رسالة اللقاء رقم (12) : امـرأتـنــا والسلطــة، وفقــدان الشرعيـــة/ د.خالد الطراولي


منذ تأسيس الجمهورية كان البحث عن الشرعية (1) وأدواتها همّا سياسيا حمله النظام والحزب الحاكم في برامجه ومواقفه وخططه السياسية والاجتماعية... كان بورقيبة يعتقد أنه الدولة أو النظام، غير أن هذا لم يكن كافيا لإمداده بشبه حق إلاهي في حكم البلاد وشرعية تواصل رئاسته مدى الحياة..، كان التماس البعد الجهادي في مسيرته النضالية ضد المستعمر بتسميته ب" المجاهد الأكبر" محاولة لكسب هذه الشرعية الهشة، غير أنها لم تكن كافية لإكساب شرعية دينية "لإمامته"..، كانت الهيمنة على الحركة الوطنية وسنين النضال قد أعطت للحزب الدستوري "شرعية" مواصلة "النضال" ـ الذي لم يفتر ـ ضد الفقر والتخلف ومن أجل تأسيس الدولة الحديثة وازدهار البلاد !
البحث عن الشرعية المهزوزة
لم تكن هذه المحاولات ـ على أهميتها ـ كافية لإضفاء طابع الشرعية الطبيعية لرئاسة رجل وهيمنة حزب، وكان لابد من استدعاء فعاليات جديدة و إلحاق أبعاد أخرى لمسألة الشرعية تحمل طابعا أيديولوجيا وممارسة ميدانية مباشرة ومواقف سياسية جديدة وتستند إلى مجموعة حقيقية وكبيرة من المواطنين... فكانت المرأة هذا البعد المفقود والحل المعجز وأداة النجاة لتأسيس شرعية مبنية على الدفاع على حقوقها وإخراجها من موطن العزلة والاستبعاد والاقصاء إلى ركب المساهمة في بناء مجتمع جديد وحديث.
كانت ضربة لازب وفكرة جريئة وذكية، ورغم أننا نخطئ إذا حصرنا سبب هذا التوجه البورقيبي نحو المرأة بالبحث عن الشرعية لشخصه ولحزبه فقط، غير أننا نرى ومستقبل العلاقة بين الاجتهاد البورقيبي والمرأة وتواصل النظام فيما بعد على نفس الطريق عبر التنقيحات المتواصلة لمجلة الأحوال الشخصية، تأكيد أن النظام قد استغل هذا المكسب بالتفاف جزء كبير من المجتمع حول برامجه..
 فكانت المرأة، أي نصف المجتمع تقريبا، مساهما في إضفاء شرعية الوجود وشرعية البقاء وحتى شرعية الاستفراد بالحكم... فالمهمة عويصة وطويلة وتتطلب الرجال أو الرجل، مع الاقتناع الكامل بالفكرة وتنزيلها عبر مراحل ومحطات لا نراها إلا غير منتهية، فكلما وقع الحزب أو النظام الحاكم في اهتزاز لشرعيته نتيجة خرف الحكم أو عبر تململات شعبية أيا كان سببها سياسيا أو اقتصاديا فإن حامي حمى المرأة موجود باستمرار لتأكيد مسيرته التحررية التي لم تنته ولعلها لا تنتهي تجاه هذا الكائن الذي سيظل ضعيفا حتى لا يقوى فنضعف، وصغيرا حتى لا يكبر فنصغر. فتولدت شرعية شبه أبدية، كلما اعتُرِض على تواصلها إلا رُفعت يافطات التحرير والتحرر والمكاسب والمطالب لهذا الكائن الضعيف والمستعبد، ووجّهت أصبع الاتهام لكل فرد طعن في هذه الشرعية لأنه يطعن في مكاسب نصف المجتمع ويصبح بالتالي عدوا للمرأة ولمكاسبها التي أعطاها لها النظام.
ولعل الكثير بوعي أو بغير وعي وقع في هذا الفخ ولم يتجرأ على فتح باب التقييم خشية هذه التهمة، فأطنب في ذكر هذه المكاسب ـ على أهميتها ـ ولم ير فيها أبدا سلبيات صاحبتها، أو توظيفا سياسيا وقع لها، أو أنه يمكن تقييمها وتقويمها والدفع بها نحو مواطن أكثر عدالة اجتماعية واقتصادية وسياسية، حيث لا تزال المرأة تعيش فيها دورا ثانويا أو هامشيا حتى وإن رأينا المرأة سائقة الطائرة وصاحبة المنشأة ! ولعل في تهميش الدور السياسي للمرأة خير دليل على هذا الضمور والذي نراه غير ملتزم بجنس، ولكنه يرتبط بواقع ومنهجية حكم تقصي عديد الأطراف، كان للمرأة النصيب الأكبر ولا شك في هذا التهميش.
المــرأة الجــديــدة
كانت المرأة إذا ولا تزال حصان طروادة وصمام أمان لتواصل هذه الشرعية لأكثر من أربعة عقود، غير أن دخول الصحوة على الخط خلط الأوراق ووجه إشارة إنذار قاسية وخطيرة ووضع أصحاب الشرعية المرتكزة على حقوق المرأة أمام تحدي مواصلة الدفاع عن حقوقها ومنها حرية الاعتقاد واللباس وعدم خيانة المبادئ والثوابت التي قامت عليها التصور ونزلتها الممارسة..غير أن التحدي بدا كبيرا ومثيرا فكأن بيتا من الورق قد سقط وقصرا من الرمال قد وقع... كيف لهذه المرأة التي صاحب سفورها عقودا من الزمن والكفاح من أجل التخلي عن هذا الحجاب الذي أعاق الجدات وتخلت عنه الأمهات، والذي مثل انتصارا على "الرجعية" و"المحافظة" و"الظلامية"، تعود به الحفيدات ضاربة عرض الحائط بخطاب وتصور، بنى النظام عليه الكثير من شرعيته وتباهى به بين الأمم؟.
لقد كانت المرأة العنصر الذي مانفك النظام يؤكد من خلاله على حداثة مشروعه، و سلامة توجهاته التنموية والتعليمية، وأسبقيته التجديدية في مجالات حقوق المرأة ومن ورائها حقوق الإنسان... كان يسعى دائما إلى إبرازه مشروعا متكاملا يصطبغ في أطرافه بهذا البعد الحداثي التجديدي الجامع في ظاهره لكل أطراف المجتمع وخاصة جزءه النسائي، كانت المرأة لواء هذا المشروع وكانت ولا تزال الورقة السياسية الضخمة التي لا يتقاعس النظام على رفعها عالية أيام الخصب وأيام الجدب...
كيف يتمرد هذا الفصيل من الشعب على صاحب نعمته؟ كيف يتنكر لجمائله؟ لقد كانت هذه العلاقة بين الحاكم وبنات الوطن علاقة منّة وصاحب معروف عليها، وهذا ما يتردد دائما في أدبياته وخطاباته، مع تذكير دائم ومتواصل بأنه صاحب نعمتها، وما نجر عن ذلك من وصاية على مسار جنس كامل في ذوقه ولباسه ولعله في أكله وشربه !!!
لم يقبل النظام المساس بمرجعيته، لم يتفهم تمرد فصيل سعى إلى تربيته حسب "بيداغوجيته"، ولن يقبل الإطاحة بشرعية بناها على عقود، وأقنع نفسه والعالم من حوله أنها دائمة بدوام ملكه... كيف يقبل بسقوط هذا الميثاق الغليظ الذي جمعه بهذا الفصيل والذي يرى في تمزيقه نهاية شرعية ونهاية مشروع ونهاية حكم؟
أعلنت "المرأة الجديدة" ممثلة في هذا الجزء الكبير من نساء تونس عبر لباسها، عبر عودتها إلى صرح ديني صريح، عبر نموذج آخر في الحياة ولو على بساطته وفي بدايته، عن نهاية أيديولوجية نظام، وإفلاس فلسفة حكم ومنهجية تعامل مع هذا الكائن "الضعيف"، الذي رفع عصا العصيان وأعلن الخروج عن بيت الطاعة... فهل أصبحت المرأة شعار الشرعية في سنوات الماضي شعار اللاشرعية المستقبلي، لنظام يبدو أنه دخل التاريخ على حين غفلة من الناس ليخرج منه على بينة ووضوح؟. وهل يمثل الحجاب رغم طابعه الديني الخالص إرهاصات نهاية عهد وبداية آخر؟ وهل انتهت مسرحية كانت فصولها مليئة بمشاهد حقوق المرأة والدفاع عن وجودها، غير أن المشاهدات لما غادرن قاعة المسرح وجدن سيارة شرطة في انتظارهن كُتب عليها " الشرطة في خدمة الشعب "...
(1) يعرّف مفهوم "الشرعية" عادة في بعده الاجتماعي والسياسي بتقبل غالبية أفراد الشعب للنظام القائم وخضوعهم له طواعية دون إكراه.
01 / 11 / 2006

2007-06-21