رسالة اللقاء [53]: عفو قلبي للعامة ومحاسبة للرموز والأيادي الملطخة /د.خالد الطراولي

 

يواصل المشهد السياسي التونسي مسيرة البحث عن الذات في إطار من المربعات الرمادية التي تجعل في بعض مناحيها الحليم حيران! ويزداد المشهد تعقيدا على وقع حسابات وطموحات واستعراض عضلات وقراءات مشوشة ومعارك وهمية ومفتعلة، وفي إطار من منهجيات الخفاء وأجندات الداخل والخارج...

في هذا الإطار الإنتقالي وهذه المرحلة الحساسة والدقيقة، يدخل على الخط ودون أن يغادره، الحزب الحاكم المنتهية ولايته والمخلوع رئيسه، وتعالت الأصوات بالرفض والإقصاء والحل. وإذا كان حل التجمع صائبا لا لبس فيه لما حمله هذا الحزب على أكتافه من مسؤولية رهيبة ومن تاريخ تملأه بقاع السواد وحمرة الدماء ودموع الثكالى والمعذبين في الأرض، فإن خطابا موازيا يدعو إلى محاسبة كل من له صلة كبرت أو صغرت بالحزب ومحاكمتهم.

إن هذه المنهجية في معاقبة كل من له قرابة بالعهد القديم تمثل منهجية أساسها الثأر والتشفي، وإذا كان مقبولا ومعقولا محاسبة الرموز وقادة العهد البائد وكل من ثبتت عليه تهمة دم وتعذيب وممارسة لا إنسانية ضد كرامة المواطن، ومقاضاتهم حسب القانون، فإن خطابا شعبويا موازيا يدعو إلى محاسبة كل من له صلة بالتجمع ومعاقبته والزج به في السجون!

فإذا كان مقبولا ومعقولا محاسبة الرموز والقادة ومقاضاتهم، فإننا نرى أن تجاوزا خطيرا ومسارا مغشوشا يمكن أن ينطلق على أسس غير سليمة يفتح على أبوابه تونس على المجهول...

فلا يمكن أن تبني بلدا على أسس من الثأر والعقاب الجماعي، ولا يمكن أن ينجح مشروع ديمقراطي في الإصلاح والتنمية السياسية وأنت تحمل في جيبك مفتاح الإقصاء وتسكن خيمته! لا يمكن أن تفتح عهد الديمقراطية وحقوق الإنسان والمواطنة الكريمة للجميع كما حلمت به الأجيال المتعاقبة وسطرته الثورة بدمائها الزكية، وأنت تقسم البلد وأهله بين جزء أبيض لا سواد فيه وجزء أسود ليس فيه بياض!

إن العهد القديم كان مجرما فتاكا أخاف الناس وروّعهم وأرعب صغارهم وأذل كبارهم، وليس كل الناس عنترة وليست كل النساء الخنساء، فمنهم الخائف ومنهم المصلحي ومنهم ذو الوجهين ومنهم ضارب الدف والمعازف، ولكن كان منهم ولاشك الصامد المقاوم، المنفي أو المسجون أو من المعذبين في الأرض...كل هذا هو الشعب التونسي بحلوه ومره، بمربعاته البيضاء والسوداء، بدهاليزه وجناته، بكهوفه وسهوله، بأرضه وسمائه...

ولا يمكن اليوم بناء هذا المستقبل الواعد لتونس العزيزة إذا مشينا على رجل واحدة أو عملنا بيد واحدة أو نظرنا بعين واحدة، تونس للجميع حتى لمن غلّب مصلحته الضيقة على مصلحة وطنه واعترف بذنبه وتحسر على ما فاته ولم تتلطخ يداه بدماء التونسيين وعرق جبينهم نصبا واغتصابا وجورا وعدوانا.

لقد عدّد الحزب المنحل عدد أفراده بالمليونين، وكانت صورة كاذبة مغشوشة لا تنبئ حقيقة بموالاة وحب ونضال وانتماء عقل ووجدان، وإنما كان الأغلب الغالب انتساب خوف ورعب، ولهذا لما قامت الثورة لم نر جموعا تهتف للمخلوع وتريد عودته، بل كانت جموع التونسيين تحت مظلة الثورة وقد تخلص الجميع من كابوس الاستبداد...

لا نظن أن محاسبة خمس الشعب التونسي ومعاقبتهم هي بوابة سليمة للتعايش المواطني والدخول للتاريخ من أوسع باب كما دخلته ثورتنا المباركة وعبّدت طريقه للشعوب الأخرى، ولعله كتبت بماء من ذهب الفصل الأول لحضارة إنسانية جديدة ونهاية حقيقية للتاريخ!

لقد كانت حضارتنا مشبعة بهذا البعد الإنساني الحامل لمنظومة قيم وأخلاق حازمة ساهمت في بناء العالمية الإسلامية الأولى، فكان دستور المدينة الذي أثبته رسول الله [ص] عنوان مواطنة تجمع ولا تفرق، وتبني مع الآخر ولا تهدم ولا تقصي، وكان صلح الحديبية عنوان الرصانة والتعامل الهادئ مع الآخر الرافض والمتعالي، وكان فتح مكة مشهد السمو في أجلى مظاهره..."اذهبوا فأنتم الطلقاء" شهادة للتاريخ على أن البناء الصائب للمجتمعات والدول والحضارات لا يكون إلا على أساس من الصلح والصلاح والمصالحة، وليس نداء "من دخل بيته فهو آمن" إلا رسالة وئام ومصالحة مع من عادى وجار، وهو لقاء حضاري ومدني على أسس أخلاقية وقيمية رفيعة.

إن الإعلان اليوم عن مصالحة تاريخية بين أطراف الشعب التونسي والدخول في عهد وئام وطني يجمع الفرقاء من عامة الناس وضعفائهم، ممن استكانوا يوما للظالم وخاطوا ثيابه مكرهين وكانوا قوم تبع، تجنبا للمضايقات والإزعاج وخوفا من ردوده، يعتبر طريق السلامة والحصانة... إن إعلان هذا العفو القلبي من الشعب التونسي لفصيل منه أخطأ ولم يتورط، يعتبر البداية السليمة والموفقة لبناء مجتمع التكافل والتضامن أساسه الدائم التونسي للتونسي رحمة!

إن هذه الثورة قد بدأت ولم تنته، وأن من فصولها الكبرى التي أطلقها المرحوم البوعزيزي كانت ولا تزال الكرامة والحرية وحقوق الإنسان، وإن من الأخلاق العالية والقيم النبيلة أن يحمل شعب بأسره شعار الرحمة والمغفرة والتجاوز، وإن العفو القلبي منهجية بناء رفيعة في إطار أخلاقي سامي، ولا يمكن أن تبني عقلية وأن تشكل ثقافة إبداع وبناء دون منظومة أخلاق عالية، والثورة الناجحة هي الثورة التي لا تأكل أبناءها ولا تقصي بعضهم وتبني على أسس أخلاقية وقيمية حازمة.


2011-04-19