رسالة اللقاء رقم (21) : ... ولا بد لليل أن ينجــلي !/ د.خالد الطراولي


لست أدري لماذا تردد القلم عن الكتابة وكأنه يتبع تردد المشاعر والوجدان، بين فرحة اللقاء وحزن البقاء، فرحة لم تكتمل وأحزان تتواصل، فرحنا لخروج الأستاذ الفاضل محمد عبو ولمجموعة من المناضلين الأوفياء وعلى رأسهم الأخ الفاضل العجمي لوريمي والدكتور أحمد لبيض والأخ الكريم دانيال زروق، ونهنئ الجميع أسرا وأفرادا بهذا الخبر، وكل فرد واحد يغادر هذه الظلمات هو انتصار للحق والعدل، وكل فرد يخرج إلى الضياء هي فرحة للجميع، ولكن... أي فرد واحد يبقى وراء القضبان بدون حق، ظلما وعدوانا هو ظلم للمجموعة وحزن كامل لأفراد وشعب، ومن أحيا نفسا وأخرجها من موتتها فقد أحيا الناس جميعا، ومن أماتها وقبرها وهي حية فقد أمات الناس جميعا..
لقد كتبت البارحة مقالا بعنوان "ساعة الصفر والانتظار المغشوش"، عبرت فيه عن تحفظاتي وعدم قناعتي  بهذه المنهجية في التعامل مع مسلسل المساجين وكأنهم أسرى ننتظر الأعياد والمواسم لكيْلِ الترجي والتمني والتعويل على مكرمات الأمير لإطلاق سراحهم، ورغم أني دعوت السلطة إلى تكذيب هذه القناعة المنطوية داخل وجداني والتي أثبتتها تجارب سابقة، وإلى السعي لإطلاق المساجين وسأكون لله شاكرا لها هذا المسعى وأسجد لرب العالمين سجدة شكر ورضاء، وقد فعلت... مع نسبية ما حدث... رغم ذلك، فلا زالت سياسة القطرة قطرة والتلاعب بالأعصاب منهجية قائمة بذاتها لم تتزعزع، وبقيت أبواب السجن غير مفتوحة للجميع...
تساؤلات تطرح نفسها بثقل يضاهي الجبال، أوزان على الصدور تعادل الرصاص والحديد تمنع استرجاع التنفس إلا بصعوبة... لماذا بقي بعض إخوتي داخل السجون مرة أخرى؟ لماذا بقيت عيون بعض اطفال تونس مفتوحة ليلة كاملة حتى غلبها النعاس كرها وقهرا، تصحبها دمعات حارة لم تجد من يمسحها، لأن أهل البيت كلهم يبكي ظلمة المكان وظلم الزمان ويشكو إلى السماء قسوة القلوب وغيبة الرحمة منها ...؟؟؟
هنيئا للبعض فقد نام ليلته في بيته وبين أهله، وبعض أهلنا في تونس باتوا في الظلام، هنيئا لبعض الأمهات وهن يحتضن أبنائهن من تحت اللحاف بثغور باسمة وأحلام الورد والياسمين، و بعض أطفالنا في تونس نام جالسا أو في حجر أمهات تحت دموع تنهمر...
ليلة حملت للبعض أنوارا وللآخرين كوابيس وخفافيش ليل دامس، تتسابق مع غربان سود، أيهم يأتي بالبشارة والخبر اللعين فيزيد الظلام ظلمة والسواد حلاكة، أيهم سوف يحمله للطفل الصغير وهو ينتظر الخبر ويرفض تناول العشاء ويمني نفسه بتناوله مع أب لم يضمه أبدا إلى صدره ولم يجتمع معه أبدا على رغيف...
لقد وصلت الرسالة لدى البعض مدمرة مزعجة، ضربت ملائكة الرحمة لتحل شياطين العذاب... "لن يخرج أبوك هذه المرة، وإلى موعد قادم وعيد جديد وموسم أفراح مستقبلي، سوف تبقى يتيما وأبوك حي لا يرزق ومن وراء القضبان..."، فصبرا أيها الطفل الصغير وعليك بالانتظار، فقد حكمت محكمة الأرض دون السماء أن في تونس أطفالا صغارا يجب أن يعيشوا خارج الزمان والمكان.
لن أنظر إلى مسألة الإفراج وإطلاق السراح من زاوية نصف الكأس الممتلئة وأستغرق في المديح والثناء على هذه الخطوة "الجبارة"، رغم تثمبني لهذا الفعل مع تأخره، ولكني سوف أنظر إليها من زاوية نصف الكأس الفارغة، لأن القضية تهم نفوسا وأسرا وعذابات وآهات وآلام، لا تفرق بين الصغير والكبير ولا بين الرجال والنساء، لأن القضية لا يحتمل الضمير المرور عليها مرّ الكرام دون أن تترك جراحات عميقة في الوجدان، ولأن من مصلحة السلطة الظهور بمظهر الأبوة، واليد العليا خير من اليد السفلى، وهو منحى للأمن والاستقرار، ولأن من باب الأخلاق والقيم أن نقف مع صف الضعيف حتى يقوى ومع المظلوم حتى ينال حقه...لذلك تعست السياسة إن كانت حساباتها تقوم على ظهور صغيرة لم تتعود الانحناء، تعست السياسة إن كانت قراراتها تبنى على دمعات وأنين وآلام، تعست السياسة إن كان يخطط يومها ومستقبلها على حساب مستقبل صغير وأسود لأسر صغيرة وفقيرة تعيش وتراهن على مواصلة الظلام.
أربعة أشهر أخرى حتى يأت موعد آخر يبدو أن له أهمية كبرى هذه المرة أيضا، عشرينية التحول بعد خمسينية الاستقلال وخمسينية الجمهورية، ومن فضل الله علينا أن جعل بعضها 20 وليس 19، و 50 وليس 49،  لأن في الأرقام سحرا لا يفقهه العامة، وهي من خصوصيات النخب والحكام..، 4 أشهر كاملة حتى يحل هذا الموعد الجديد، 4 أشهر كاملة سينتظرها الطفل الصغير والزوجة الكريمة، والجد والجدة إن سمحت لهم الأقدار بالبقاء، حتى يأملوا مجددا في البقاء ليلة كاملة في الانتظار، ليلة خير من آلاف الأشهر لو يطلع فجرها على الضياء...
اسمحوا لي أن أقف إجلالا وإكبارا لمن بقي وأهمس لهم من بعيد : أليس الصبح بقريب، اسمحوا لي أن أخص أخي الفاضل ابن الفاضل والكريم ابن الكريمة وأسرته وأخته هند، كريم الهاروني والشيخ الفاضل ابن الفضلاء والماسك على دينه، وأسرته الطاهرة الزكية الدكتور صادق شورو، بتحياتي ودعائي وعهدي، فصبرا آل الهاروني وصبرا آل شورو، فإن موعدكم اللقاء والفرحة والزغاريد ولو بعد حين، إن موعدكم الفجر ولن يتأخر الفجر عن البلوج !
اسمحوا لي مجددا أن أنادي من صومعتي الصغيرة كل تونسي وتونسية حاكما ومحكوما أن لا تنسوا الفضل بينكم وأن التونسي للتونسي يبقى رحمة وعونا،  ذلك شعار الأجداد والأحفاد الذي ما كان لينسى ويهمل...
أعذروني أن أتوقف هنا وأمسك القلم عن المواصلة، فقد شعرت أن كل حرف أضحى بدون معنى ولا يسمع له صوت ولا ترى له أثر المرور، وتسارعت الجمل والكلمات تتهافت حياء، صماء، جدباء، عزلاء !!! وصدق أبو البقاء الرندي حين قال :
لمثل هذا يذوب القلب من كمد *** إن كان في القلب إسلام وإيمان.

2007-07-25