رسالة اللقاء [61]: بعد الأزمة الثلجية، علمني كيف أصطاد/ د.خالد الطراولي

 

عقود خمسة تمر، واستقلال سياسي يحل وحكومات تتوالى ورئيسان حكما البلاد شرقا وغربا وشمالا وجنوبا، كل البلاد تونس، وأهلها كلهم تونسيون ولكن...

سقطت من المعادلة جهة بأكملها أهلها توانسة يتكلمون لغتنا ويتسمون بأسمائنا ولنا نفس ألآباء والأجداد.. ترابها تونسي وهوائها تونسي بامتياز، تلك هي منطقة الشمال الغربي وتلك هي المعضلة الكبرى للاستبداد حين يتوارى وراء الثلوج والفقر المدقع. إن من أكبر الإساءات التي قام بها الاستبداد وأعظم المظالم التي أحدثها أن يخرج جهة بكاملها من التاريخ ومن الوطن.

مواطنون يعيشون تحت الصفر وهم تونسيون...أطفال لا يعرفون الأحذية المطاطية ونايك وأديداس، يحملون خفافا يقطعون بها الفيافي لاقتناص العلم، كيلومترات بين صقيع وثلوج...أكواخ كاسية عارية في تونس المعجزة الاقتصادية كما روج لها دون حياء النظام السابق، ونساء تونسيات يحملن أثقالا من الحطب والماء يوميا على ظهورهن وكأننا في أدغال إفريقيا أو هكذا يبدو للعيان...شباب دون مستقبل ودون أحلام لأن الكوابيس حجبت الرؤيا وعم الظلام المكان...

هذه تونس التي أورثنا إياها الاستبداد ولكننا لم نراها، أو تجاهلنا رؤيتها، هذه تونس التي نزع الثلج عنها كل الخبايا والخفايا ورمى في وجوهنا حقيقتها المرة...أنه على مرمى حجر من حينا، وحين نأكل خبزنا وإدامنا وحين نحتضن أبنائنا ونعيش مع أهلنا...هناك تونسيون لا يأكلون حتى الشبع، ولا يبيتون في الأصواف والحرير، ولا يستطيعون مداعبة أطفالهم بأيد خشنة وأعين تستحي من تلبية ما يريدون!

من "بركات" الثلج أن رمى في وجوهنا هذه الحقائق من إرث الماضي، ولكن يطرح سؤال اللحظة وماذا قدمتم لجزء من هذا الشعب من حلول...سنة كاملة ما بعد الثورة ولا تزال جهات بأكملها لم تر ثمرات هذه الثورة وقد دفعوا الثمن باهظا من أجلها...

لن يقول بعد اليوم حاكم أو محكوم، رئيس ومرؤوس، سلطة ومعارضة، أنه لم يكن يعلم، لم يكن يدري، فالأكواخ هنا، والفقر هنا، والمأساة هنا!

إن كراس المرحلة اليوم هي المبادرة والعمل بسرعة دون تسرع، هي طرح سلم في الأولويات بين الجهات والأحياء والبقاع. لا سياسوية في إنقاذ شعبنا، لا حزبية مقيتة في الأخذ بأيد منكوبة، لا طموحات شخصية أمام كوارث يتعرض لها شعبنا.

إن مسؤولية الحكومة مضاعفة ولاشك فهي في الحكم، مسؤولية أخلاقية ووطنية ولا نخالها تجاهلتها، وهي التي تتحمل الثقل الأكبر في معالجة هذا الحدث في عمقه الهيكلي وليس الظرفي، لن نترقب كارثة أخرى حتى نستفيق، نعم للإعانات ولكن لا للترقيع، نعم للاعتمادات التي تدخل في برنامج تنموي استراتيجي لإخراج هذه الجهات من درجة الموت التي تعيشها. ومن هذا الباب الاستراتيجي يدخل دور المعارضة وأطراف المجتمع المدني للخلاص.

بصيص من حرارة، بصيص من أمل يجعلنا نأمل، بصيص لم تأت به حكومة ولا معارضة، لم يأت به حزب أو ائتلاف، بصيص حملته أياد تونسية من كل الأصقاع خارجا وداخلا، فقراء وأغنياء، رجال ونساء، اندفعت بكل ما استطاعت من قوة لإنقاذ إخوة الوطن والدين والإنسانية. جحافل من نور ودون عنوان، حملت مشعل التضامن والعون، شعارها التونسي للتونسي رحمة دون نفاق أو تلكؤ أو حساب أو رتوش، وولجت أبواب البرد والثلج وهي تحمل الابتسامة المريحة والحرارة الأخوية والسند المعنوي والمادي، مواطنون إيجابيون، مفخرة لتونس الجديدة وبصيص أمل في مستقبل واعد إذا عاش الجميع من أجل تونس حتى تبقى تونس للجميع. لا تعطني سمكة فقط ولكن علمني كيف أصطاد!!!

*رئيس حركة اللقاء  والناطق الرسمي لحلف الجماعة www.liqaa.net فيفري 2012


2012-02-14