رسالة اللقاء رقم (3) : المنفيــون والمشردون : جنــان معلقــة أم مأســاة منسيــة ؟/ د.خالد الطراولي


 النفي والتشريد الرقم الغائب الحاضر في المعادلة السياسية
 لا يسعنا ونحن نطالع المبادرات العديدة التي تطلقها بين الحين والأخر بعض الوجوه المناضلة دفاعا عن الأسرى والمحبوسين إلا الوقوف إجلالا وتقديرا لهذه العرائض وأهلها، لا يسعنا إلا مباركتها والتشجيع على الحراك وإطلاق المساعي وتحرير القلم لدعمها. غير أن المرء يناله بعض الاستغراب ويدفعه التساؤل حول الغياب النسبي للمنفيين والمشرّدين في العرائض المطروحة والمطالب المعروضة، حتى أنك لا تكاد تجد عريضة أو مطلبا مخصصا لهم في المشهد العام ! فهل هذا منشأه حالة الاستقرار والرضا التي صاحبت الترحال وأنهت النفي وغلبت المصلحة والمنفعة، فكانت البداية بلا ألوان وانتهت بقوس قزح غليظ، فلم يعد تجد من يريد العودة وقد طال الزمان، وبدأت الذكريات تتباعد تاركة المكان لزحف أيام جديدة، ووطن جديد شهد ميلاد الأبناء، وبركة الرزق والعافية؟ أم أنه السعي الفردي للخلاص، وتفضيل الحلول الشخصية بعيدا عن الأضواء الكاشفة، وتخلص من الماضي وترك للمشروع وأهله؟ أم هي ورقة سياسية لم يحن وقتها، تتجاوز البعد الإنساني لتدخل بنا في متاهات التدافع السياسي؟
 هذه التساؤلات وغيرها تجعل من مسألة المنفيين والمشردين حالة هامة ومعقدة تستوجب الوقوف عندها حتى ينجلي الدور المرتقب لهؤلاء الآلاف من المبعدين والذين يشكلون جزءا لا يتجزأ من الشعب التونسي رغم بعد المسافة وطول الغياب وجور الأوطان، وحتى لا يكون بعد الواقع مطية للإبعاد المعنوي والنضالي والمساهمة ولو من بعيد في حمل هموم الشأن العام الوطني. فالمنفي مهاجر ولو عن كره وهو سفير لوطنه ولما لا سفيرا لمشروع التغيير !
 إن المنفى يبقى حالة استثنائية في حياة الفرد المضطر، لم يغادر أرض الأجداد اختيارا، ولم يبق في أرض الأحفاد اختيارا، همه التواصل مع الداخل حتى لا يموت خارج الخيام وتحت أشعة الشمس، وحتى لا يفقد "رائحة البلاد" التي سامح الله بعض أهلها حين حرموا بعض جيرانهم وإخوانهم من تذوق نسيمها ومعايشة كرّها وفرّها والمساهمة في بناء أركان بيتها.
كيف أعود إليك يا وطنــي؟
لكم يكون غريبا حين يقص البعض منا على أطفاله وجوده على أرض غير أرضه وبين أناس غير بني ذويه، لكم كان شديدا وقاسيا أن يرافق بعضنا أهله إلى المطار وهم يعودون إلى أرض الوطن، ولا يستطيع مواصلة الرحلة، وينسحب من البوابة تاركا أهله "بين السماء والأرض"، لترافقه بسمات الكبير الصفراء، وبكاء الصغير وعويله، وتنهدات الأهل والعشيرة.. لكم كان صعبا الإجابة على أسئلة بريئة ومحيرة يطلقها أطفالك كل سنة وكل فراق : "ولماذا لا ترافقنا؟" وكم يعجز اللسان عن الإجابة رغم سهولة الجواب، لنتوارى بعيدين عن فلذات الأكباد ونحن نخفي دمعات تتسلل من عيون تشكو إلى الله ظلم العباد !
 إن سمك "السلمون" يعود إلى موطنه الأصلي ليموت في هجرة عودة يناله فيها كل النصب والعذاب، من تيارات معاكسة وأعداء متربصين، همه الوحيد الكامن في جيناته أن تكون هجرة حياة لغيره ومقبرة لذاته.فهمّه الأساسي ونهاية سعادته، وضع بيضه وتلقيحه وترك المشعل لغيره لمواصلة مشوار الحياة حتى وإن انتهى مشواره. فنحن لا نريد أن نكون أكفانا أو مومياء وأمواتا أحياء، ولا حتى سلمونا يموت حقيقة لا مجازا حتى وإن سلّم المقود لغيره وأنهى مهمته، ولكن نريد أن نكون مشاريع حياة تنبض لذاتها ولشعوبها وأوطانها.
المنفى عودة، والعودة حياة، وهي تعني أن الرحيل المفروض علينا يوما واللجوء إلى قوم غير قومنا، لم يكن إلا منفى لأجسادنا رغم بعد المسافة..، كانت تونس في الذاكرة، تعيش معنا في صحونا وفي أحلامنا..، كانت تكبر في وجداننا مع نمو أطفالنا..، كانت تونس تزداد حلاوة وبياضا كلما زحف الشيب على رؤوسنا وأذقاننا..، كانت تونس تمشي معنا حيث نمشي، وتقف حيث نقف..، نزور الناس بصحبتها ولا نعود إلا برفقتها، لا نتركها تبيت بعيدا عنا، ولا نسلمها لغيرنا، فمن أجلها عشنا ومن أجلها هاجرنا ورضينا فراق الأهل والأحبة، ومن أجلها وقفنا عند باب الطائرة وهي تعود بالأهل دوننا، وحرمنا الصحبة والرفقة الطيبة، وتعذبنا من نظرات الأبناء، وفزع الزوجات، وحيرة الأهل والآباء...
 ليعذرني القارئ لهذه الشجون وقد وقفت به عند البوابة "الشرقية أو الغربية" ولم آخذ طائرة العودة، هذه العودة التي شغلتنا ونحن نطأ أرض هذه الديار الطيبة في يوم ونحن نمن أنفسنا ولا نزال بأن تذكرة العودة لا تزال صالحة ولو أن رقم الرحلة وأرقام التذكرة قد نالهم القدم وحل البياض محل السواد...
حتى تكون العودة مشاريع حياة ولا مومياء متحركة !
 إننا نريد أن تكون العودة مشاريع حياة وليست توابيت وأكفان ومقابر جماعية يلمها السكون من كل جانب وفي كل حين. سهل أن تعود، سهل أن تقطع تذكرتك وتصحح وضعيتك بما تعنيه من اعتراف بالخطأ وعودة إلى الجادة والتزام على ترك الهم الوطني والعمل السياسي، لتصبح بلغة أهل البلد "خبزيزة" ! لذلك فكل مبادرة للعودة وشطب مأساة التشريد إذا لم تتنزل في مشروع متكامل للتغيير وللتفاوض لا يمكن أن تؤدي في أحسن الأحوال إلاّ إلى الإحراج ولا إلى الإخراج، وتنتهي بانتهاء الحديث حول طرحها في أيام معدودة.
 لن أخفيكم أني كثيرا ما أتساءل لماذا لا يسمح حاكم البلاد علانية بعودة المنفيين ويفتح لهم الأبواب المشروطة بترك العمل السياسي والهم الوطني؟ ويقيني أن الكثير وقد أعياه طول الرحلة، وفقد الأمل في مشروعه وأحبط في من حوله وأصبح يعيش "خبزيزة" في ممارسته رغم أنه لا يزال يشد على نظرياته بكل استحياء. هؤلاء جميعا يعيشون فعلا النجاة الفردية ولو أنهم لم يعودوا من منفاهم، أجسادهم في المنفى ولكن عقولهم وبعض ممارساتهم تعيش النجاة الفردية، يعيشون فعلا الخلاص والطلاق مع مشاريعهم التي نفوا من أجلها رغم حديثهم المتواتر عن شرعياتهم التاريخية وقصص نضالهم المتواري مع غزو الشيب للرؤوس واللحي !
 لعل البعض منا استهوته المنفى واعتاد على الكماليات بعد أن تجاوز طور الضروريات والحاجيات وأصبح يصعب عليه الفراق، أو لعل البعض الآخر أراد الموت خارج البلاد وينعزل عن القوم، فيكفيه ما قدم وضحى، لعله ينال درجة الشهداء والصديقين؟ ( من مات غريبا مات شهيدا. حديث ضعيف)
 لن أبحث عن الأسباب وما أكثرها، ساهم فيها الفرد بأنانيته وساهم فيها الواقع المعيشي بصعوباته وساهم فيها الإطار السياسي بانسحابه وعدم قدرته على تفعيل فضائه وتوظيف أفراده، لن أقف مطولا عند هذا الباب فهو ليس من مشمولات حديثي، ولكن أردت التعبير عن حقيقة كثيرا ما أخفيت، وعن وقائع تجاوزت الحالة المعزولة لتصبح ظاهرة منتشرة واضحة للعيان !
ولقد كانت منهجية الخلاص الفردي سياسة أرادتها السلطة ونجحت إلى حد ما في كسبها، حيث نال بعض المبعدين تذكرة العودة وأصبحوا من المرضيين عنهم، ولست في هذا الورقة منددا أو مستهجنا لهذه الأفعال والرمي بأصحابها بأوصاف هابطة، فلكل منهم أسبابه ولعلها ظروفه الخاصة، وإذا كنا لائمين فلن نلوم غير أنفسنا فلعلنا لم نستطع الإجابة عن تساؤلاتهم ومشاغلهم وحتى مشاعرهم، ولعلنا تركناهم وحيدين في محنهم أو لعلنا كنا عاجزين عن الإلمام بالجميع لهول المأساة وحجم الانتشار...ولقد قرأت مرة أن انتشار المبعدين في أرض الله الواسعة وصل أكثر من خمسين دولة، حتى أنك تجد بلادا لم تطأها أقدام تونسية من قبل، مما يظهر عظم المأساة وشدة الجور، وإنك لتجد لكل فرد قصة بكاملها تحوي بين دفتها فصولا من المغامرة والأحزان والبلاوي الشيء الكثير والذي يقارب الخيال ويعجز عنه البيان !
 إن تساؤلات عديدة تفرض نفسها وهي من بديهيات منهجية العودة وهدفها : هل إذا عدنا عادت معنا حرياتنا، عادت معنا شاشاتنا وكتاباتنا وأقوالنا وأفعالنا؟، أم نعود مغللين مكبلين لنلتحق بقافلة الأفواه المكمومة والأيادي المضمومة والأوجه الملطومة؟ لقد عشنا في منافي تنفّسنا فيها معاني الحرية ونسماتها وأشواقها، ويصعب علينا التنفس خارج إطارها والتخلي عنها بعدما كنهنا مذاقها. كيف بنا ونحن لم نعرف الحرية ولا لونها ورضينا بالمنافي والتشريد من أجلها، كيف اليوم ونحن لمسنا حقيقتها مع نسبيتها في هذه البلاد الطيبة وعشنا أيامها ولياليها، أن نرضى بانفلاتها عنا؟ لقد خرجنا من أجل الحرية، فهل نعود بدونها؟ لقد خرجنا من أجل وطن جريح، فهل نطأ أرضه من جديد دون أن نضمد جراحه؟
نحو تفعيل البعد المهجري في التغيير
إن العودة هي خلاص جماعي للأفراد والمجموعة والمشروع، وهي كذلك طي لصفحة الماضي بالنسبة للمنفي والذي نفى، وهي لا تعني رجوعا إلى نقطة الصفر ولكنها تغيير للتعامل ولقواعد العلاقة ولو بتدرج، وهو يندمج في مشروع متكامل للمصالحة يحوم حول ثلاثية واضحة المنهج والهدف، تشكل قضية المنفيين أحد أضلعها الرئيسية، من إخراج المساجين السياسيين ورد حقوقهم، وتحرير التنظم الحزبي والتعدد السياسي في البلاد، بما تعنيه من اعتراف متبادل بين الحاكم والمحكوم أيا كانت ميولات هذا المحكوم.
لذلك فإن أي مبادرة تسعى إلى تنشيط المعارضة وتفعيل المطلبية لا بد أن تدرج في جدول أعمالها و قائمة مطالبها هذا البعد الإنساني والسياسي حتى لا تؤدي عدم المبالاة والتهميش إلى الدفع بهذه الألوف إلى الإحباط ومغادرة السفينة ومعالجة أمورها بنفسها والنجاة الفردية على حساب المجموعة والمشروع، ونخسر بالتالي عددا لا يستهان به من مناصرين نحن في أشد الحاجة إليه في مسارنـا.
15/ 02 / 2006

2007-06-20