رسالة اللقـاء [35] : هـل تملك المعارضة ناصيتها ؟/ د.خالد الطراولي


صناعة الحدث وتفعيل الواقع سمة عمل الأحياء والأحرار، وإذا كانت المعارضة لا تملك في الكثير من الثنايا محور الحرية حيث يحاول الاستبداد محوه من ذاكرة الشعوب ومن حاضرها واستئصاله من مستقبلها، فإنها تملك الكثير من مواطن الفعل التي يمليها وضع الحي وتنتفي عند الأموات...
يملك الحي أن يأكل ويشرب، ويملك أن يجوع، وتملك معارضتنا أن لا تأكل من موائد اللئام و التمعش بما لذ وطاب، والجيران جوعى على الأبواب...
يملك الحي أن يتنقل في جغرافيته وإن ضاق مجالها..وتملك المعارضة أن تدخل الديار من أبوابها، ولا من نوافذها وكأنها سارقة أوطان، تملك أن تدخل بلدانها معززة مكرمة لو فقهت أن زمن المعارضة هو زمن جماهيرها وزمن أوطانها وليس زمنها ولا زمن ذواتها...
يملك الحي أن يكون مسؤولا ولو على يده التي يرفعها وإصبعه الذي يوجهه همزا أو لمزا، وتملك المعارضة أن تعيش مسؤوليتها كاملة تجاه الوطن، وتجد في خلاياها حراكا يعيش مسؤولية الأوطان كهم دائم لا يرتبط بمقام سلطة ومنزلة حكم، وواجب يرفعه الصغير والكبير ولا ينقص ولا ينضب إلا إذا انعدم الوطن.
يملك الحي الوقوف ولو على عكاز من حطب، وتملك معارضتنا أن تقف حيث يدفع للركوع والانحناء دفعا، والمشي بشمة عالية وناصية مرفوعة رغم المطارق والسنادين المحيطة، ولو كانت الرؤوس من حولها مطأطأة حاسرة إلى سيدها ناظرة...تنتظر لفتة كريمة من صاحب المقام.
يملك الحي المقاومة ولو في آخر رمق في حياته، والحياة كنز يصعب التخلي عنه بسهولة، وتملك المعارضة أن تقول لا حين يكثر أهل العطايا والتزلف وقوم تبع، وتملك أن تقاطع حين تكون المشاركة ذل وعدم، أو تشارك حين تكون المقاطعة نرجسية وعدم...
يملك الحي التوكل على ما حباه ربه من عطايا المادة والروح وتثويرهما من أجل البقاء الطيب، وتملك المعارضة حمل قيادة ناصيتها بيدها دون تواكل على خارج وانتظار عودة على دبابة أو سيارة كتبت أرقامها بغير لغة أهل البلد. كل ما يطلب منها أن يكون عنوانها وطنيا خالصا، وساعي البريد وطنيا أصيلا.
يملك الحي أن يمشي ولو على رجل واحدة ولو حذو الحائط، وتملك معارضتنا المشي في أول الصفوف، حين يكون للنخبة دور النموذج الفاعل والقدوة الرشيدة، تملك معارضتنا الهرولة وحتى العدو إذا عرفت قدرها وقدر منافسيها، وأيقنت أن قوة الضفة المقابلة في ضعف ضفافنا وتشتتها، وأحست بالثقة في نفسها وفي الجماهير التي تحيطها...
يملك الحي أن يبني ولو جدارا من طوب أو قصرا من الرمال، وتملك المعارضة أن تبني مشاريعها على نار هادئة، ووعت أن الفعل المعارض هو بناء ثقافة وعقلية وبناء أوطان، قبل أن يكون بناء كراسي واستعجال الجلوس...
ولو أردنا إيجاز هذه الملكة من الحياة والمسؤولية اللاحقة بها [من الملكية] دون كثير حديث، لأوجزناها في وصايا توجهها المعارضة لمن حولها...لا تكونوا مثلنا في أربع [حتى لا نقول أكثر رحمة بكم وحياء من أنفسنا] :
 توحدوا فقد تفرقنا
اجتمعوا فقد اختلفنا
لا تغلبوا الأنا فقد غلبت نرجسيتنا
خلقوا السياسة فقد تقاعسنا
ليس حديثي هذا موجها إلى الأجيال القادمة من أطفال هذا الزمان ورضعه، ولا حتى لمن سبقناهم بجيل أو أقل، ولكنه إلى من حولنا من جيلنا جيل الشباب المهرول إلى الكهولة...دعوة لعدم الموت، والحياة من حولنا... دعوة لعدم اليأس، والربيع على الأبواب..، دعوة لعدم الإحباط، وعملنا ربح كله إذا كان شعاره الإخلاص والفعل الواعي والرشيد..، دعوة إلى الاعتبار، فالتاريخ لا يرحم والشعوب لا تنسى، والديان لا يموت!
29 / أكتوبر / 2008

2008-11-02