رسالة اللقاء رقم (14) : لا ننسى الاستبداد فالاستبداد لم ينسنا/ د.حالد الطراولي


 تتوالى على مر هذه الأيام الخطب والمقالات والمواقف، الخاصة والعامة، على إثر إعدام الرئيس العراقي السابق، معبرة جلها على استنكارها وتنديدها بالحدث، ولقد غلب على النخبة أطوار ملتهبة، منها من هيمنت عليه عاطفته ومشاعره وعاش لحظة جياشة غاب في ثناياها العقل أحيانا وغلبت العاطفة بكل جحافلها، فراح يذكر محاسن الرجل ويبالغ في ذلك..، وأصدر آخرون صك غفران مليئا بالإمضاءات المشبوهة، وأسدلوا على ذاكرتهم ستار النسيان والتجاهل... وعبّر آخرون عن شغفهم وحبهم للرجل متجاوزين المراحل والمحطات..، وهي لحظات انفعال وردات فعل، لعله يشفع فيها هول الحدث وبشاعة الفراق وصدمة الموقف... ، وأدخله البعض الآخر مقام الشهداء والصالحين ولعله يرى أن ذلك يدخل في باب "اذكروا موتاكم بخير" ! 
 نعم مات الرجل ميتة غير كريمة طفحت حولها شبهات المكان والزمان..، نعم مات الرجل يوم عيد المسلمين ولم تراع مشاعر أكثر من مليار مسلم..، نعم قتل الرجل في ظل صيحات وصراخ ولحاف طائفي مقيت..، نعم أعدم الرجل في إطار من التشفي والشماتة والسقوط الأخلاقي والقيمي..، نعم أعدم صدام في ظل محاكمة إطارها مشبوه ومراحلها مشبوهة ونهايتها مشبوهة...نعم مات الرجل في ظل تصفية حسابات وثأر بين مليشيات وقطاع طرق وأمراء حرب... 
 نعم أحدث صدام نقلة في تصنيع بلاده وساهم ولا شك في تنمية مجتمعه وأعطاه دفعة نحو الرقي والازدهار... نعم تعلم الشعب ونقصت الأمية وأصبح العراقيون يتميزون بمعارفهم وعلمهم حتى أنهم بدأوا يطأون مجالات وفضاءات كانت محرمة على أبناء العالم الثالث... نعم كل ذلك كان صدام ولا شك ولكن ليست مكرمة أن يستنهض قائد شعبه ويزيل عنه الفقر والبؤس، وكأننا أنسانا حالنا أن السياسة جعلت لازدهار الأمم والمجتمعات وأنها تكليف وليست تشريفا !
 ولكن هل ننسى ظلم صدام؟ هل ننسى ما فعله في شعبه؟ عقود من الويلات والجور البواح..، عقود من التفرد بالسلطة والاستفراد بالرأي..، عقود من التنكيل بالأعداء والمنافسين وحتى الأصدقاء والأهل المقربين..، هل ننسى الحرب ضد إيران وما أصاب شعبه من خسائر وأموات تعد بمئات الآلاف؟.. وهل ننسى تهوره ودخوله الكويت وإدخاله بلاده في مستنقع الحصارات والتجويع والقتل البطيء، حتى قيل أن الآلاف من الأطفال ماتوا من الجوع ونقص الأدوية؟... كل هذا صدام وكل هذا الاستبداد، كل هذا الاستفراد بالسلطة والتفرد بالرأي وغياب التعددية ومنع الحرية أن يستنشق نسيمها الجميع إلا في ظل الحزب الواحد والفكر الواحد وتحت مظلة الزعيم الأوحد.
 إن الموتة المشبوهة والبشعة التي مات بها صدام لا يجب أن تحجب عنا صورة الرجل المستبد والدكتاتور التي لاحقته طول حياته، والتي لا تقتصر عليه وحده، بل صبغت مرحلة كثر فيها المستبدون في المشرق والمغرب، لعل عيب صدام أنه سقط وغيره لم يسقط، لعل عيبه أن استبد "أكثر من اللازم وأكثر مما يرضي بعض الأطراف" لعله رفض "تقاسم" الاستبداد !!!
 لعلكم لاحظتم الصمت المريب، أو الاستنكار الخفيف الذي عمّ الحكومات العربية على إثر الحادثة، وكأن حال حكامنا وزعمائنا هو استغلال هذا الشعور العام الذي ملأ الآفاق وترك الجماهير تعبر عن استيائها وغضبها، لعل حكامنا رأوا في هذه الحادثة تنفيسا لأحوالهم ومحاولة نسيان شعوبهم لحالة الاستبداد والاستفراد التي تعمّ ديارهم...
لقد كانت هذه العاطفة الجياشة التي صبغت مواقف العامة حالة إنسانية فطرية تقف إلى جانب الضحية في مقابل الجلاد، وموقفا وطنيا يغلّب ابن الوطن على ابن الجيران، وحالة دينية وقف فيها الأنا يدافع عن شعيرة وقع المساس بحرمتها، لقد كانت هذه العواطف طبيعية ولعلها تلامس مرتبة الوجوب وهي تعبير عن أمة لم تمت ولم تدخل مرحلة الإغماء رغم قسوة الإطار وحضور الجلادين بكثرة وغلظة، (وقد ذكرت ذلك في مقال سابق بعنوان "بين صدام وجعد بن درهم لقاء تحت جنح الظلام") غير أن الاستبداد الذي لم يتوارى في ديارنا أراد ركب الحدث ونسياننا أننا لا زلنا نرضخ تحت درته وسياطه وبين محافل سجونه ومعتقلاته.
 لقد راهن الاستبداد ولا يزال على طيبتنا وخيريتنا ولا يزال يعتقد أننا ميالون بطبعنا إلى الركون والانسحاب وتركه يعربد كما يشاء كيف يشاء متى يشاء، ولا يزال يستخف بحالنا ويواصل هيمنته واستفراده استنادا إلى خوفنا وجبننا، وهو يسعى دائما إلى تذكيرنا أنه الواقي لنا والحامي ضد المتطرفين الذين يريدون نهايتنا.
 نعم أعدم صدام ولكن الآستبداد لم يعدم لا في العراق ولا في غير العراق... ولا زالت صور الجور والعبث والظلم تلازم يومنا وليلنا وتلاحق مجتمعات بأسرها، وأصبح بعضها أسير أسر تتقاسم حلوها وترمي بالمرّ لشعوبها، ولازال الطريق طويلا ومليئا بالأشواك للتحرر من براثن هذا الكابوس المخيف الذي طال ليلنا ونهارنا ونحن لا نزال نحلم بسقوط صدامين آخرين ولكن في إطار سليم وحضاري وقانوني، وفي ظل يقظة وطنية ومقاومة سلمية، وبعيدا عن الثأر والتصفية والسقوط الأخلاقي والقيمي وتدخلات أجنبية... 
فإذا كان الاستبداد عنوان مرحلة لا زلنا نعيش أيامها القاسية، فإن مرحلة ما بعد الاستبداد لا يمكن أن تبدأ صفحتها الأولى بقلم مرتجف وبحبر أحمر وعلى ورقات صفراء مستوردة تفوح منها رائحة التشفي والشماتة والظلم والجور ومصالح أفراد وجماعات... إن الاستبداد عقلية وثقافة صاحبت مرحلة هامة ومصيرية في حياتنا وعطلت مشوارنا نحو الانعتاق والتحرر والتقدم والتحضر، ولا سبيل لبناء مرحلة جديدة بنفس الأدوات والعقلية والثقافة، وإلا فإن نهاية دكتاتور الأمس هي بداية دكتاتور الغد ولن نخرج من حلقة مفرغة عنوانها "الدكتاتورية" ولو لبست عمامة أو قبعة. وتقمصت زي الرهبان أو ملابس بني علمان وادعت خدمة الشعب !!!
14 / 01 / 2007

2007-06-21