رسالة اللقاء رقم (10) : سقــوط الحــاجز النفسي والدخــول إلى التــاريخ من جديــد/ د.خالد الطراولي


  انتهت الحرب الغاشمة على لبنان ووضعت أوزارها أو تكاد، وسوف تنالها كسابقاتها التحاليل والتفاسير السياسية والعسكرية على السواء. لعل الخبراء العسكريين قد أفسحت لهم هذه الحرب على مفاجآت وأحداث سوف تنال النصيب الأكبر في التخطيطات المستقبيلة للحروب وفي المدارس العسكرية وفي الصناعات الحربية القادمة.
لن يختلف اثنان أن عديد المسلمات العسكرية قد سقطت في هذه الحرب، في مستوى التخطيط والأسلحة المستعملة، والتي أثبتت دون أدنى شك أن معادلة الانتصار أصبحت جدّ معقدة، ولم تعد تقتصر فقط على التقنيات الحديثة والمتطورة وكثرة الجند والذخيرة، ولكنها أصبحت تلامس العدد والعدة والتكوين الفردي وما يصحبه من استعداد روحي ونفسي، وما يتبعه من أهداف تتجاوز منطق الجغرافيا العسكرية المحدودة، ليطأ بنا معاقل التاريخ والحاضر، والذي يصبح فيه لبنان جزءا صغيرا من عالمية حضارية واسعة، تشكل الأحداث الأخيرة بداية إرهاصات تحول كبير وغير منتظر.
منهجيات العجز وثقافة الهزيمة !
يروى عن ستالين وعن غيره مقولة اكذب ثم اكذب حتى يصدقك الناس، ويبدو أن هذه الطريقة في التعامل مع الآخر، قد مثلت منهجية استعملتها السياسة الإسرائيلية في إيصال خطاب الهيمنة والقوة والجبروت، حيث اقتنع الجميع غربا وشرقا بأسطورة الجيش الذي لا يقهر، ولعل الاقتناع وصل حتى أصحاب القرار الإسرائيلي، فكانت هذه المقولة طافحة في كل الخطابات والأقوال والاستراتيجيات حتى أصبحت مسلمة وبديهية غير قابلة للنقاش. اقتنعت أمريكا بصحتها وبنت عليها استراتيجيا كاملة جعلت من إسرائيل راعية لمصالحها وحارستها الوفية في منطقة غاب فيها الصديق والرفيق، وزادها المحافظون الجدد تركيزا بعد أن طعّموها ببهارات دينية متطرفة... واقتنع المجتمع الدولي بها وأضحى لا يتورع عن حماية الظالم وإيجاد كل التبريرات لأفعاله وقراراته، ولو كان الظلم بواحا والمظلوم رضيعا أو عجوزا، فكان الحياء واللامبالاة أو الخوف مبررا لمساندة عمياء دون أي وازع أخلاقي أو قيمي... واقتنع العرب وتدحرجت سلوكياتهم ومواقفهم الرسمية نحو "سلام" عاجل وبأي ثمن، وعلى حساب عديد الثوابت بدعوى العجز عن مجاراة الخصم الذي أضحى لا يقهر ولا يهزم. ولو راجعنا كل القرارات والمفاوضات والاستراتيجيات التي بنى عليها النظام الرسمي العربي أبجدياتها، لوجدناها تنطلق من هذه المسلمة، مما جعل كل مقاربة للمواجهة تنبثق من منهجية استسلام وواقعية مغشوشة وبراغماتية غير مدروسة.
ولم تبق هذه الممارسة داخل القصور ومراكز القرار ولكنها نزلت إلى الشارع وأحبطته وأفقدت آماله ونزعت أحلامه، فظهرت الكثير من ثقافة الانسحاب، والتقوقع على الذات، في أقصاها واللامبالاة في أدناها، وبقي الشارع العربي والإسلامي بعيدا عن الحراك ولو أن ومضات تشتعل من هنا وهناك يقع قمعها في المهد، غير أنها لم تمثل أبدا مسارا سليما واعيا ومتواصلا، ومبنيا على ثقافة مغايرة وتشكلِِ جديد ونهائي لعقلية فرد ومجموعة.
المحطة الانتقالية
لا يسع المتصفح لورقات تاريخنا القديم والمعاصر إلا أن يلاحظ أنه غلبت على محطاته السقوط والشهود كما هي حالات كل الحضارات، غير أن ما يسترعى الانتباه خاصة، أن بين هذه الأحوال فترات تشكل مرحلة انتقالية نحو العلو أو نحو النزول، وتمثل هذه المرحلة الأساس في توجه خط الحضارة أو التحضر نحو التشكل الإيجابي أو السلبي. هذا المرحلة الانتقالية الهامة هي محطة نفسية ثقافية تسعى إلى تشكيل عقلية الثقة في النفس والكفاءة والنجاح والانتصار على مستوى الفرد والمجموعة، وتكرس الثقافة الحامية لذلك والبانية لأسسها. وهو ما يؤكده النص القرآني على دفعتين، دفعة إيجابية تمثل الانتقال النفسي نحو الصعود والشهود "إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم"[الرعد11] و دفعة سلبية تمثل الانتقال النفسي نحو السقوط والانهزام "ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم" [الأنفال 53]
إن التغيير الذاتي كما يقول عماد الدين خليل " عملية شاملة تغطي الطاقات البشرية كافة، عقلية وروحية وأخلاقية وسلوكية وجسدية، وأي تجزيء في الرؤية أو الموقف يقتل المحاولة في المهد، ولكننا بتأكيدنا على التشكل أو التغيير العقلي إنما نعتمد ضرورة منهجية تضع في الاعتبار دوما سلما للأولويات فتبدأ بالأهم فالمهم فالأقل أهمية...[حول إعادة تشكيل العقل المسلم، كتاب الأمة، 1982 ص 141]
دروس من التاريخ القديم
وفي التاريخ القديم لهزائمنا ودون الإبحار في الأمثلة والتعمق في التأكيد لضيق المقام، تتجلى بداية التجربة الإسلامية الأولى في عهد الرسالة حيث حضرت هذه النقلة النفسية التي أحدثها المقدس القولي والفعلي لدى مجموعة صغيرة لا يمكن بمنطق العقل السليم أن تخرج مهاجرة وتستوطن أرضا غير أرضها وتذهب في حرب ضد جماعة يفوقونهم عددا وعدة بالأضعاف فكانت بدر وكان الانتصار وكانت الدولة.
هذه الحالة الإيجابية لتشكل العقل المسلم في هذه المحطة الانتقالية اصطحبتها نقلة نفسية وثقافية تمثلت في تكون روح الانتصار وثقافة المقاومة والصمود لدى الفرد والمجموعة. وسوف تتعدد هذه النفسية المجاهدة والمشبعة بروح البذل والعطاء والثقة في النفس طوال عهد الرسالة والصدر الأول من الإسلام، وما غزوة مؤتة وما تبعها من فتوحات إلا نماذج تصطبغ غالبا بتفوق مادي رهيب في الضفة المقابلة، وتميز نفسي وثقافي متضخم في جانب أصحاب الدين الجديد.
في مقابل هذه المرحلة الانتقالية التي سبقت بسنين إرهاصات العالمية الإسلامية الأولى، ومثلت دفعة إيجابية للتشكل العقلي والنفسي، تواجهنا تجربة الأندلس كنموذج سلبي ولانطلاق العد العكسي لبداية النهاية لهذا العرس الإسلامي الذي طال قرونا وغطى بحضارته وثقافته كل أرجاء المعمورة. لقد مثلت حالة الأندلس في أيامها السوداء وحلول غروبها المحطة الانتقالية نحو العدم، حيث هيمنت بعض المواقف والممارسات السلبية التي شكلت إرهاصات النهاية ونواقيس الفناء. فقد هيمنت ثقافة الخوف والانسحاب وتشكلت عقلية الهزيمة، وتضخم العدو في المخيال الشعبي الإسلامي قبل أن يتشكل حقيقة على أرض الواقع. فتزعزعت الثقة في النفس ولاذ الفرد والمجموعة بثقافة سلبية منهزمة، سبقت الارتداد والفرار والسقوط.
لقد كانت ظاهرة ملوك الطوائف في الأندلس (27 إمارة) تعبيرا سياسيا واجتماعيا لمشهد عام منسحب ومهزوم ومشتت، حتى وصل الأمر أن يحكم أحد ملوكها ابن الأحمر مملكة غرناطة باسم ملك قشتالة الإسباني ويؤدي له الجزية في مقابل بقاءه في السلطة، وأعانه بالجند والقوة لحصار إشبيلية المسلمة وسقوطها كما يروي ابن خلدون. ولم تقف ثقافة الهزيمة عند باب القصر بل دخلت المجتمع كافة واستوطنت العقول والوجدان، حتى إن بعض المسلمين لبس الحداد حزنا على مقتل الأسبان في إحدى المواقع بعد وفاة ملكها مجاملة وخوفا !
لقد غابت ثقافة الممانعة والمقاومة وتخلى الفرد والحاكم والرعية عن دورهم الاجتماعي فوقع المحظور وسقطت الأندلس رغم تواجد لامس الألفية من الزمن. إن هذه المحطات الخطيرة في حياة الشعوب والمجتمعات إذا لم ينتبه إليها في الإبان، فإنها تزداد غوصا وتركيزا وتصبح من المسلمات في ذهنية الفرد، وتصير مقاومتها مغامرة أو من المستحيلات، وكلما طالت المدة صعبت معها الممانعة والعودة.
من الكمّ إلى الكيف أوتشكّل ثقافة وعقلية الممانعة
أما في حاضرنا فإن قرنا كاملا قد توارى وهو يحمل في بعض ثناياه ثقافة الهزيمة والانسحاب، وفي مراجعتنا للمواجهة التي جمعت العرب بإسرائيل منذ النكبة، والتي شكلت ولا تزال مكوّنا أساسيا في وجودنا وسلوكنا ومواقفنا ونماذجنا في التنمية ومناشط النهوض، نلاحظ تشكل عقلية الانسحاب والخوف التي تزداد تمكنا إثر كل حرب عربية إسرائيلية، حيث تمكنت في عقلية الفرد والمجموعة صورة نمطية للجندي الإسرائيلي الذي لا يقهر وللدولة المهيمنة التي لا تغلب، وللواحة الديمقراطية الوحيدة التي تعيش بين أخلاب برابرة محيطين بها. فكانت مواقفنا هزيمة واستراتجياتنا هزيمة، وأصبحنا ندعو إلى السلام بمنطق الاستسلام، وندخل مناطق ونمضي المعاهدات وشعارنا سلّم سلّم...
لقد مثل الانسحاب الإسرائيلي الأول عن لبنان في الثمانينات، المسمار الأول الذي يُدقّ في نعش هذه الثقافة المنسحبة، وبداية العد العكسي نحو تشكّل عقلية مغايرة تناقض الأولى وتبني سلوكا جديدا متميزا. كان هذا الانسحاب بداية مسلسل كونت أطرافه إقامة الجدار العنصري في فلسطين، ثم الخروج من غزة، ثم بالهزيمة الأخيرة في الجنوب اللبناني. ولقد أنشأت الانتفاضات الفلسطينية المتكررة والمتواصلة محطات مصيرية في تشكل هذا المسار الجديد وتأكيد تجذره.
إن تغير المسارات الإنسانية في كل مظاهرها الإجرائية والحضارية في بلوغها نقطة الصفر التي تنعكس بعدها الظاهرة من السلب إلى الإيجاب أو العكس، يتطلب خضة أو هزة تزعزع المسلمات وتستنهض النفوس وتخطّ توجها آخر في عقلية الفرد والمجتمع وفي ثقافته، تؤدي لاحقا إلى تغير تدريجي في سلوكياته ومواقفه. فتكون الهزة بداية الدخول في هذه المرحلة الانتقالية التي تكسر الحاجز النفسي لدى الفرد والمجموعة التي أسسته المرحلة السابقة وتقوم ببناء وجدانهم ونفسياتهم وثقافتهم وحتى مخيالهم. ولقد مثلت الكثير من الحروب هذه الدفعة نحو تغيير مسارات حضارات ودول في التاريخ القديم أو القريب.
وما وقع هذه الأيام هو مواصلة مسار قد بدأ كما أسلفنا منذ الثمانينات في مغادرة إسرائيل لجنوب لبنان، غير أنه تميز بوضوح هذا التوجه وتأكيده. إن هذه النقلة التي أحدثتها الأوضاع الحالية على مستوى الأمة العربية والإسلامية من إسقاط حاجز نفسي رهيب، ضل يهيمن على دوافع الفرد العربي والمسلم وعلى أحلامه وآماله، إن هذه النقلة النوعية تشكل في نظري أهم انتصار يتجاوز منطق الكمّ الذي وقفت عنده الكثير من الأقلام والمواقف، ليبرز بكل قوة منطق الكيف الذي لا يقف عند ضفاف لبنان وما جاورها، ولكنه يرمي بردائه الفضفاض والحالم والواعد على كل أصقاع البلاد العربية والإسلامية، ويدفع بها مجددا إلى الدخول في التاريخ من باب كتب على يافطته : هنا تبدأ لحظة الصفر الحضارية وتتشكل عناصر عالمية إنسانية جديدة.
* رئيس اللقاء  (تونس)
صحيفة السياسة الكويتية الصادرة يوم السبت 26 أوت 2006

2006-06-27