رسالة اللقاء رقم (30) : الخطأ الإستراتيجي للحركة الإسلامية : شخصنة الصراع/ د.خالد الطراولي


توطئـــة : وقفــة مع المفـاهيم
مفهومان أساسيان يجب تحديدهما ونحن نريد بكل تواضع طرح تصور اجتهادي للحالة التي عليها مشروع الحركة الإسلامية الإصلاحية ومحاولة تجاوزه للأزقة والتضاريس والمطبات التي علقت به أو أعاقت تقدمه أو ساهمت في هشاشة موقعه وتهميش دوره ونعني بها مفهومي الخطأ والاستراتيجيا.
ونعني بالخطأ الأمر المخالف لما يجب أن يقع فهو نقيض الصواب، وهو يتناقض مع مفهوم الخطيئة الذي يفيد الإرادة والإضمار على غير الصواب، والقرآن الكريم ميز بين اللفظين لذلك قال إخوة يوسف لأبيهم "يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا إنا كنا خاطئين" [يوسف97] ولم يقل مخطئين لتوفر الإضمار ومعرفة فعلهم الباطل تجاه أخيهم.

والخطأ يبقى نسبيا وتجاوزه يبقى اجتهادا، وهذه النسبية في الخطأ والصواب تمثل الباب السليم لمعالجة أية قضية، وتبتعد بها عن منازل العصمة والقدسية، وتجعلها مناط المراجعة والتقييم والنقد والتجاوز والبناء. فالخطأ ليس نهاية مطاف، ولكنه يمكن أن يكون بداية الدخول في محطة وعي وإرهاصات تغيير وتحول، وكم من خطأ إذا استوفى شروط تقييم أسبابه ومسبباته ومراجعة الأدوار والأطر والمستويات، كان البداية السليمة لمشروع ناجع ودائم وناجح، وكم من نجاح أولي ولد شطحات واستعلاء ونبذ التقييم والمراجعة والدراسة، مما أدى إلى انهيارات سريعة ودخول مناطق الشك والريبة والعدم.

فمن أخلاقيات الخطأ شجاعة على الاعتراف، وجرأة على المعالجة، وصبر على التجاوز وعزم على البناء، ومنهحية تؤسس على الوضوح والشفافية وملازمة المراجعة والنقد والتقييم والتقويم. واعتراف القرآن بإمكانية الخطأ وربطه ببشريته يرفع عنه عناصر اليأس والتمادي والإحباط، ويلزم الفرد والمجموعة بالمراجعة، لتفعيل إرادة الإنسان، واستبيان عزيمته، وتأكيد أصل الخيار والحرية في فعله وممارسته [الذين يجتنبون الإثم والفواحش إلا اللمم] [النجم 32].

ونعني بالاستراتيجيا "فن تهيئة واستعمال الامكانيات والأساليب اللازمة لتجاوز العقبات بمختلف أنواعها من أجل تحقيق هدف واقعي محدد" وإذا كان مفهوم الاستراتيجيا في نشأته عسكريا بحتا وغلب عليه منطق الصراع، فإن دخوله الإطار السياسي ومنازل السلطة والعلاقات العامة، جذبه نحو مناطق التعارف والتعايش حيث أصبح المعنى يهدف إلى إيجاد إطار ناجح يجتمع مع الآخر ولا ينازعه هذا الإطار ويطيح به خارجا.
والخطأ الاستراتيجي كمفهوم يحمل في ضمنه فشلا في إدارة الصراع والتدافع، أو إدارة التعايش، وهزيمة في الكيفية التي تم فيها التوظيف الأمثل للظرف المكاني والزماني والاستغلال الأفضل لعناصر القوة الذاتية وعناصر ضعف الخصم أو المنافس من أجل الوصول إلى النتيجة الأكثر إيجابا وجدوى وفعالية.

هل الحديث عن خطأ استراتيجي أم عن أخطاء، عن الخطأ أم عن خطأ؟ لنكن متواضعين، ليس مهمة هذه الورقة البسيطة التعرض لكل أخطأ الحركة الإسلامية التكتيكي منها والاستراتيجي، فهو من مشمولات فريق بحث أو مركز دراسات [وهذه النقيصة أيضا من الأخطاء الاستراتيجية فلا يمكن أن تبني بدون مراجعة ولا يمكن أن تبني بدون علم ولا يمكن أن تبني بدون برامج وتخطيط] هذه الورقة تريد أن تبوح بخطأ نراه أساسيا وأوليا، على نسبيته، وعليه يبنى التجاوز للأخطاء الأخرى أو مواصلتها، إذ أن نراه خطأ استراتيجيا أساسيا وعميقا يمثل تجاوزه انقلابا للفكرة والممارسة السياسية للحركة الإسلامية وإعطائها مجالا جديدا للمناورة والتدافع السياسي المدني داخل المشهد العام.

شخصنة الصــراع
لو ألقينا نظرة لتأريخ الصراع الذي جمع الحركة الإسلامية مع الأنظمة القائمة لوجدنا أن أدبيات الحركة تحفل بذكر رأس السلطة وإعطائه الدور الأول والأساسي في كل مراحل المواجهة وأدواتها وفاعليها، فهو صاحب القول الفصل في كل ما تعرضت له، وهو المخطط وهو الشرطي وهو القاضي وهو السجان. وهمشت أو ضمرت أبعاد أخرى تملي قراءات أخرى ومقاربات مختلفة لكنه ماهية الصراع وفهم دواليب صيرورته ومجالات تجاوزه.
ففي تونس مثلا تجد أدبيات الحركة الإسلامية تشخص مواجهتها وما تعرضت له من استئصال ومآسي وتجعل سببها وإمكانية تجاوزها رهين حاكم البلاد، حتى أنك تجد كل مرحلة من المواجهة تعنون تقريبا برئيس الدولة، فمواجهة السبعينات والثمانينات هي مواجهة مع بورقيبة الرئبس السابق للبلاد، والمواجهة الثانية التي لم يغلق بابها بعد هي مواجهة مع الرئيس الحالي بن علي..
وفي مصر لا تكاد تخلو عملية تأريخ المسار السياسي لجماعة الإخوان من عنوان كبير يحمل كل صفات المواجهة والمآسي التي حلت بالحركة وخاصة في الستينات، فكان عبد الناصر وراء كل صغيرة وكبيرة حلت بها...

وفي سوريا ظل حافظ الأسد عنوان المواجهة بين الإخوان والسلطة، وحفلت الأدبيات بهذه العلاقة الدموية والمتوترة بين حاكم فرد وجماعة.
لا يمكن استبعاد فكرة الاستفراد بالحكم الطاغية على المشهد السياسي في هذه البلدان، ولا يمكن التغاضي عن حالة الاستبداد وصفة الفردية الملازمة له ، ولا يمكن التغاضي عن هيمنة صورة الرئيس القائد الملهم حامي حمى الدين والوطن..! فقد كان الاستفراد بالسلطة وعبادة الشخصية وهيمنة الزعيم الملهم والرئيس الفذ والمجاهد الأكبر، حالة عامة تؤكد هذا الصورة الفردية المهيمنة على الحكم، فلا صوت فوق صوت الزعيم ولا ظل غير ظله!!

ولكن بين هذا الدور الأساسي للحاكم والضاغط على كل الصورة، والمهبمن على المشهد السياسي من جهة، وبين تلخيص كل المواجهة مع الشخص واعتباره المالك الوحيد لخيوط اللعبة، وأنه بيديه فقط الحل والربط، وأنه يصول ويجول في قصره وفي أطراف البلاد دون رقيب أو وجود أطراف تلازمه عن قرب أو عن بعد، وأن لا تأثير عليه فهو السيد وما سواه العدم..، بين هذا وهذا، بين المقولتين هناك تميز واختلاف وخنادق.
هذه الشخصنة مثلت سلبية دفعت الحركة ثمنها باهظا على أكثر من باب، ففي ارتباط المواجهة مع شخص، جعلت كل إمكانية أخرى للحراك غير المواجهة والإطاحة بالشخص منعدمة أو محدودة، كيف السبيل إلى طرح طريق آخر مع نفس الشخص الذي حمل على كتفيه كل أهوال المأساة، كيف مد اليد إلى طرف كان ولا يزال يقطعها، كيف القبول بمصافحة يد كانت إلى حين تسجن وتعذب وتبطش! ولذلك عجزت الحركة الإسلامية في بداية طريقها أن تقوم بالخطوة الأولى رغم استدراكها لاحقا، لأنها شخصت الصراع فتكونت لدى أبنائها مشاعر كره وعداء لشخص بذاته أكثر من النظام الذي يدور فيه ويبطش به. وهذه الخطوة الأولى التي أعنيها ليست القبول على مضض أحيانا بطرح تدافع آخر مبني على المصالحة، أو طرح تكتيكي مرتبط بوضع وحالة، ولكن ما أعنيه من الخطوة الأولى هو قلب للأولويات والمقاربات وطرح برنامج جديد وإن أمكن بوجوه جديدة وتكوين ثقافة وعقلية جديدة أساسها ومركزيتها فكر المصالحة وممارسات المصالحة وبرنامج المصالحة، هذه هي إرهاصات الخطوة الأولى.

هذه العقلية الكارهة والمعادية لشخص لم تستطع الحركة الإسلامية تجاوزها وطرح بديل مصالحة، لأنها لن تجد سوى الرفض والقطع من أبنائها مادام نفس الشخص موجودا في المشهد. ولعله من المدهش أن الشخصنة لا ترتبط باسم الحاكم بقدر ما تلازم وظيفته، فلا يهم إن تغير زيد وجاء عمر، ففي عقلية الفرد الإسلامي يبقى هو الحاكم المستبد صاحب المأساة.

أن القصر ليس وحدة متجانسة، ولكنه مراكز قرار ونفوذ متعددة، ولعله أيضا أفراد وأسر متنافرة، ولعل أكبر فخ وقعت فيه المعارضة السياسية هي التصديق بأكذوبة كبيرة وقع نسج أطرافها ببراعة وبكل دقة، تمثلت في أن كل الخيوط يحملها فرد وما سواه العدم، وأن المشهد العام بين إصبعين من أصابع ساكن القصر وحاكم المصر! فأعرضت المعارضة عن سبر الأجنحة والأطراف والحاشية واقتنعت بالموجود وتحاشت كل بحث وراء جدران القصر... ولقد سقطت المعارضة الإسلامية نفسها في هذا الخطأ، ولعل عنف المواجهة دفعها لتشخيص المأساة وجعلها مرتبطة بشخص أكثر من أنها مرتبطة بمجموعة نافذة ومركز قوى وعقلية استفردت بأوصال الحزب الحاكم ودفعته إلى هذه الورطة. فاستسهلت الحركة الإسلامية التحليل والتبرير وجعلت مآسيها ومآسي البلد تعود إلى فرد واحد ماسك بكل الزمام ووراءه وحدة أزمة متماسكة ومتناغمة يتطاير الشر من عيونها جميعا،
الخطأ الإستراتيجي للمعارضة الإسلامية مضاعف، شخّصت الصّدام ولم تعطه بعد المواجهة بين عقليات وفلسفات في الحكم متباينة، حكم استبدادي فردي وأسري من جهة، في مقابل حكم مدني ومتعدد ذي مرجعية إسلامية وديمقراطية من جهة أخرى, وكذلك بين برامج وخطط إصلاحية متناقضة، تستند الأولى إلى نموّ دون تنمية، تختزل الرقيّ في زيادة الإنتاج، وتنسى عدالة جمعه توزيعه، وتحقّر من التنمية البشرية وتختزلها في شعار "استهلك واصمت"، وهي أطروحة ومسلك النظام، وبين منهجية إصلاح مدني ذو أخلاقية إسلامية، توسّع باب التنمية البشرية بداية إلى الميدان الحقوقي والسياسي ولا تختزله في بطن خاوية فقط، ثم تعتبر العدالة في التوزيع ومحاربة الفساد والمحسوبية والرشاوى، إحدى أهم أهدافها الأولية.

شخصنة في مقابل شخصنة
ولعل مما يزيد هذا المنهج الاستراتيجي الخطأ في التعامل مع السلطة عمقا وتماسكا، هو مقابلة هذه الشخصنة بشخصنة أخرى، حيث يبرز على السطح مدى هيمنة القائد والرئيس والأمين العام على المركز الأول في الحركة الإسلامية، وكثيرا ما برز هذا الاستفراد على مستويات متعددة كالإنتاج الفكري والظهور الإعلامي والقرار التنظيمي، فترى في بعض الصور يقتصر الاجتهاد الفكري والمقاربات والأطروحات على رئيس الحركة وما خلافه العدم.
هذه الهيمنة التنظيمية والفكرية والإعلامية ولّدت لدى الطرف المقابل حصر كل مشروع الحركة الإسلامية في فرد واحد، واختُصِرَ الصراع بين رأسي الفريقين، وأصبح سقوط أحدهما هو المنفذ الوحيد لإمكانية، ضعيفة ولا شك، للتجاوز وبناء علاقة أخرى. ومع تواصل وجود حاكم متعلق بحكمه على مدى سنوات دون انقطاع، ومع تواصل وجود قائد ورئيس الحركة على الدوام، فإن الأبواب أصبحت مغلقة والآمال معلقة في انتظار حدوث تغيير في أعلى هرمي السلطة والحركة.

لن نحمل الوضعية الحالية للحركة الإسلامية في تعقد علاقتها مع الأنظمة ودخولها في أكثر من حين في صراع مرير، إلى هيمنة عامل الشخصنة فقط، فالأمر يبدو أكثر تعقيدا وأخطأ الحركة الإسلامية في هذا الباب متعددة، وتعنت الطرف المقابل لا يشك فيه أحد وتداخل عوامل الداخل والخارج لا ينضب، ولكننا نرى أن أحد العوامل المحددة في تواصل هذا التدافع المأسوي يعود إلى خلل مبدئي في هذه العلاقة في ارتكاز منهجية التغيير على شخصنة الصراع السياسي.

من الشخصنة إلى فكر المواجهة، ومن فكر المصالحة إلى معترك البناء
إن استدامة شخصنة الصراع بين الحركة الإسلامية والأنظمة الحاكمة وتواصله وهيمنته على العقلية والثقافة السائدة لدى الفرد الإسلامي وجماعته، وكأنه يخدم مصالح الفئتين. فإذا كانت هذه الشخصنة قد جعلت رأس السلطة يعتقد بأهمية وجوده وعلو شأنه وارتفاع مكانته، فانبسطت له الأمور وأصبح حامي حمى الدنيا والدين وأنه الضامن لأمن البلاد واستقرارها، فزاد ملكه واستتب له الأمر من قبل ومن بعد، مما خول لقوى الاستبداد التمكن والتواصل. فساهمت الحركة الإسلامية بوعي أو بغير وعي في السقوط في هذه المنهجية الخادمة للحاكم ومنهجه في الحكم. غير أن التساؤل المزعج وهو أن هذا الإصرار على الشخصنة من جانب الحركة الإسلامية وكأنه تجد فيها مكسبا وأهمها أن هذا الصراع المشخصن قد أبعد صراع المشاريع والبرامج والخطط والمقاربات، وهو فضاء عقمت الحركة الإسلامية أن تدلي فيه بكل إيجاب، وكأن هذه الشخصنة هي فرار من التعرية وفضيحة الفراغ. وهذا ما نلمسه من هيمنة خطاب الشعارات الفضفاضة والمصلحات الجوفاء وغياب البرامج والخطط في الكثير من هذه الحركات.

ليس حديثي هذا عاما ويبقى نسبيا في أكثر من باب وهو يلامس التجربة التركية، أو المغربية بنسبة أقل، ولكنه يحاول أن يرفع النقاب عن منهجية متكاملة الأطراف تنطلق من ضعف البرامج إلى شخصنة الصراع إلى تفشي عقلية المواجهة وثقافة الصد. وفي المقابل فإني أكاد أجزم بأن وجود البرامج والخطط الجدية والمقاربات الرصينة من شأنه أن يعطي للخطاب الإسلامي جدية وواقعية أولا ولكنه أيضا يبني على تكوين عقلية المصالحة وثقافة التعايش التي تقيم خيمة متكاملة الأطراف وشديدة التماسك والانتصاب، للإبداع والبناء.
· كاتب وباحث في الفكر السياسي والاقتصادي [باريس]
· المصدر : ركن المعرفة موقع الجزيرة نت 10 أفريل 2008

2008-05-29