رسالة اللقاء رقم (34) : رمضـان والمفقودين، عهـدا علينا لن ننساكم/ د.خالد الطراولي


أيام معدودات تطل علينا، عنوانها اللافت رحمة ومغفرة وعتق من النار، وآياتها صيام وقيام وأنوار في عز النهار، وشمائلها مفتوحة للكبار والصغار، شهر كريم يحمل أطيب ما في الوجود، وأحلى ما فيه وأجمل ما يحتويه.. ذكر رب كريم... ونداء للجميع أن رحمته قد وسعت كل شيء، فلا تبخلوا بها ولا تيأسوا منها، واجعلوا للجميع فيها نصيب... رحمة الأب على بنيه والزوج على زوجته والحاكم على المحكوم...

رمضان الخير يطل علينا كل عام ويفتح ذراعيه، ونفتح ذراعينا لملاقاته وكلنا أمل في كرمه، وكلنا حبا في مشواره، عزمنا إليه أن يكون الكل في انتظاره... غير أن هذا العام كسابقه، يتخلف عن الركب أبناء لنا، وآباء لنا، وأمهات لنا، وإخوان وأخوات لنا، وأهل لنا، حبسهم حابس الجور والظلم البواح، فتخلفوا كرها عن اللقاء، لقاء رمضان، وكلهم فقدناه وكلهم كان مفقودا...

منهم المفقود داخل البلاد، فلا ترى له وجودا غير وراء القضبان والأعمدة، سموه سجينا وسميناه أسيرا، ثم مفقودا لا تعلم متى دخل ولا متى يخرج، ولا لماذا دخل ولا لماذا سيخرج غدا وليس البارحة...

ومنهم من خرج وبقي مفقودا في وطنه، يجري وراء الحرية فلم يجدها، ووجد سجنا كبيرا قضبانه غير مرئية ولكنها كالأوتاد، قائمة آناء الليل وأطراف النهار، سجن بدون زنزانات ولا أزيز أبواب، عليها غلاظ شداد لا يرحمون صغيرا ولا كبيرا ولا يعشقون الأنوار...
ومنهم المفقود خارج بلده، مفقود عند الجيران، الماسك على الجمر...جمر الثبات على المبدأ، جمر رفض المساومات على الوطن، جمر الحنين إلى لقاء الأحبة، جمر البقاء بعيدا عن هموم البلد، جمر النظر إلى الشيب يغزو الرؤوس والأذقان، وصبية صغار كبروا، وأحفاد يعرفون وطنا جديدا أكثر من وطن الأجداد...مفقود سموه لاجئا هاربا، وقد فقد الأهل والعشيرة ورائحة الأوطان، لا يكاد يمر طرف من الزمان حتى يفقد قطعة من كيانه...يموت أبوه، تموت أمه، يموت الرفيق والصاحب والجد والجدة..، يفقد الجميع وليس له إلا أن يكون عدّادا للأموات...

معذرة إليكم كلكم، أيها المفقودون، لقد أردت أن أعيش ولو لحظات من أيامكم ولياليكم، ولكنها لحظات صدق ومودة، مع ما يعيشه أبناء وبنات هذا الوطن الغالي وهم يقضون أعز مواسم الإسلام بعيدين عن أهلهم وذويهم...أردت أن أبحر في وجدان ومشاعر أطفال صغار وأمهات حرائر وجدات وأجداد، ملوا الانتظار، منهم من قضى نحبه وصعد إلى السماء يشكو ظلم العباد، ومنهم لا يزال يأمل لقاء على هذه الأرض...

أردت أن ألمس ولو بحياء كبير، وأرافق ولو من بعيد، ولو من وراء البحار والمنافي حياة هؤلاء الكبار في موسم الرحمة وشهر الغفران والبركة...أردت أن أقول للجميع للمنفي في وطنه أو خارج الديار، الصابرون وأهليهم على الويلات، الصابرون على ظلم العباد، الصابرون على ظلم الأوطان...إليهم جميعا...لا تحزنوا إن الله معنا...لا تحزنوا ف"إنما يُوفى الصابرون أجرهم بغير حساب"...لا تحزنوا إن النصر آت ووعد الرحمان قد سبق...

لن ننساكم، لن ننساكم...سنذكركم في كل مائدة إفطار، وهذا حقكم علينا، سنذكركم في سجودنا في قيامنا وصيامنا، وهذا واجب علينا... سندعو لكم بكل حياء، والدعاء منكم ليس بينه وبين الله حجاب، التقى عليكم الجور والصيام والقيام، فلا نخال دعائكم إلا مقبولا ولو بعد حين، فلا تنسونا منا طيب ذكركم، ولن ننساكم من طيب ذكراكم..

في هذه المناسبة الكريمة، التي أرادها البعض سامحهم الله غير ذلك، يطيب لي سادتي وإخوتي الأعزاء وأخواتي الفاضلات الطاهرات، رفع تقديري وحبي إليكم وإلى أهاليكم، متمنيا لكم جميعا، في المهاجر وداخل الوطن، رغم الظلمات العاتية والكوابيس المحيطة، رمضانا كريما مليئا بالأنوار..أنوار الرحمة والغفران..، واسمحوا لي وبكل حياء العذراء أن أدعوا لجلاديكم ومعذبيكم ومعذبينا، من شردونا وأوجعونا وجاروا علينا وأرعبونا، أن أدعو لهم بالتوبة والغفران ورمضانهم كريم... وكل عام وتونس بخير والعالم بخير وأمتنا بألف خير. "وتلك الأيام نداولها بين الناس"...

2008-08-10