رسالة اللقـاء رقم (22) : الخـلاص الفـردي والسـؤال المغيَّب : مشــوار أم استقرار؟/ د.خالد الطراولي


يتواصل مسلسل التجاذب في موضوع العودة، وتتلاحق الرؤى والتصورات بين ضفتين واضحتي المعالم والأفق، فريق يشجع ويعتبرها بداية طيبة لما هو أهم [1]، وفريق يعتبرها نكسة وعد تنازلي للضمور[2]. وعودتي اليوم إلى طرق هذا الموضوع بعدما أطلقت الحوار حوله منذ مدة بعد نشري لسلسلة المقالات المعنونة "الخلاص الفردي ومشاريع العودة، أين الخلل".  
هذه العودة يمليها في الحقيقة، وبكل تواضع ومع احترامي للجميع، أني رأيت أن عديد التساؤلات والاستنتاجات التي أثارتها هذه الورقة ظلت قائمة ولم تجد مقاربة نوعية تنقضها أو تجيب عنها، ومن بينها الغفلة عن تحديد مفهوم المهجر والعمل المهجري الذي غاب معه تحديد منهجية التغيير التي تتبعه، حيث غاب أو استبعد فهم الربط الدقيق والحريري بين مفهوم الخلاص وماهية التغيير. ثم أن هذه المقالات غيبت سؤالا مفصليا وجوهريا وخطيرا لا يمكن تجاوزه وإلا فإن كل البناء يصبح مهتزا ولاغيا.
انقلاب المــوازين
أفكار رئيسية أربعة يمكن استنتاجها عبر كتابات أصحاب الخلاص الفردي والداعين إليه :
1 / الأولى، اعتبار الحديث عن الخلاص الفردي من نافلة القول ومن ترف الحديث، ولعله من الزوائد المسقطة على العمل الهادف والمسؤول وضجة مفتعلة وهو لعمري استنتاج غريب ينبئ عن عدم الوعي الكلي بعمق هذه الإشكالية وارتباطها العضوي بمنهجية التغيير إجمالا.
2 / والفكرة الثانية تحوم حول الزعم بالوهم الذي يصطحب فكرة أصحاب منهجية عدم الخلاص الفردي حيث من الواقعية القبول بالقليل ولعله يكثر، وبالصغير ولعله يكبر. ولعلي أستطيع أن أقف هنا للرد على أصحاب هذه الفكرة دون الغوص الذي سيأتي لاحقا، حيث تحمل تناقضا مبطنا وغريبا يحمله عنصرا الترجي والأمل، والبناء على المجهول، فأين الوهم وأين الحقيقة؟.
3 / أما الفكرة الثالثة فهي اعتبار أن العمل المعارض كيانه الوطن وليس المهجر وما يتبعه من دور مفتعل ومغشوش لنضال وهمي وراء البحار، وهذه كلمة حق أريد بها غير ذلك، وتنبئ عن قصور فهم دور الخارج في أي عملية للتغيير. ولا نريد أن نذكّر من ذكرها أن المهجر ظل يشكل رقما صعبا ولكنه حقيقي في معادلة التغيير.
4 / أما الفكرة الرابعة وهي أغرب ما قرأت مع احترامي الشديد لقائلها ومساندها، حيث أصبح الخلاص الفردي عنوانا لمن بقي في المهجر ! وخلاصا جماعيا وموفقا له ولمشروعه، لمن حمل زاده وزواده وعاد منفردا إلى أرض الوطن !!!!  وهذا يعود أساسا إلى فهم خاطئ أو مغشوش لدور المهجر، واعتماد الحالة الخاطئة التي يعيشها الفرد المهجري والتي تعود أساسا إلى سلبية المؤسسة ومسؤوليتها قبل الفرد، و كذلك التنبؤ والتلويح للدور الجناني الذي ينتظر الفرد في أرض الوطن كحقيقة ثابتة ومعيار تقييم.
الحقيقة الغائبة والفرضية الخاطئة
إن السؤال المركزي الذي غيبه أصحاب العودة الفردية هو نوعية هذه العودة، وكل كتابات هؤلاء الأفاضل تلتقي جميعها في الاستناد إلى فرضية أن هذه العودة استقرارية ودائمة.
فالمطلوب من هؤلاء العائدين حسب إحدى الكتابات البناء على القليل والصبر على الصغير [وسنغمض العين عن الواقع ونعتبره جنات عدن حتى لا نعكر صفو الحديث]. وهذه المنهجية المزعومة تستند أساسا على حالة استقرارية وثابتة وليست عرضية وموسمية، فالذي يزرع يجب أن يسوي الأرض، وإذا نما الزرع يجب أن يسقي، وإذا اشتد العود يجب أن يراقب ويداوي، وإذا اخضر الثمر وجب الجني والحصاد، وهذا يتطلب وجودا عينيا دائما وثابتا.
ومن الكتاب الأفاضل من زعم أن العائد يكفيه العمل العفوي أو الشأن العام، فليست السياسة المطية الوحيدة للتغيير، ورحم الله من عرف قدر نفسه، ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها ! ونحن مع احترامنا لمقولته فإننا نعيد عليه الحقيقة المكررة، ونحن سنتعمد مجددا تجاهل حقيقة أن الاستبداد لا يفرق بين العمل المؤسساتي والعمل العفوي إذا رأى منهما تعديا على مصالحه ولو تجاوزا بسيطا لخطوطه الحمر (وواقع الخارجين من السجون وواقع المعارضة يؤكدان ذلك)، نقول إن هذا يستند مجددا إلى فرضية حالة من الثبات والوجود الإستقراري وليس مرور الكرام. فالزرع لا يؤتي أكله إذا لم تظل عليه قائما آناء الليل وأطراف لنهار.
ومن الكتابات أيضا من حملت تذكيرا بأن العمل المعارض كيانه الوطن، وأن العمل المهجري كذبة كبرى، نذكّره كذلك ومع احترامنا له ودون إزعاج، أن هذا يعود أساسا إلى فقه قاصر للمهجر، لا يرى فيه دورا تكامليا ووفاقيا بينه و بين الداخل، والتجارب السابقة واللاحقة من ديغول إلى بورقيبة إلى حركة 18 أكتوبر، تدعم دور المهجر إذا فقهنا خصوصياته ودوره في التغيير. و خاصة نذكّره بالحقيقة الغائبة مجددا إلى أن المعارضة الميدانية ليست صيفية أو موسمية، وأن النضال مسيرة ومصير وليس رحلة ترفيهية عبر مقاهي وشواطئ المتوسط.
ومن الكتاب الأفاضل من رأى أن الواقعية تلزم العودة، والوهم يبني على البقاء، نقول له بتواضع، أنه رغم تساؤلنا المنطقي أين الوهم وأين الحقيقة حين نرتمي في المجهول ونبني في الضباب، رغم ذلك ومع احترامنا للفكرة وصاحبها نتساؤل مجددا : هذه الواقعية تتنزل في واقع ولا شك، وهذا الواقع المتحرك والمتوتر والضاغط والرافض لا يتطلب حضورا وهميا أو استثنائيا أو موسميا لمسايرته والتنبه لمواطن السلب والسقوط، والمراقبة الميدانية الدائمة لزيغه أو استفزازاته وإثاراته،  ولكنه يتطلب حضورا كاملا ودائما، استقراريا خالصا، وهذا، مع الاعتذار والحسرة، غير متوفر الآن ولا تثبته تجربة من سبق ولا من لحق.
فهذه التجربة تقول أن من عاد لم يبق، ومن رجع لم تطل غيبته، وظلت العودة موسمية أو أكثر قليلا، واندمج العنصر العائد مع قوافل العائدين من عمالنا بالخارج مع احترامي للجميع ساسة وعمال وعاديين !
والحقيقة الغائبة والموضوعية أن هؤلاء العائدون لم يأتوا من فراغ أو عدم، ولم ينزلوا من واقع فضفاض أو فقير ومعدوم، ولم يحلّوا بعد غياب شهر أو سنة، إنما أتى الجميع بعد سنوات، رأت البعض يغادر البلاد يوما شابا يافعا ويعود إليه كهلا شيخا له أبناء وحفدة، والجميع أقام حياته واستقر بنيانه وجمع أهله وذويه في هذه الأرض الجديدة، حتى أن أغلبهم أصبحت أيام المنفى لديه تعادل أو تزيد عن الأيام التي قضاها في البلاد. فالموضوعية والبراغماتية والواقعية تملي أن يعود هذا الكائن المظلوم إلى مستقره الأول وهو بلاد الهجرة والوطن الثاني. ومن الوهم الاعتماد على أن هذه العودة ستكون نهائية واستقرارا دائما.
هذه الحقيقة الغائبة أو المغيبة لمنظري العودة تجعل من أي عودة هي خلاص فردي مرحلي يبني على الموسمية والمرحلية والاستثناء، ولا على البقاء والاستقرار والعودة النهائية، وبالتالي لا ينتظر منه كسب للمشروع مهما كانت ماهية هذا المشروع و حجمه، سياسيا أو دعويا، صغيرا أو كبيرا.
لذلك ليست إشكالية العودة ترفا فكريا أو ضجة مفتعلة كما زعم أحد المحترمين وقد أدلى بدلوه فيها لأهميتها، ولكنها أحد ركائز مشروع التغيير بما تحمله من علاقة عضوية مع منهجية التغيير وماهيته، ونكاد نجزم أن أي عودة فردية هي تفريغ للطاقات الخارجية وفتح الباب على مصراعيه لضرب هذا الوفاق المنهجي بين الداخل والخارج في عملية التغيير، واستلاب أي دور إيجابي للمهجر، والحسم في سلبيته، وتبني على وهم البناء ما بعد العودة، مهما كان حجمه وماهيته، هذا البناء الذي يتطلب الاستقرار وليس المشوار، وهي مسؤولية كبرى وليست بالهينة يتحملها أصحابها نحو الوطن والتاريخ.
إن العمل المعارض الرصين والهادئ والواقعي لا يتناقض مع تحمل عبئ المبدئية والمصالحة الوطنية، والمراهنة على أن الضفة المقابلة لا تحمل كل السواد، وهو ركيزة ما دعوت إليه دائما ولا أتنصل منه قيد أنملة، من أيد ممدودة والمراهنة على وجود البياض، غير أن هذا يجب أن يكون واقعيا ويُبنى على أحقية كل مشروع في التواجد السلمي والحراك القانوني ولو بمراحل ودون اكتساح ولا قطبية. وإلا فإن التخلي عن هذا المشروع الإصلاحي ذي المرجعية الإسلامية أو السعي إلا إضعافه أو تغيير ماهيته من قبَل أصحابه بوعي أو بغير وعي، أو من قبَل برمجة استراتيجية للسلطة، لا يصبّ إلا في مصلحة التطرف والمغالاة، وكما قلت وأذكّر فإن الطبيعة تهاب الفراغ، ومن مصلحة البلاد وجود هذا الطرف المعتدل والساعي إلى البناء مع الجميع لمجتمع مدني حر وفاعل، وهذا هو مشروع اللقاء الإصلاحي الديمقراطي ومنهجيته في التغيير.
هـــوامش
[1] انظر كتابات كل من الدكتور النجار والأساتذة : القاضي مختار اليحياوي ومصطفى لونيسي ومحمد النوري.
[2] انظر كتابات كل من الأساتذة أبو أنيس وصابر.
أوت 2007

2007-08-30