رسالة اللقاء [52] المهاجرون والإقصاء من شؤون الأحزاب،إلى الإقصاء من المجلس التأسيسي!!/ د.خالد الطراولي

 

يكفي أن تكون مهاجرا أو مهجّرا، ضيفا أو منفيا، وتحمل جنسية البلد المضيف حتى تجد نفسك تونسيا من الدرجة الثانية! مواطنا عليك نفس الواجبات وليس لك نفس الحقوق!!! فقانون الأحزاب الذي ولد في أحضان الاستبداد والإقصاء يحضر عليك المشاركة في الحياة السياسية لبلدك في نفس الدرجة ككل مواطن تونسي كريم. فأهل الداخل لهم أن يدخلوا المشهد السياسي من بابه الكبير ولهم أن ينشئوا الأحزاب ويساهموا في خدمة الوطن من زواياه المتعددة ودون استثناء أو تحجيم، وإن كنت من أهل الخارج وتحمل جنسية البلد المضيف مع جنسيتك التونسية فعليك الوقوف على الربوة أو في سفح الجبل، فعليك أن تبقى وراء الجدار، مهمتك النظر والمتابعة والتحسر...

ولن يتوقف إقصاء المهاجرين والمهجّرين على قانون الأحزاب فقط، فها أننا نسمع ونرى ما يطرح هذا الأيام من مشروع لانتخابات المجلس التأسيسي القادمة، ويبدو أن هناك سعيا لمنع التونسيين أصحاب الجنسية المزدوجة من حق الترشح والمساهمة في أكبر وأهم مشروع وطني يهيأ لدستور جديد سوف يحكم البلاد لأجيال!

هكذا تسعى بعض الأيادي والعقول مدعمة بآلة قانونية رهيبة إلى دعم إنشاء صنفين من التونسيين، التونسيون أصحاب الجنسية المزدوجة ولو كان آبائهم وجدهم العاشر تونسيا أصيلا خرج من أصقاع الجزيرة واستوطن بلاد الزيتونة، والتونسيون الآخرون حتى وإن كان انتسابهم لتونس يتوقف عند بعض الآباء!

أجيال كاملة وجاليات عديدة من التونسيين الأحرار سوف تطالهم هذه القوانين الجائرة، فأغلبية المواطنين التونسيين المتواجدين خارج البلاد شباب من الجيل الثاني والثالث والرابع للهجرة، هؤلاء جميعا يحملون جنسية البلد المضيف ويسعون جاهدين على المحافظة على جنسية وطن الآباء والأجداد ويفتخرون بحملها والدفاع عنها، والعمل على خدمتها عبر الاعتناء بأخبار البلد وحمل همومه.

إن السعي الحثيث اليوم إلى استبعاد هذه الثروة الهائلة من المهاجرين آباء وأبناء، فتيانا وفتيات عن الشأن التونسي واستبقائهم في بلاد المضيف يمثل خسارة وعملا انتحاريا ينحو إلى تكوين سلما في المواطنة التونسية بين الداخل والخارج. إن هذه الثقافة القانونية والعقلية الدافعة لها والتي تسعى إلى تحجيم دور التونسيين المهاجرين في شأن الوطن الأم وإقصائهم عن التواجد في مرحلة عصيبة مثلما تمر بها البلاد اليوم، واعتبارهم مواطنين من الدرجة الثانية، يمثل منهجية خاطئة وخطيرة تجاه جزء كبير من المواطنين التونسيين الذين دفعتهم الحاجة الاقتصادية أو العلمية أو الجور السياسي إلى مغادرة الوطن الأم والتواجد في أوطان جديدة، مهاجرين أو مهجرين ومنفيين.

إن تشريع قوانين تحصر العمل السياسي اليوم وفي كل أوجهه وأبعاده على صنف من المواطنين دون غيرهم يدفع ولا شك مواطني الخارج إلى الإحساس بالضيم والدونية والاندفاع نحو التقوقع والانسحاب مجددا نحو بلاد الاستقبال والابتعاد عن الوطن الأم كما كان حالهم في العهد البائد، حيث الخوف واللامبالاة وهجر الاستثمار المنتج. فالثورة مرت من هنا ولا أحد يدعي الوصاية عليها، فهي مكسب كل التونسيين، وثمارها اليانعة لكل التونسيين دون إقصاء أو تهميش، ومن ثمارها الكرامة والحقوق والواجبات لكل تونسي وبنفس الدرجة والمستوى، سواسية كالمشط لا فضل لتونسي على آخر إلا بما خدم البلاد والعباد.

فلا يمكن أن نبني مشروع ثقة مع هذا الأجيال المهاجرة ومساهمتها المباشرة في حمل هم الوطن والمشاركة في تلبية احتياجاته وهم يشعرون بهذا الصدّ تجاههم ويرون استبعادهم من المشهد السياسي الوطني واعتبارهم مواطنين من درجة ثانية عوض أن يكونوا شركاء في الوطن شركاء في القرار.

لقد كان قانون الأحزاب وليد إطار مستبد وعقلية استفراد وإقصاء، فنرجو أن يكون قانون الأحزاب الجديد المزمع اتمامه قريبا، وفصول المجلة الانتخابية وكل ما يحوم حول شروط الترشح والتسيير منزوعة من فلسفته أي عقلية إقصاء وتمييز بين أبناء الوطن الواحد، مع العمل على إشراك الجميع في حق الترشح والتأسيس وواجب خدمة الوطن بكل أريحية وتفان دون تهميش.

إن الاستحقاقات الانتخابية القادمة تعتبر ولا شك أهم اختبار للمشهد السياسي وللمشتركين فيه، ولعل أكثر هذه المواعيد أهمية هي انتخابات المجلس التأسيسي القادمة والبرلمانية، ولا نظن أن المشرّع التونسي يقع في خطأ استبعاد فصيل من المهاجرين التونسيين عن المساهمة في خدمة هذا الوطن، فالمهاجرون والمهجّرون شركاء مع الجميع في الوطن، شركاء في الحمل، شركاء في المسؤولية، شركاء في القرار. تونس للجميع تكون، لبعضها لن تكون.


2011-04-01