رسالـة اللقـاء [37] : هل أدافع عن محمد صلى الله عليه وسلم في بيتنا ؟ د.خالد الطراولي


لما تجرأت أصابع خبيثة إلى الإساءة العلنية للرسول الكريم صلى الله عليه وسلم منذ أكثر من سنة عبر صور ومعلقات، وأرادت بجهلها وعنصريتها إثارة شعوب وأمة وسقطت في شتائم رخيصة تجاه رجل كريم ورسول مصطفى وحبيب أمة، خرجت الجموع مستنكرة ومنددة بهذا الفعل المهين وسالت الأقلام المؤمنة والصادقة تباعا دفاعا عن خير البشر بكل ما يحمله القلم من حبر متعطش للفوران... كانت الفاجعة كبيرة، لم تكن الأولى ولم تكن الأخيرة ولكنها كانت الأكثر صخبا ومجانية واستخفافا برمز أمة تجاوز عدد منتسبيها المليار ونيف.
كان الفعل عظيما ولا يستهان به، لكنننا كنا نهون منه ونخفف وطأه علينا أنه أتى من ضفة غير ضفتنا وأهل غير أهلنا وثقافة غير ثقافتنا، فعرفنا أن هناك في الحي الذي يقابلنا أناسا قليلين ولا شك، يسعون بكل جهد إلى إذايتنا وإذاية رموزنا ومقدساتنا عن جهل من البعض منهم، ولغايات أخرى لدى البعض الآخر... ومرت الأيام وبقي محمد صلى الله عليه وسلم شامخا في قلب كل مسلم لم يتزحزح، بل ازداد حب أمة بأسرها لرسولها الكريم وذهب شاتموه إلى مزابل التاريخ!
حتى كانت المفاجأة وأطلت علينا هذه الأيام في تونس الإسلام، تونس الهوية ،وتونس الزيتونة ،وعلى الفايس بوك أقلام غريبة، أقامت "مهرجانا" في سب وشتم الذات الإلهية والقرآن الكريم وخاصة الرسول المصطفى صلى الله عليه وسلم، على مرمى ومسمع الجميع على إحدى المدونات التابعة حسبما قرأت إلى أستاذة جامعية تونسية [1] !
سوف ننبه بداية لنغلق الأبواب حتى لا ينحرف الفهم ويهمش جوهر الموضوع، أنني مع الحرية ومع الإبداع، مع الرأي المخالف أدافع عن وجوده لأني أعتبر وجوده من وجودي! سوف نعلنها واضحة جلية أني لا أرى للكلمة مكانا في الكهوف، وأن الشمس تشرق على الجميع شرقت أو غربت ضفافهم! نقول ذلك حتى لا يخرج علينا أحدهم شاهرا علينا سيفه، ومتهمنا بأننا أعداء الحرية، في حين أننا من ضحايا الحرية المفقودة، أو أننا ضد الإبداع، في حين أن الكلمة الطيبة والفعل الحسن لهما أجر الدارين في مشروعنا الذي نحمله!
ليس من الحرية ولا من الإبداع أن نسب ونشتم رمزا من رموز هذه الأرض تاريخا وجغرافيا، رمز يتلهف للتمسح بتلابيب رضاه وحبه مئات الملايين شيبا وشبابا، نساءا ورجالا.
ليس من الحرية والإبداع أن تطعن في هوية شعوب ومرجعية أمة وقدسية ما تحمله من كتاب ورسالة ورسول!
ليس من الحرية والأبداع أن تسقط في الكلمة المبتذلة والشتم المجاني المبني على جهل مدقع أو حقد دفين أو حسابات سياسية أو طموحات شخصية لإذاية فرد أو مجموعة، خاصة إذا كانت هذه الشخصية فريدة وكان خير بني آدم الله صلى الله عليه وسلم.
ليس من الحرية والإبداع أن تنهار في التقاط التأويل المتشابه والقصة الشاذة والرواية المهزوزة للطعن بكل بساطة في حياة رسول وحضارة أمة وتاريخ أفراد وشعوب دون كثير روية أو علم كاف أو وعي مجرد من الأحكام المسبقة والحسابات الضيقة!
لست أدري هل أندد وفي ذلك كفاية؟ هل أستنكر وفي ذلك راحة ضمير مغشوشة؟ أم أشكو ضعفي وقلة حيلتي، حين يكون أصحاب الإذاية من أهلي، ويسكنون بيتي، ويفترشون نفس الأرض التي أفترش، ويلتحفون نفس السماء التي ألتحف، ونناديهم ولو من بعيد بأسماء محمد وفاطمة وعمر وخولة؟
هل أشكو حالي إلى آبائي وأجدادي فأدعو التاريخ حتى يجيبني عقبة وابن سحنون وبن خلدون، ويبلغ صدى صراخي أرجاء مساجد الزيتونة والقيروان وصاحب الطابع، فأعرف أني ابن تاريخ انطلق من مكة، وابن هوية كتبت أطرافها في ظلال الكعبة الشريفة، وابن مقدس نزل من السماء منذ أكثر من 14 قرن على رجل كريم في بلدة آمنة!
لقد أطلت علينا مثل هذه العقليات وهذه الأقلام المشبوهة ضاربة عرض الحائط بمنظومة القيم التي نحملها، ومستخفة بهويتنا وهويتها وطاعنة في مقدسنا وشاتمة لرموزنا، غير أني ودون استنقاص دورها وغفر الله لها وهداها إلى الخير، وهم أبناءنا وفلذات أكبادنا وإن جنوا علينا، أعتبرههم ضحية ثقافة وسياسة ومنهج مهتز في التعامل مع الظاهرة الإسلامية عموما، سعى في الكثير من تاريخه إلى خض علاقاتنا بالأجداد وتهميش مرجعية الأحفاد... لم يأت هؤلاء الشباب من فراغ، بل كانت انحرافاتهم حصيلة سياسات وأطراف تغلغلت في قلب سلطة القرار، حقدوا على محمد النبي الكريم، ولم يستطيعوا يوما تقبل جحافل أتباعه وازدياد بريق إسمه مع الأيام...نغصوا على الصحوة أيامها وضيقوا عليها كيانها وأخافوا أتباعها، فانحرف البعض نحو التطرف والإرهاب، ومال البعض الآخر نحو مواطن السقوط والتجني على الرموز وضرب المقدسات والاستخفاف بالقيم والأخلاق والتبرأ من كل مرجعية وتاريخ.
عزائي أن بريق الصحوة لم يخْبُ وأن هناك في تونس رجال كثيرون ونساء كثيرات أعلنوا وتواصوا على حب محمد صلى الله عليه وسلم والثبات على دينه، رغم العواصف وعنف التيارات الجارفة والفتن المحيطة والمنهجيات الضالة والسياسات المشبوهة، أعلنوها دون هوادة أنهم أحباب محمد صلى الله عليه وسلم. وغفر الله للجميع وهدى شباب تونس إلى خير الوطن وخير الأمة وخير الناس.
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : من أشدّ أمتي لي حُباً ، ناسٌ يكونون بعدي يود أحدهملو رآني بأهله وماله. رواه مسلم
وفي الرسالة القشيرية  :  قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ’ متى ألقى أحبابي ؟ فقال أصحابه : بأبينا أنت وأمنا . أولسنا أحبابك ؟ فقال  أنتم أصحابي، أحبابي قوم لم يروني ، وآمنوا بي ، وأنا إليهم بالأشواق أكثر ’
هوامش [1] : تونس نيوز 13 أفريل 2009 عن صحيفة العرب القطرية وموقع سبق الالكتروني.

2009-04-14