن الآخرين؟ لقد قررت سويسرا بأغلبية الثلثين تقريبا حضر إنشاء المآذن على أرضها! من كان يصدق أنه في بلاد التسامح والتعارف والقبول الذي عرفت به هولندا أن يتجرأ رئيس أحد الأحزاب الكبيرة والمتطرفة إلى الدعوة لسن ضريبة ضد الحجاب ب 1000 أورو لكل امرأة تحمله! قصص تقارب الخيال ولكنها ليست كذلك، هي مواقف وواقع يتحرك نحو المجهول المليء بالمفاجآت غير السارة إذا شاء له القدر أن يتمكن ويتصاعد...
حقيقة مرة ولا شك وتستدعي أكثر من وقفة وأكثر من مراجعة، ليست غابتي التهويل فنتيجة الاستفتاء لم تفاجأني وأنا الذي أعيش في الغرب منذ قرابة ربع القرن، ولكنها أفصحت عن المكنون الذي تحمله بعض العقول وما تفرزه ثقاقة الجهل والرفض والخوف والعداء. السؤال المطروح دون كثير حديث، مالعمل؟ ماهي الأرض التي نقف عليها؟ ماهي الأوراق التي بأيدينا؟ هل لنا من ذنب نحمله تجاه هذا التردي؟ هل لنا ضلع ونصيب في الوصول إلى هذا المنحى؟ وهل من الممكن تغيير بوصلة العداء والاسلاموفوبيا التي اجتاحت العقول الصغيرة والكبير؟. لماذا وصلت صورة الإسلام والمسلمين إلى الحضيض وما هي مسؤوليتنا كمسلمين أوروبيين في ذلك وماهو دورنا في تغيير هذا المعطى نحو أطر أفضل وأسلم للجميع.
نعم للخارج عن الوطن الأوروبي الدور الكبير في تشويه صورة الإسلام، فمن هنا مرت أحداث 11 سبتمبر ومن هنا مر الإرهاب الذي ضرب انقلترا وإسبانيا وتشوهت الصورة وأصبح الإسلام عند الكثير حتى من لا يحمل داخله أي كره سابق أو عداء للإسلام، إلى وحش، وأصحابه إلى برابرة وغزاة. لقد خدمت هذه الأحداث وهذا الجهل تفاقم التطرف والخوف والكراهية عند عامة الناس، واستغل بعض المهمشين سياسيا هذا البعد وأشعل الفتيل حتى يجد له مكانا تحت الشمس وبرنامجا جديدا يلوكه أطراف الليل والنهار تخويفا وترويعا واشتعلت النيران من كل جانب وحصل الحريق...وكان لعبا بالنار!
نحن على مفترق طريق رهيب وخطير، وإذا كنا لا نستطيع أو هكذا يخيل لنا أننا لا نستطيع تغيير المعطى الخارجي، نعم إن عديد العوامل تبدو أكثر صعوبة في الإحاطة بها مباشرة، نعم إن أسبابا يحملها الطرف المقابل في الإثارة والاستفزاز، ولكن هل من دور لنا في كل هذا البركان الذي تزعزع بنيانه؟ وهل لنا من دور جديد لترميم البناء حتى لا يقع ويسرف السيل الجميع؟ إني أجزم أننا نحمل مسؤولية وأوراقا عدة لتغيير وجهة المسار إذا وعينا دورنا ومسؤوليتنا التاريخية. فإما أن يتواصل التواجد الإسلامي بكل ما يحمل من هفوات وأخطاء حتى يقع المحظور، أو نتدارك اليوم ولا نجعل من تغييب المآذن في سويسرا تغييبا لعقولنا وحسن أعمالنا.

فهم الواقع جزء من نجاح التفاعل معه
إذا أردنا أن نفهم دورنا فعلينا تشخيص واقعنا والوعي بأطرافه وخطاباته، ورغم أن هذا الواقع الذي يعيشه المسلمون يحمل أطرافا عادلة وحقوقية وذات أخلاق وقيم، فالضفة المقابلة التي تحمل هذا التوجس والريبة أو الكراهية والعداء تنقسم إلى ثلاثة مضارب:
1 / صنف مسيّر لا مخير وهم من عوام الشعب، من يعلن توجسه أو عداءه جهرا أو يخفيه، والحقيقة التي تواجهك في هذا الجانب وتفاجئك هو سهولة تشكيل عقول العامة والاستخفاف بها وقودها حيث يراد لها، وقد كنت أخال سابقا أن موت الوعي واستحمار الجماهير ويسر غشها وقابليتها للإتباع عواطفها ومشاعرها كان حكرا على بلدان العالم الثالث حيث الوعي المغشوش والإعلام المسير والتمدرس والتعلم المنقوص مع استبداد سياسي مما يولد فكرا جماهيريا معتلا وشعوبا قابلة لانقياد على وقع جهل مدقع وفقرا وجورا وحيفا ونوما هادئا حتى أذان الفجر!!!

والمجتمع الأوروبي يحمل داخله نصيبا وافرا ممن يحملون هذه القابلية للانقياد والاستدراج، فالحالة الاقتصادية الهشة التي يعيشها العديد من الأفراد تدفعهم إلى البحث عن المسؤول وتجد سهلا رميها على الأجنبي، مدفوعة لذلك من قبل مهرجين سياسيين يعملون بقوة على استغلال هذا الباب كمدخل انتخابي نحو السلطة.

2 / صنف سياسي يبحث على موقع ومكاسب سياسية تؤهله للحكم والسلطة، أوجد لنفسه برنامجا حزبيا يستند أساسا على معاداة كل ما هو أجنبي مع نصيب أوفى لإسلام والمسلمين. خطابهم يتركز أساسا على التخويف ودغدغة مشاعر الكراهية والعداء لكسب التفاف الجماهير.
3 / صنف علماني لائكي حتى النخاع، يحمل تصورات ومقاربات فكرية علمانية صريحة، كان يظن أن معركته مع الدين قد حسمت منذ أكثر من قرن، وسقطت المسيحية مغشية عليها وخرجت من الحلبة السياسية وغادرت السلطة وتهمش دورها الثقافي والاجتماعي حتى أصبحت دعابة عند البعض. هذا الضمور الديني لدى العامة بدأ يتغير عند طرف جديد دخل الساحة دون سابق إعلام حيث ظهرت الجالية المسلمة وهي تحمل دينا جديدا يحمل مقاربة نوعية للحياة وموازيا في السلوكيات والمظاهر واكتسح بعض الشيء المجال الخاص والعام وكانت المواجهة. فالعلمانيون لم يقبلوا عودة المقدس إلى الساحة واستشعروا خطرها وهولوا الإسلام الزاحف والمهيمن وسارعوا إلى مواجهته جهرا وسلما عن علم أو عن جهل واستدعي في ذلك التاريخ والتراث مع قلة فهم أو سوئه.
مالعمــــل ؟
رغم أن الإجابة تتطلب أكثر من ورقة وندوة وخطة، ولكن نظرا لإلزامات النشر سنقف عند رؤوس أقلام جديدة وقد تعرضنا سابقا في مقالا منشور "نحن والغرب" إلى بعض هذه الاشكاليات وتجاوزها :
1 / العمل الهادئ والصامت بعيدا عن الصخب الإعلامي، فليس من مصلحة المسلمين الخوض في كل واقعة والرد على كل استدراج وإثارة، وما أكثرها فكل حدث تقريبا داخليا أو خارجيا إذا حمل شحنة من السلبيات، فإن البحث لدى المهاجر والإسلام عن إمكانية علاقة بينهم، يحدث حوارات هامشية يركبها أصحاب البحث في الأدران، سرعان ما تتفاقم وتحرق الأخضر واليابس، فإن وقعت حادثة وحمل صاحبها اسما عربيا فإن السبب يتعداه وتصبح طائفة، ومن ورائها ثقافتها ودينها، محل اتهام.
2 / فهم فقه الأولويات وتنزيله على الواقع المهجري، وكم هو عقيم فهمنا لهذا الفقه في باب الفقه العام فما بالك وهو يتنزل في فقه الأقليات وكم هي القواعد المنسية في هذا الباب والتي تخول خروجا وحلولا غير منبتة عن واقعها ولكن تفقه مرحلتها وتتفهم مسار واقعها، من مثل الفرائض والأصول أولى بالتقديم من النوافل والفروع، والأكثر مفسدة أولى بالدرئ من الأقل مفسدة، وغيرها كثير. فماهو الأهم وما هو المهم؟ ماهو الواجب وماهو المستحب، ماهو الحرام وما هو المكروه، أليست مصلحة المسلمين من مصلحة العامة؟ أليس تقديم الأوجب على الواجب والواجب على المستحب وأن نتساهل في السنن والمستحبات ما لانتساهل في الفرائض والواجبات كما يقول الشيخ القرضاوي؟ بين المؤذنة والمسجد هناك فقه للأولويات، بين المسجد والمدرسة الإسلامية هناك فقه للأولويات، بين الحجاب والنقاب هناك فقه الأولويات وأكثر، وفي هذا الباب يمكن أن يندرح القبول بالمسموح به والرضا حتى بالأقل من المسموح إذا كان ذلك يعطل مصالح الإسلام والمسلمين ويشوه الصورة لدى العامة والخاصة، فكان يمكن مثلا أن نسحب البساط ممن أرادوا الاستفتاء في سويسرا حول المآذن بالقبول الوقتي أو النهائي ببناء مساجد بدون مآذن، فالأهم هو إقامة الجماعة تحت سقف واحد في مسجد واحد سواء كان يحمل صومعة أو لا يحملها، ولذلك لا يمكن أن يستقيم عمل والفكر سقيم والمنهج مغيب أو مهمش.
3 / العمل الجدي والممنهج والموحد وطويل المدى فوجود المسلمين لم يزل حديثا وتاريخهم القديم والحديث مع مضيفيهم لا يزال تشوبه عوامل منغصة لعلاقة مهتزة، فمن هنا مرت الحروب الصليبية، ومن هنا مر الاستعمار. وكل هذا لا يمكن فسخه من التاريخ ومن المخيال الشعبي ويجب تفهمه وعدم تحريكه أو السقوط في إثارته وتحريك أوجاعه. إن وجود المسلمين في الغرب ليس وجود أقلية عابرة ومسافر استظل بأغصان شجرة حتى يمر السحاب ولكنه وجود دائم واستقرار تام في أوطانهم يفرحون لفرحها ويحزنون لأحزانها، هي أوطانهم ولا وطن لهم غيرهم لهم ما لها وعليهم ما عليها.
4 / توحيد الكلمة، وتوحد المواقف، ووحدة الصف، لا تعني وجود هيئة وحيدة جامعة، وهو حلم لا يزال بعيد المنال، ولكن حمل نفس الهم والعمل الرصين الموحد للوصول إلى الهدف. ولعل تضارب المواقف والتنافس غير البريء أحيانا بين المنظمات والهيئات، ولدا تشرذما للمسلمين في الساحة الغربية حيث دخلت الولاءات الخارجية للوطن الأم دخولا غير طيب أحيانا، وساهمت في توجس النفوس وريبتها. وللنخبة جاهلة كانت أو متعلمة الدور البارز في هذا الباب وتحمل مسؤولية عظيمة أمام الله أولا وأمام التاريخ في نجاح استقرار المسلمين أو فشله. وقد عشت أخيرا فصلا محزنا من هذا السقوط حيث وافق عمدة البلدة التي أسكنها على منح المسلمين قصر الرياضة البلدي لكي يؤدوا صلاة العيد عوضا عن مسجدَيهم، لكن الجميع تخاصموا كل يريد النصيب الأكمل والحضور الأوفى، وفتح كل طرف مسجده يوم العيد مع القصر البلدي وتدفق المصلون وعاش الجميع موقف ذهول وحزن وحياء، فإلى أين المسير والقبلة واحدة وأماكن الصلاة ثلاثة وعمدة البلدة المسيحي الديانة يسهر على جمعهم!!!
5 / لا يجب أن ينسى المسلمون أنهم لا يزالون ضيوفا حتى وإن وصل وجودهم إلى الجيل الثالث والرابع فالمخيال الشعبي كما ذكرت متأزم وكثيرا ما تسمع من البعض "لا تنسوا أنكم ضيوف عندنا" وهي مقولة حقيقية وبقطع النظر عمن يحملها عنصرية أو عداء وكراهية فلنا أن نفعلها في صالح هذا الوجود واستقراره السليم، وسلوكياتنا في هذا الباب هي التي سوف تبني لنا صرحا فوق الأرض أو سراديب تحت الأرض. ولعل دينا مثل الإسلام وهو يركز على جانب السلوكيات والمعاملات الاجتماعية مع الضيف والجار والصاحب والرفيق والصديق والمنافس وحتى العدو، والآيات والأحاديث في هذا الباب كثيرة، من شأنه أن يدفع المسلمين إلى مزيد تفعيل هذا المقدس الجميل والحافل والتركيز التام على جانب السلوكيات لإيصال الصورة الصحيحة عن الإسلام أولا وتوضيح حالة المنتمين إليه ثانيا وإبلاغ رسالة التعارف واللقاء ثالثا. فلا يمكن أن تبني علاقة ثقة متبادلة مع مضيفك وأنت تشعره بموقفك المهتزة وسلوكياتك السلبية والمنفّرة.
6 / الكيف ثم الكيف ثم الكيف، فالمسلمون يلمسون ولا شك تجارب الآخرين وهم يستقرون في هذه البلاد وكيف وصلت أقليات أخرى بكل هدوء وتواجدت في أكثر من منبر وإطار وحمت نفسها وسعت إلى خدمة طائفتها وأوطانها الجديدة وليس من باب أوسع من العلم والتربية، فلا يمكن أن تنال رضاء الناس واحترامهم لك وأنت تملأ سجونهم بأبنائك، لا يمكن أن تنال رضاهم وهم يرون فيك عالة عليهم تستغل كرمهم وتستجدي عطفهم وتعيش على مساعدتهم ولست بانيا ومساهما في إقامة صرح مجتمعاتهم.
فلو سعى هذا الجيل إلى تحديد هدف وحيد وسليم وهذا يعيدنا إلى فقه الأولويات، إلى تكريس كل قواه وطاقته وأوقته وماله إلى بناء الطفل المتعلم والمتربي والطالب المتحصل على الشهائد والواعي، وذلك عبر تكاتف عنصر الأسرة والمدارس الإسلامية وأصحاب الشأن الإسلامي من منظمات وهيئات، لكنا وصلنا إلى بناء محطات سليمة نحو الأفضل والتفاعل الإيجابي مع هذه المجتمعات.

ختاما
إن مستقبل المسلمين في الغرب في أيديهم وفي عقولهم وليس عند الآخرين، حتى إن كان البحر الذي يحمل سفينتهم بحر الظلمات، والنوايا الخبيثة تحيط بهم من كل جانب وفي كل حين، ولكن لا ننسى أن في هذه الضفة أيضا أناسا طيبين وأصحاب مبادئ وقيم أصيلة ولا يجب تجاهلهم أو تهميش دورهم، وهذه الشعوب كما تُملأ شرا يمكن أن تُملأ خيرا وهو تحدينا الكبير ودورنا المسؤول والهادف. والإسلام دين جميل ولكن عجَز أصحابه في التعبير عن جماله، واليوم الذي يستطيع فيه المسلمون في الغرب أن يوصلوا رسالة الجمال التي يحويها دينهم إلى محيطهم بمواقفهم وسلوكياتهم، فإنهم يكونون قد وضعوا الركائز الصحيحة لوجودهم كمواطنين صالحين مصلحين داخل أوطانهم متشبثين بمبادئهم وثوابتهم ومنفتحين على الناس


2009-12-08