رسالة اللقاء [54]:اللاءات الأربع من أجل مشهد سياسي أخلاقي سليم وشفاف/ د. خالد الطراولي

 

تمثل عملية الإقلاع في كل مسار أو حراك، النقطة المفصلية والحساسة لسلامة الاستواء والتواصل السليم، وكذلك كان إقلاع الطائرة في مسارها الجوي حيث تمثل هذه المحطة أصعب مراحل الرحلة فتكون الطائرة في أضعف أحوالها وفي تعرضها النسبي لأعلى درجات الخطورة. وتمر البلاد اليوم بهذه المرحلة من إقلاع سياسي ومرحلة انتقالية نحو الأفضل بناء وإبداعا، من أجل مشهد عام يلبي للثورة المباركة كل مطالب الكرامة والمواطنة الحقة من ديمقراطية وحقوق الإنسان. غير أن المشهد الحالي تشوبه مناطق ظل واسعة رغم سحابة التفاؤل التي ترافقه، وتحبسه كثير من مناطق الرماد التي تختفي ورائها حسابات وأجندات.

ولا أظن الشعب التونسي بوعيه المتقدم وعلمه بأنساب الرجال والمشاريع، بغافل عما يحدث من حوله وعلى الأطراف، وتحمله بدون مواربة آذان صاغية وتساؤلات من الحيرة والتوجس.

لاءات أربع ولعلها أكثر ترافق المشهد نعتبرها عربون وفاء لهذه الثورة المباركة، ومرافقة وانسجاما مع توجس هذه الجماهير وطمأنة لها بأن من النخبة رجال ونساء واعون بحساسية المرحلة ويقفون معهم على نفس الصراط وعلى كل الثغور...

1 / لا للمواثيق والعقود المسقطة والمنبتة عن واقعها، والتي تبحث عن شرعية خارج صناديق الاقتراع وتسعى إلى أن تكون فوق الدستور وفوق إرادة الشعب، وتنطلق من مبررات ومشاريع لا تحمل شرعية الجماهير.

فكيف تلزم هيئة معينة وغير منتخبة، ممثلة في هيئة تحقيق أهداف الثورة، مجلسا تأسيسيا سينتخبه الشعب طوعا ليكون الهيئة العليا للبلاد ويمثل الشرعية، هذا المجلس التأسيسي المنتخب الذي سيقرر دستورا للبلاد وهو التشريع الأعلى فها بلا منازع ويسود الجميع هيآت وأفرادا ومشاريع وعقودا. فهل من المقبول عقلا وقانونا أن يحدّدَ مصير البلاد الحيني والمستقبلي ولعله لأجيال، من قبل حكومة مؤقتة وهيئة استشارية لم تعينهما شرعية صناديق الاقتراع؟

2 / لا للمزايدات في حقوق المرأة، حيث نتلمس ضوضاء صاخبة وإفرازات لمقترحات وأطروحات وقرارات متسرعة ومفاجئة. فلا يمكن أن تُطرح مكاسب المرأة وتطويرها نحو الأفضل والأحسن، بثقافة المزايدة وعبر عقلية الحسابات الحزبية الضيقة التي تتحرك في إطار التنافس غير البريء أحيانا، والساعي إلى توظيف خطاب نسائي، لا من أجل المرأة وإنسانيتها ومواطنتها، ولكن من أجل التمكين السياسي والبروز الحزبي.

عالم المرأة ليس عالما منعزلا ولا عالما مقدسا، ولكنه عالم مدني يشكل جزء من العالم الإنساني بحقوقه وواجبابته، والمرأة مواطنة وإنسان قبل أن تكون أنثى، وهي ليست معقل مزايدات وملاحقات ومطية حسابات، ولكنها جزء من مشروع مجتمعاتي يسعى إلى أنسنة كل الأطراف على أساس الحقوق والواجبات حسب منطق العدل والإنصاف والعقل الرشيد، بعيدا عن مفاهيم فضفاضة تدغدغ المشاعر والعواطف على حساب العقل ومشتقاته.

3 / لا لسياسة التخويف والرعب الفكري والترويع الإعلامي المصاحب لحملات تقوم بها أطراف ضد أخرى ولو على حساب الأخلاق والقيم، فندخل منازل الافتراء والكذب وشهادات الزور ويصبح المشهد السياسي مهزوزا على أكثر من باب ونافذة، شعار بعضها "اكذب اكذب حتى يصدقك الناس!" فكيف تبنى الثقة مع المجتمع على وقع خطوات مرتابة؟ وكيف يُسلَّم البلد إلى رجل سياسة له سقطات وشطحات أخلاقية، ويريد تسويق مشروع اهتزت فيه الممارسة مصطحبة لخطاب نظري يناطح الثريا قيما نبيلة ووعودا ومسؤوليات شريفة ومشرفة.

السياسة مسؤولية قبل أن تكون مغالبة، والسياسة خدمة الآخر قبل أن تكون توزيع حقائب، والسياسة همّ بالليل وعمل بالنهار، وليست نزهة عابرة على شواطئ الوطن الجميلة وشعابه الممتدة في التاريخ والجغرافيا..السياسة أخلاق أو لا تكون!

4 / لا لسياسات التجييش واستعراض العضلات والحسم قبل الحسم واستباق العرس والعرسان، خوفي من أن البعض وهو يتمايل كالطاووس رفعة وكبرياء واحتقارا للأرض التي يمشي عليها ويستسقي منها، أن تفاجأه الأحوال والنتائج من حيث لا يشعر..، خوفي أن يكون البعض قد نسي أن الصندوق الانتخابي هو الفصل والفيصل، وما سبقه أمل وحلم وأحكام مسبقة وقراءات سياسية تخطئ وتصيب.

خوفي أن الجغرافيا وإغراءاتها قد أنست البعض التاريخ وفعله بأقوام ومشاريع وأفراد، فنظر نظرة في النجوم فقال أنا كبير اللحظة وكبير الحاضر والمستقبل، ونسي أن العلو السليم في الأرض، والتمكين الصالح المصلح، ليسا وليد شعوذة وقراءة فنجان، أو التعويل على المشاعر والعواطف لبناء الأوطان، ولكنه وعي كامل بمستجدات الواقع وقراءة سليمة له، عبر البرنامج والخطة والابداع، ومن خلال نظرة استراتيجية ثاقبة تستسلم لضبط المبادئ والثوابت من أجل المصلحة العامة في ظل رواق كافل من الأخلاق والقيم.

إن الحصانة الأولى والأساسية لمشهد سياسي سليم وواعد هو الإطار الأخلاقي والقيمي المصاحب له في البنيان، وليس قدرنا وقدر السياسة إجمالا أن تلتحف برداء الرداءة، والشعب التونسي في ثقافة ما بعد الثورة مهيأ ومؤهل لانغماس في مشروع مجتمعاتي يكون السياسيون وتكون السياسة بعد أن لفظها ورفضها، نموذجا عاقلا ورصينا في بناء ثقافة مدنية جديدة وتشكيل عقلية جديدة على أسس أخلاقية ومنظومة قيم حازمة.


2011-04-28