رسالة اللقاء رقم (6) : المصـالحة الوطنيــة والنجــاة الفرديـة، خطــان لا يلتقيان/ د.خالد الطراولي

 


(حول المبادرة الباريسية)


ليست المصالحة قضية أذواق وترف فكري ولكنها مصير أفراد وأسر وجماعات وشعب. وهذا ما يجعل الحديث عنها واجبا مقدسا يتطلب الكثير من الجرأة والشجاعة وسلامة السريرة والمقصد، ويدعو إلى الثبات عليها مبدأ أصيلا والصبر على الأخ والصديق، والحلم على الرافض أو المشكك والمستخف... لكن هل مازال للحديث حول المصالحة طعم ومذاق؟ لو طوحت برأسك يمينا، وشمالا شرقا وغربا، لنالك العجب من كثرة ما كتب حولها، وعدد الأقلام التي خطتها والأصوات التي أطلقتها، طلبتها الضحية وهي مرمية وراء القضبان أو من وراء البحار، وهمشها أو رفضها وتنكر لها السجان.
في الحقيقة ليست المصالحة مفهوما جديدا أو طرحا غريبا علينا، لحقنا بركبه لما رأينا الأشرعة قد غيّرت اتجاهها، بعد أن غيّر الريح وجهته، ولكنها كانت موقفا ثابتا ومنهجا أصيلا في فكرنا منذ سنوات، ودافعنا عليه أمام بعض الأقلام والأصوات في حوارات أثبتها التاريخ وسجلتها عدسة الآنترنت والموقع المبارك تونس نيوز خاصة، ولن يكون حديثنا في هذا الباب إلا تذكيرا بأصول ثابتة تركت بصماتها في التاريخ القريب على صفحات هذه الشبكة و على أوراق بعض الصحف والمجلات[[1]] وهي تسعى اليوم إلى أن تكون المنهجية والإطار الذي تتحرك على أساسه حركة "اللقاء الإصلاحي الديمقراطي"
حول المبادرة الباريسية
إن عودتي اليوم للحديث عن المصالحة من جديد من منطلق مؤسساتي، فرضته أحداث قريبة شابها بعض الغموض، وكان لا بدلي وللإطار السياسي الذي أنتمي إليه من توضيح وإعادة تذكير. لا شك أن الكثير من المنفيين ومن المتابعين لأخبار البلد وصل إلى مسامعهم ما يدور هذه الأيام في المهجر الباريسي من تواجد بعض الأطراف المحسوبة على النظام وبتفويض مباشر من مؤسسة الرئاسة حسب البعض في محاولة الالتقاء مع بعض المعارضين وطرح عليهم إمكانية تصحيح أوضاعهم وتسلم جوازات سفرهم وعودتهم إلى أرض الوطن دون عراقيل أو مشاكل... ولقد طلب مني بعض الإخوة توضيح موقفي وموقف اللقاء الإصلاحي الديمقراطي من ذلك، وبعد تلقي مراسلة من قبل تونس نيوز تستفسرني عن وقوع اتصال بشخصي أم لا وتوضيح ذلك للقراء، عزمنا في الحركة الكتابة في هذا الشأن وإخراجها من السراديب والأحاديث الجانبية الذي تلفها غالبا طابع الإشاعة وعدم الدقة وتوضيح موقفنا منه عسى أن تكون المنفعة جامعة لتونس وأبناءها خارج الديار أو داخلها ودفعا لمناخ الحقيقة والوضوح في المشهد السياسي التونسي.
لعل الأسئلة الأولى التي يجب طرحها في بداية مشوارنا والتي تمثل جوهر حديثنا اللاحق هي :
 لماذا المبادرة؟
ولماذا هذا التوقيت؟
ولماذا المهجر؟
ويبدو أن الوضع الخارجي ومواقفه الأخيرة من الحريات في تونس وخاصة تململ أصحاب القرار في البيت الأبيض شكّلا منبها ذو شأن لدى السلطة من أن الدعم الأمريكي له حدوده وأن إمكانية المراهنة على أجودة أخرى والتخلي عن حليف الأمس أصبح واردا خاصة مع ضبابية المشهد داخل القصر، وتعدد مراكز القوى والنفوذ في البلاد، وتكوّن نواتات صراع في المستقبل من أجل الخلافة، وعدم وجود الزعيم الخليفة الكارزماتي الجامع والمؤلف لكل أجنحة الحكم.
كما كان للتقارب الحاصل بين الطرف الإسلامي الممثل أساسا في حركة النهضة وبعض حركات اليسار ورجاله مفاجأة لم يرتقبها النظام ولم يخطط لها، وهو الذي ظل مطمئنا إلى الاختلاف الأيديولوجي الكبير الذي يفصل الطرفين ومراهنا على صلابته، خاصة وأنه سعى جاهدا منذ بداية حكمه في توسعة خنادق التناقض والخلاف بين اليسار والإسلاميين، ولعل أكبر نجاح للنظام في هذين العقدين من حكمه تمثل في إقناع اليسار بمعاضدته في حكمه والتشنيع بالحركة الإسلامية وعزلها عن المجتمع مشروعا ورجالا، ولن نكون مبالغين إذا اعتبرنا أن أحد روافد الحكم الحالي وصيرورته هو اللقاء التاريخي الذي وقع بين اليسار والنظام طيلة العقدين على حساب الحركة الإسلامية، وأن سقوط هذا الرافد واضمحلاله شكلا بداية السقوط لكل البناء، ومما زاد الطين بلة أن اليسار لم يكتف بالطلاق من الحبيب الأول بل عزم الزواج من جديد ووجد ضالته في هذا التقارب الخطير مع الحركة الإسلامية.
المهجر والحلقة الصعبة في المشهد السياسي
ولعل المهجر كان الأداة الصلبة التي ساهمت ودافعت ومارست بكل قوة هذا التقارب بين الفصيلين وفعّلته على أرض الواقع عبر ندواتها الثنائية ولقائاتها ودعواتها وتظاهراتها الإعلامية التي نجحت من خلالها إلى استقطاب عطف الجماهير الغربية ومساندة الإعلام الخارجي والسلطات التنفيذية، وتمكنت من فضح عديد الممارسات والمواقف وأظهرت أمام العالم الكثير مما كان مخبأ ومعتما وخاطأ. وإذا صعب الاستئصال لاختلاف الديار فإن التحجيم وارد، وأصبح المهجر مشكلا يؤرق اصحاب القرار في تونس ويجب حله.
هذه الإفرازات الداخلية والخارجية جعلت النظام يستيقن أن أوراق اللعبة بدأت تنفلت خيوطها من يديه وأن نسيجا غريبا بدأ في التكون خارج كيانه ومنافسا له، على مرمى ومسمع من أهل الحي وبمباركة الجيران. فكان لا بد من الإسراع لإطفاء الحريق وأن تبدأ عملية الرتق عبر تقليص حجم المعارضة والسعي إلى تقزيم صولتها بالعصا أحيانا داخل البلاد عن طريق الاستفزازات الأمنية واللاخلاقية وتلفيق التهم والتلويح بالمحاكمات والسجون مجددا، وبالجزرة أحيانا أخرى وخاصة المعارضة المهجرية عبر التلويح بإمكانية حل قضايا المنفيين والمشردين وتمكينهم من جوازات السفر والعودة إلى أرض الوطن بدون تنغيصات أو تتبعات. في هذا الباب تدخل المبادرة الأخيرة والتي تتجاوز رتبة حامليها وموقعهم السياسي وتدخل حسب نظرنا في هذه الاستراتيجية الجديدة للنظام بين الجزرة الخارجية لعدم إمكانية العصا، والعصا للداخل حيث أثبت تاريخ هيمنته حسب رأيه على صلوحيتها ونجاعتها ! ويخطأ من يظن عفويتها وارتباطها الأساسي بأفراد كانوا منذ فترة قصيرة أعلاما للمعارضة داخل البلاد.
الأخطاء القاتلة
إن تشابكا أساسيا من الأخطاء يحوم حول هذه المبادرة المبنية على هذه الاستراتيجة ويترنح بين أخطاء في تشخيص الحالة المهجرية وآليات عملها و المنهج الذي يجب التعامل معها على أساس أفراد مستقلين أو مشاريع جامعة، وأخطأ في حامليها ورتبهم ومواقهم السياسية سابقا ولاحقا وأخطأ في الهدف المنشود من ورائها بين المسكوت عنه والمسموح كشفه وبيانه.
فلقد أخطأت السلطة في اعتبار أن الطيف المعارض المهجري قد تعبت جل أطرافه وأن الكثير من أفراده قد أنهكته سنين النضال الطويلة ومطالب الأسرة المستقرة خارج الديار وحنين الوطن وأن بعضه قد ناله الإحباط واليأس ولا يرى قمرا في ليله وأصبح مستعدا لمقايضة سلامته وسلامة أهله في مقابل تركه السياسة وهمومها لأهلها. راهنت المبادرة على أن تفتيت المعارضة وتقليص حجمها إلى حدود النواة الصلبة الميؤس منها يساعد على إخفات صوتها وتهميشها، ويجعلها غير قادرة على التحرك بعد أن تقلم أظافرها وتكسر أجنحتها وتشل أعضاءها ويتخلى عنها أصحابها.
وإن كان بعض الأفراد قد سئموا حقيقة من وضعية اللجوء التي يعيشونها وأن "نسمة البلاد" أصبحت ضاغطة، إلا أن هؤلاء على قلتهم قد غادروا المشهد السياسي منذ مدة وأصبح أغلبهم يعيش بعيدا عن هموم المعارضة ولعله يلعن السياسة والسياسيين واليوم الذي انتمى فيه إلى مشوارهم ! ولذلك فإن حصول هؤلاء على رخصة العودة وصك الغفران ليس إلا تصحيحا لحالة سابقة مبنية على الانسحاب والتنحي ولم تقم المبادرة إلا بمد اليد والمساعدة لمن كان من قبل خارج الإطار.
إن خطأ التشخيص الذي ولد خطأ في المنهج وفي الحملة وفي الهدف من وراء المبادرة، تمثل في هذا الخلط بين المشروع وحملته، وكأن حياة المشروع وبقاءه مرتبطان بنفحات فرد، أو همومه أو ظروفه المعيشية والأسرية، وهو خلط لا يزال يقع فيه النظام من قبل وتقع فيه الأنظمة المستبدة عادة وهو محاربة الفكرة باستئصال أصحابها أو سجنهم أو تشريدهم، ظنا منها أن الواقع والواقعية كثيرا ما تزلزل الجبال الرواسي، ولعل في توبة بعض المعارضين أخيرا وعودتهم إلى الصف يدعم هذا الطرح ويزيد في حظوظ أصحابه.
غير أن الشاذ لا يقاس عليه وتاريخ النضال قديما وحديث يدفع دائما إلى انتصار الفكرة الصادقة والعادلة والحرة والجماهيرية حتى وإن سقط في الطريق البعض من أصواتها. خلطت السلطة بين صكوك الغفران الموجهة إلى الأفراد وصك الغفران إليها، خلطت السلطة بين حلّ عادل للمشروع وبين حلّ للأفراد ونجاتهم الفردية، ولذلك لن تأتي هذه المبادرة بأكثر مما أتت به سابقاتها حتى وإن تغير حملتها، ولن تتمكن إلا بالعودة ببعض الأفراد الذين ذاقت بهم السبل وغلبهم الحنين للمبيت داخل الديار.
وإذ كنا ندين التملق والتزلف والتذلل، فلن نسمح لأنفسنا في اللقاء الإصلاحي الديمقراطي بالحكم على من غادر السفينة وتركها والأمواج تحيط بها من كل جانب، فلعل لكلّ ظروفه وواقعه ومبرراته...، ولعل التهميش والتجميد الذي أصاب البعض، وغياب فضاءات العمل والحرية ساهم في هذه النجاة الفردية على حساب خلاص المشروع...، ولعل البعض يخدم بِصَمته مشروعه وهو خارجه، ولعله في خروجه راحة له ولمشروعه بعد سنوات من الموت البطيء والتهميش والانسحاب، لكني أهمس من بعيد أن حكومة الضمير لعلها لم تقل كلمتها بعد، ولكني أعلم أيضا أنه " يُوَفَّى الصَابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابْ "[الزمر 10] ويقيني أن من هاجر وتشرد وذاق الويلات من أجل مشروع آمن به وعمل سنين من أجل إبقاء شعلة الأمل تراوده، لن ينهزم أبدا ولكل فارس كبوة ولكل عالم هفوة...
لذلك فنحن في اللقاء  لازلنا نعتبر أنالقافلة الصحيحة للعودة، هي قافلة عودة مشاريع التغيير المشردة والمنفية والمغضوب عليها، مع حملتها ودعاتها والمنتمين إليها، دون تمييز وإقصاء، وإحداث مصالحة وطنية تجمع المهجر والداخل في مشهد سياسي حر ومتعدد وديمقراطي. وهذا التوجه لا يمكن أن تحمله مبادرة يتيمة بمثل هذا الحجم وإن كانت تدخل في استراتيجية أكبر نعتبرها كذلك خاطئة ولا تساهم إلا في تأخير مواعيد حتمية مستقبلية...
ولقد عبرنا منذ ثلاث سنوات وعبر إطلاقنا لمبادرة المصالحة بين المشروع الإسلامي والسلطة في تونس عن رأينا الذي يتبناه اليوم اللقاء الإصلاحي الديمقراطي ويعتبره وثيقة تاريخية ومنفذا سليما لترتيب البيت التونسي من جديد على أسس من الشفافية والديمقراطية [نشر نص المبادرة على بعض المواقع من بينها تونس نيوز بتاريخ 18/أوت/2003 ويمكن للقارئ العزيز أن يجد هذه الوثيقة التاريخية كاملة على موقع اللقاء الإصلاحي الديمقراطي في ركن أنشطة وبيانات اللقاء www.liqaa.net] [[2]].
 تونس الخير لن تبنى على الكراهية والبغضاء، ولن تبنى على الإقصاء والتهميش... تونس الخير لن ترى النور وبعض أهلها في الظلام أو في الصقيع، تونس الخير للجميع أو لن تكون !
15 / 04 / 2006



 [1]  خالد الطراولي " معالم مركزية المصالحة في الخطاب الإسلامي الجديد" سلسلة المقالات صحيفة التجديد المغربية أعداد 842/ 849 من 18/01/2004 إلى 26/01/2004 ومجلة مرايا الباريسية عدد 7و8 2004. ومواقع تونس نيوز وحزب الأحرار المتوسطي.


[2]  نشر نص المبادرة على بعض المواقع من بينها تونس نيوز بتاريخ 18/أوت/2003 ويمكن للقارئ العزيز أن يجد هذه الوثيقة التاريخية كاملة على موقع اللقاء الإصلاحي الديمقراطي في ركن أنشطة وبيانات اللقاء www.liqaa.net 




2006-06-23