رسالة اللقاء رقم (16) : التقارب بين العلمانيين وحركة النهضة : تساؤلات مشروعة حول مسألة الميراث/ د.خالد الطراولي


لا يختلف اثنان أن من الأسباب العميقة التي ساهمت في تواصل هيمنة الحزب الحاكم على مقاليد السلطة في تونس على مدار أكثر من نصف قرن هو عدم وجود المعارضة الكفيلة بحمل مشعل التداول على الحكم، وسواء كان هذا الغياب مكرها أو خيارا، فإن حالة الفراغ التي يحملها المشهد السياسي المعارض أصبح مؤشرا لحالة العقم والركود والموت التي تخيم على المشهد العام.
لقد ساهم الاستبداد والنظرة السياسية الأحادية والإقصائية ولا شك في إضعاف المعارضة واستئصال بعضها وترويض البعض الآخر وعدم السماح إلا لمعارضة الديكور التي عملت بوعي أو بغير وعي على إعانة السلطة على الاستفراد بالحكم وتواصل هيمنتها. و لا يمكن إنكار العناء المتواصل ورفض الموت أو مغادرة الساحة التي يعيشها صنف هائل من المعارضة بتعدد مرجعياتها،غير أن تشتت المعارضة الوطنية واختلافاتها ودخول بعضها في منهحيات صدامية، ومشاركتها في الاستئصال والإقصاء، وتنافس غير برئ وفي غير محله أحيانا، ساهم في انعزالها واستضعافها وتحييدها أو تهميش دورها، فعجزت أن تحول دون الاستفراد بها وإقصائها، ولم تتمكن من رأب صدعها وتكوين جبهة موحدة فاعلة ومنسجمة وجدية. لقد كان العمل الموحد للمعارضة البعد الغائب والسبب المنسي أو المتغافل عليه في معادلة المواجهة والمعارضة والتمكين. ولقد ساهمت السلطة في تأسيس هذا التشرذم والتشتت وسعت بكل ما أوتيت من مهارات الترغيب والترهيب إلى تمكينه وتواصله ولن ننكر نجاحها فيه إلى أمد غير بعيد، وليست التسعينات من القرن الماضي إلا عرسا للحزب الحاكم في هذا المجال !!!
لقد حملت مبادرة 18 أكتوبر بصيصا من الأمل في استحداث هذا الصف المفقود والحل المنشود وتجاوزها لمنطق الأنا والتوجس والريبة، عبر تجميعها لقوى سياسية متعددة ومتنافسة، مستقلة ومتحزبة، وذات مرجعيات مختلفة، تحت راية واحدة ضمهم سقف بيت واحد في إضراب جوع شهير وسقف مطالب موحدة. غير أن مع مرور الأيام ضمر هذا المد وبقيت الكثير من الآمال معلقة ولم تتحقق في انتظار دخول عنصر جديد على الساحة أو تطورات لاحقة ! وسوف تبقى هذه المبادرة ولا شك محاولة راشدة وقيمة في العمل التونسي المعارض، وتجربة صائبة وتاريخية في كنهها ولو المتأخر لأحد الأسباب العميقة لتخلف المعارضة وتهميشها وهو غياب توحدها حول مطالب جامعة وفي إطار سياسي جدي ومحترم. ويبقى حديثي المطول لهذه التوطئة هو التعبير المجدد للدور الرئيسي لوحدة المعارضة في تعميق مشاركتها داخل المشهد السياسي حتى تعظم (optimiser)عوامل نجاحها، ولذلك يجب إكبار أعمال مبادرة 18 أكتوبر في هذا الباب.
وفي هذا المسار التوحيدي ولمّ الشمل وتأكيد نزعة العمل الوفاقي بين هذه الأطراف، يبرز اللقاء الأخير الذي جمع أركانا من المعارضة التونسية بمناسبة الاحتفال بيوم المرأة العالمي، تحت يافطة مبادرة 18 أكتوبر، كنقطة مضيئة في مسار التجميع وتوحيد الكلمة. وبمناسبة هذه الذكرى صدر بيان [1] حول مسألة المرأة أمضى عليه ماصطلح على تسميته بالطرف "العلماني" من جهة، ممثلا في كل من الحزب الديمقراطي التقدمي والتكتل من أجل العمل والحريات وحزب العمال الشيوعي التونسي، وممثلين عن الإسلاميين من حركة النهضة من جهة أخرى، علاوة على أطراف وتيارات مستقلة. ولقد حمل البيان توحدا لرؤى الطرفين في إحدى المعضلات التي كثيرا ما فرقت بين الإسلاميين التونسيين عموما و"العلمانيين"، وهي قضية حقوق المرأة ومساواتها بالرجل، و وقع تسمية الوثيقة الحاملة للبيان "إعلان هيئة 18 أكتوبر للحقوق والحريات : حول حقوق المرأة والمساواة بين الجنسين.
ولا يفوت المطلع على البيان الصبغة التصالحية والحوارية، وكذلك الصفة الغالبة للإقرار بالمساواة بين المرأة والرجل، عبر التركيز على هذا المبدأ في العنوان وإعادة صياغته مرات أخرى داخل الإعلان. غير أن المراقب يمكن أن يسترعى انتباهه ولا شك، ضبابية البيان وتعدد إمكانية قراءاته على أكثر من باب، حيث تتجلى منهجية التعميم وتعدد الزوايا والنوافذ لفهم النص وتأويله، والتي تسمح لكل طرف بالإقرار بأن الجميع قد ربح وأنه لم يتخلّ أحد عن ثوابته ومبادئه في قضية شائكة ومختلف عليها كقضية الميراث.
فلو سألت الإخوة "العلمانيين" عن حقوق المرأة في مسألة الميراث وما حواه البيان في هذا الباب لأمكنهم بسهولة التركيز على أن المساواة التامة بين الرجل والمرأة دون استثناء قد تعدد ذكرها وحملها العنوان حتى تكون واضحة لا غبار عليها، فالهدف الأساسي ولا شك هو الوصول إلى هذه المساواة المطلقة بين الجنسين والتي تمثل مطلبا أيديولوجيا وسياسيا يحمله هذا الطرف ويسعى بكل جهد إلى ترسيخه وتمكينه.
ولو طرحت على إخوتنا من إسلاميي "النهضة" نفس السؤال لأمكنت الإجابة بأن ذكر التفاعل مع مقومات الحضارة العربية الإسلامية وترك الأمور التي لا تأنس إلى وفاق "أوّلي" ـ كمسألة الميراث ـ إلى حوارات قادمة ـ كما ذكرها البيان ـ تمثل مخرجا سليما وربحا آنيا ولا شك في عدم التعرض مباشرة لهذه المسألة الخلافية.
ومع احترامنا لهذه المنهجية المستندة أساسا على عامل الإرجاء وتقديم عنصر الوحدة والوفاق ولو كان آنيا، والتعويل على عامل الحوار البناء المستقبلي في تشييد علاقة تفاهم وتفهم وتقبل من طرف الجميع، غير أننا لا نرى مبررا لها ونعتبرها إرجاء في غير محله بل أنه يمكن أن يمثل تهديدا مستقبليا لأي عمل جماعي يراد منه الوقوف بجدية أمام الاستبداد.
ليست قضية الميراث بين الرجل والمرأة مسألة اجتهادية عند أغلب مفكري الإسلام السياسي إن لم يكن كلهم، بل يعتبرونها تستند إلى مرجعية قدسية واضحة الدلالة ولا يمكن إحداث أي تطور لها دون المس بالنص المقدس. فتاريخ التشريع الإسلامي ظل صامدا وثابتا في هذه المسألة ولم يعرها أي اهتمام اجتهادي ولم تستطع كل البلاد الإسلامية باستثناء تركيا وحالتها الخاصة جدا، المساس بهذا التحديد، ولذلك ظلت المسألة مستعصية على التجاوز أو المساس بها لدى الحركة الإسلامية في أدبياتها وفي مشروعها السياسي.
لذلك فالدعوة للإرجاء تصطدم ولا شك بهذا الجدار الصلب من المقدس الثابت والواضح الدلالة، وحركة النهضة تجد أمامها طريقين لا ثالث لهما :
1. إما اعتبار قدسية النص في عدم سماحه بالمساواة المطلقة في الإرث بين الجنسين، وبالتالي لن يكون النص تاريخيا ولن يتغير بمرور الزمن، و يفتقد بالتالي التعويل على الإرجاء مصداقيته وفعاليته، وتصبح هذه المنهجية المعتمدة على الانتظار والمراهنة على الحوار البناء كما عناه البيان لتقريب وجهات النظر، غير مجدية وعقيمة، بل تصبح خطيرة لأنها تعتمد المجاملة وعدم البناء على المصارحة، ولعلها تكون أكثر إيذاء عند بروز الحقيقة، في بناء خنادق جديدة وتعميق الاختلاف.
2. وإما اعتبار آيات الإرث نصا تاريخيا يمكن تطويره وتحديثه نحو المساواة المطلقة التي يريدها الطرف "العلماني"، فيقع اللقاء والوفاق على أساس من التنازل عن الثوابت عند البعض، والتطور الإيجابي عند البعض الآخر. وإذا كان هذا هو المرجو من الإرجاء، فيمكن اعتبار حالة الانتظار نحو هذا التوحد في الرؤيا مضيعة للوقت، ووجب منذ الآن الحديث عن هذا التوجه وتأصيله وإعداد المنتمين لتقبله.
أما الطرف "العلماني" فإن منهجية الإرجاء تبدو رابحة في الوهلة الأولى على ضوء الإغلاق الجيد والذكي الذي حمله البيان عبر التكرار المتواصل لهذه الغاية القصوى والمتمثلة في المساواة التامة في الحقوق بين الرجل والمرأة، وجعلها هدفا ومنهجية في نفس الوقت. غير أن التعويل على إرجاء المسألة إلى حوارات لاحقة يعتبر رهانا جريئا على إمكانية تطور الطرف المقابل نحو مناطق تقارب، ويعتمد على أن المسألة تبقى غير مقدسة وقابلة لإجتهاد. وهو في نظرنا مراهنة كبيرة يمكن أن نصطدم بحقائق على الأرض، فيكون الفشل وتكون المرارة وتكون القطيعة.
إن الدعوة إلى توحيد الرؤى وتجميع القوى في مواجهة الاستبداد والعمل على ذلك والسعي الرشيد لتفعيلها يظل ولا شك عنصرا أساسيا في نهوض المعارضة وإيصال صوتها وبناء القدرة التفاوضية أو "الرفضية" في ذلك، غير أن البناء الذي يعتمد فلسفة الإرجاء والتأجيل ومنهجية الإنتظار والتعليق يبدو لنا غير سليم القواعد والجدران، ويمكن أن ينهار ولو بعد حين مخلفا وراءه جهودا مضنية شقي الكثير في إرسائها، لتذهب هباء منثورا.
ولنا أن نسأل بكل وضوح ودون مواربة : هل يعني إرجاء وتعليق هذه المسائل الخلافية إمكانية الاجتهاد فيها واعتبارها نصوصا قابلة للتأويل والتحوير ولو بعد حين؟ ثم ما ضير الأطراف جميعا أن تلتقي وتجتمع وتتوحد في مطالبها و كل منها يحمل مفهومه للمساواة بين الجنسين؟ ما ضير "العلمانييين" أن يلتقوا سياسيا مع أطراف يمكن أن يختلفوا معها في بعض الثنايا؟ ما ضير أن يتقدم الإسلاميون إلى هذا التجمع دون أن يتخلوا عن مسائل يرونها ثوابت في مرجعيتهم وفي مشروعهم؟
إننا نرى وبكل تواضع إن منهجية المصارحة، خاصة في هذا الباب كفيلة بأن تبني علاقات سليمة مبنية على الوضوح، فنحن لا نريد أن يحمل الإسلاميون غيرهم على مواقفهم ورؤاهم، ولا أن يحمل "العلمانيون" منافسيهم على ما يرون، ولا أن تكون الديمقراطية صك غفران يحمله قديس محلوق اللحية أو كثيفها، يعطيه لمن يراه قريبا من كنيسه ويدخل خانعا تحت سقفه ! وليست مدنية المشروع ولا ديمقراطية الفعل والرؤى معبدا هيمن عليه حراس معينون نصبوا أنفسهم حماة له، ولكن الديمقراطية فلسفة حياة وأسلوب حكم يمكن أن تلتقي عليهما أطراف غير متجانسة، وإنا نؤمن أن من بين الإسلاميين والعلمانيين رجالا ونساء جيدين وجيدات، ومسؤولين ومسؤولات، يطمح جميعهم ومن خلال مشاريعهم وأحلامهم ومقارباتهم إلى تبني هذا المفهوم نظرا وفعلا دون وصاية أو إذن، وإلى العمل الجماعي من أجل تحرير الإنسان ورقيّ الأوطان.
[1] تونس نيوز 7 مارس 2007
13 / 03 / 2007

2007-06-21