رسالة اللقاء [51] ويتواصل الإقصاء مع الهيئة العليا للإصلاح السياسي والانتقال الديمقراطي /خالد الطراولي

 

هل مكتوب علينا أن يتواصل مسلسل الإقصاء والتهميش في تونس ما بعد الثورة؟ هل أصبح الإقصاء صفة ملازمة للمشهد السياسي الجديد؟ هل أصبحت السياسة "ذراعك يا علاف" تفتح أبوابها قسرا أو اختيارا لمن له باع طويل في الإنشاء والصياح والعويل؟ هل أصبحت السياسة منطقة محظورة لا تطأها إلا أقدام باركت لبعضها البعض من اليسار واليمين؟ هل أصبحت الهيئة العليا للإصلاح السياسي والانتقال الديمقراطي جنة لا يسعد برأيتها إلا من له صك غفران أو أتى بورقة رضاء وقبول؟

نطرح هذه الأسئلة ونحن نلمس عن قرب تكوين هذه الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة ونرى مكوناتها، لتتواصل منهجية الاستثناء والتهميش والإقصاء في المشهد التونسي...بدأت الحكاية مع ما سمي بمجلس حماية الثورة، والذي أسأل اليوم عن حاله، حيث تم استبعادنا منه بتعلات كثيرة بعدما طلبوا منا الحضور ثم دخلوا القاعة وتركونا ننتظر، الوجوه لعلها تغيرت والتقى الحاكم والمعارضة على نفس صيغ التعامل، نظروا إلينا مجددا من عليائهم، البعض من صومعته آخرون من صروحهم ليرونا صغارا فانتفضنا وعبرنا عن رفضنا لهذا الإقصاء وكتبنا "أيها المجلس لحماية الثورة هل بدأ الإقصاء" لكن لم ينتبه أحد، بقي الكل في نشوتهم، استندوا إلى شرعيات أبحث إلى اليوم عن مغزاها وعن حقيقتها، بناها البعض على التاريخ، والآخرون على الصمت، وآخرون على الحشو، والبعض الآخر على نسيان الشعوب، ظنوا أن هذه الشرعيات التي كتبوها على سيرهم الذاتية تعطيهم الحق ليولوا من يشاءون ويرفضون من يشاءون...

ومر مجلس حماية الثورة ولعلنا نحمد الله أننا لم نحسب عليه لأني لا زلت أتساءل أين هو وكيف حاله وهل تخلى عنه أصحابه؟ لأن نفس المجموعة وزيادة أو تكاد انتقلت إلى الهيئة الجديدة ليواصل رسم الخيمة الجديدة وأوتادها وملحقيها على أنغام التهميش والإقصاء!!!

لست أدري على أي أساس وقع اختيار الأحزاب والجمعيات والشخصيات المستقلة؟؟؟

هل على أساس الوطنية؟ فلا أظن أن من تواجد داخل الهيئة أكثر منا وطنية، فقد هُجِّرنا ووقع نفينا ورفضنا الخنوع ولم نساوم الاستبداد وبقينا نقاوم بأقلامنا وأصواتنا حبا في هذا الوطن، كان "اللقاء الإصلاحي الديمقراطي" الذي أنتمي إليه عنوانا بارزا في المشهد السياسي ما قبل الثورة ولو من وراء البحار وكتاباته وتصوراته شاهد على ذلك...

هل وقع اختيار الأحزاب على أساس الشرعية، وأي شرعية؟ أهي شرعية السجن والمنافي؟، فمنا المنفيون والمسجونون، أهي شرعية النضال وعدم "قلب الفيستة"؟ نحمد الله أننا لم نترقب هذه اللحظة التاريخية لنناضل حتى يقال مناضل، آثارنا تدل علينا، فاللقاء الإصلاحي الديمقراطي تأسس سنة 2005 وظل يواكب همّ الوطن ولو من بعيد حيث فرضت عليه المنافي والمَهَاجر...

هل هي الشرعية الثورية؟ والحمد لله أن هذه الثورة ليست ملكا لأحد، لا لحزب ولا لفرد، لقد غابت النخبة وصنع الشعب الحدث، بل كانت النخبة في واد والثورة في واد، وفاجأ البوعزيزي وأترابه، من هذا الجيل المبارك، الجميع...

هل هي شرعية الشعب؟ الشعب التونسي لم يقرر بعد، وصناديق الاقتراع لم تفتح بعد، فكيف نعرف الثقل والموازين؟ أم هو التاريخ يعود من جديد وقد نسى الكثيرون أن شعبية الأمس ليست شعبية اليوم، وأن الشعب التونسي اليوم أصبح أكثر وعيا وفهما للتاريخ والحاضر والمستقبل. لقد رأينا من الأحزاب من يتكون من هيئة التأسيس فقط، في أفراد محددين، ولم نسمع بحزبهم أو جماعتهم قبل الثورة، ومن المستقلين من لم نره أو نسمع به من قبل حين كانت الكلمة من نار، ومع ذلك لا نطعن في أحد ولكننا نقول لمن ينظر إلينا من عليائه ولم ينظر إلى حجمه، أن كل صغير سوف يكبر، وكل مريض دون الموت سوف يشفى، وكل غائب سوف يعود، أو كما قالت العجوز العربية.

إن مرارة ما نحسها ونتألم لها ونحن نرى عقلية الإقصاء والتهميش تسود الحاكم والمحكوم، نجدها عند البعض من النخبة السياسية التونسية حاكمة أو معارضة، وهي صورة لا تنبأ بخير، فالاستبداد الذي قاومناه كان يحمل عنوان الإقصاء والاستفراد، وإن خوفنا اليوم يتجدد حيث لم تمح الثورة هذه العقلية ولم تنحّ هذه الثقافة السياسية السائدة، ثقافة الإقصاء والتهميش. فأين بقية الأحزاب المعترف بها وغير المعترف بها وقد اقتصرت الهيئة على 12 حزبا و17 هيئة مدنية و42 شخصية تونسية، أين ممثلو المعتصمين في القصبة؟، أين شباب الثورة؟ أين المهجر ومنظماته وأفراده، من وقف حين كان الوقوف من نار، أين الشعب التونسي؟ هل وقع تمثيله الكلي في أخطر وأهم إطار فيما بعد الثورة؟

إن اللقاء الإصلاحي الديمقراطي ومن تعرض مثله لهذا الإقصاء لن يأخذ شرعيته إلا من هذا الشعب الأبي وشبابه الميامين، لن يأخذ مصداقيته إلا من فعله ومساهمته وإضافته، خاصة وأنه يستند في مشروعه السياسي والحضاري إلى جوهرية البعد الأخلاقي والقيمي، ومن هذا المنطلق سيظل وفيا لمبادئه، ومصلحة تونس فوق الجميع، وسيكون صندوق الاقتراع هو الفيصل ونتمنى أن لا يكون الإقصاء شعارا من جديد أيام الحملة الانتخابية وما بعدها. إنا ندعو مجددا أصحاب الشأن في تونس إلى إعادة الاعتبار إلى كل مكونات المجتمع المدني وإلى مراجعة تكوين هذه الهيئة حتى تجمع بكل أمانة ومصداقية كل الطيف التونسي أفرادا ومجموعات، مستقلين ومتحزبين، خارجا وداخلا، حتى تعبر عن تمثيلية سليمة وحقيقية للشعب التونسي.


2011-03-18