رسالة اللقاء رقم (13) : اذكـــروا معــارضتكم بخيـــر/ د.خالد الطراولي


لا شك أن حالة التشرد والنفي والسجن قد تعاقبت على تونس ولم تترك بيتا أو حيا أو جماعة إلا طالها من بعيد أو قريب بعض منجزات سياسات الترويع والتهجير، لا شك أن الكثير من أبناء تونس وبناته لا يزالون يعيشون السجن الكبير وأن العديد من المنفيين يعانون ألم الغربة وحنين الأوطان... لا شك أن الألم عام وأن المأساة "ما فيها ما يختار" كما يقول المثل التونسي الأصيل... لا شك أن المسؤولية كبيرة أمام الله وأمام الوطن حتى لا تخرس ألسنتنا ولا تجف أقلامنا، حتى نساعد ولو بكلمة بسيطة أو بحرف مائل أو بمساعدة رمزية على إغاثة الملهوف وتعرية الاستبداد، وهي الكلمة الحق عند ملك جائر ولو كانت من وراء شاشات الحواسيب، وذلك أضعف الإيمان أو لعله أقواه، حتى لا يظن الاستبداد يوما أنه استفرد بالضحية وأغلق دونها السراديب والدهاليز الضيقة...
نعم لن يهنأ لنا بال، ولن نضع أقلامنا ولن تخفت اصواتنا ولن نساوم ما دام الجلاد ينغص حياة الشرفاء... العمل من أجل الوطن الجريح مسؤولية الجميع ولا نخال أنفسنا إلا مقصرين.
في ظل هذه الهبة التي رفضت الخنوع وموالاة الاستبداد، وهي كثير على قلتها، يطل علينا فريق من أبناء الوطن، صنف عايش همومنا وحمل معنا القضية وناضل من أجل الكلمة الحرة وناله النصب والويلات ولم يرحمه الاستبداد... صاحبنا في مشوارنا ولعله كان يحمل هم الوطن أكثر مما حملنا، كان يمشي على الشوك وعلى مسمع ومرمى من درة الجلاد... ثم غاب علينا فافتقدنا أثره على الانترنت ولم نعد نسمع عن حاله وعن مشواره، فلا اثر ولا كلمة ولا إشعار، خرج من الإطار وكأنه لم يكن يوما جارنا وعونا لنا على الباطل... أعني بذلك بعض الوجوه التي تعودنا على أقلامها وعلى جرأتها وإن اختلفنا معها مرجعية أو منهجية أو آلية عمل، غير أن معارضة الاستبداد كانت لقاءنا ومشوارنا. فما هي أخبار السيدة نائلة شرشور، والسيد الطيب السماتي  وغيرهم...؟؟؟
إن الحياة مليئة بالمفاجآت، مليئة بالبلاوي والمنغصات، وإن صلف العيش أحيانا والتعب والمرارة وفقدان الأمل أحيانا أخرى والإحباط وطول النفس ووعورة الطريق، وصولات الاستبداد وتهديداته واللعب على أوتار البطون الخاوية ومستلزمات العيش والوجود، مبررات يمكن أن تغير مسارات أفراد وجماعات، وبعيدا عن الدروس القيمية ومزاعم الأستاذية في الوطنية، فإنه لا يجب أن ننسى هذه الطاقات التي غادرتنا، ولعلها ترنو إلى من يتذكرها أو يمد العون لها أو يتفهم حالها، ولعل الكثير منها دفع ضريبة الوقوف والمقاومة والتحدي باهظا في نفسه وأهله وذويه.
المعارضة كما فهمتها يوما هي لقاء أخلاقي يحمل مسؤولية أخلاقية وتاريخية من أجل إنقاذ الوطن، لقاء لا يقصي أحدا ولا يستصغر أحدا و لا يحقرنّ أي إضافة من أجل التحرير. إن الطريق لمواجهة الاستبداد لا يزال طويلا ومفروشا بالأشواك والاستدراجات، والمعارضة في حاجة دائمة إلى كسب الصوت الجديد والقلم الجديد، وكل معارض نفقده هو انتصار للاستبداد، كل صوت يصمت هو صوت جور يعلو من جديد، كل قلم ينضب هي أقلام مأجورة تشتعل...
إن المعارضة جسد واحد وإن اختلفت أطرافه وتعددت، غير أنه إذا افتقد منه جزء أو طال بعضه سقم أو تردد، حمل كل الجسد علامات المرض وإرادات العلاج و ومقومات الشفاء. إن غياب أو تهميش هذا البعد الأخلاقي والإنساني في تعامل بعض المعارضة فيما بينها، والذي يتجاوز المشاريع السياسية الخاصة للزعيم ولحزبه، والتحالفات بين الأفراد والمجموعات يجعل تفاءلنا في نجاح أي عمل جماعي يتقلص مع الأيام نظرا لتغوّل الرؤية السياسية الضيقة والمشوارات الفردية على حساب نظرة بسيطة ولكنها عميقة تجعل من المعارض قبل أن يحمل برنامج حكم أو خطة عمل، هو رفيق درب وأخ وطن وصاحب منظومة قيم تجعل من المعارض قبل أن يعارض، أن يكون إنسانا وكفى، وتلك في الحقيقة إحدى أبعاد الأزمة الهيكلية التي تعيشها معارضتنا منذ زمان.
12 / 12 / 2006

2007-06-21