رسالة اللقـــاء [73]: مجتمع الافلاس الاخلاقي والحاجة الى ثورة اخلاقية/د.خالد الطراولي

 

كلما مرت الأيام تباعا إلا وازددت اقتناعا بأن المجتمع التونسي يعيش في عديد زواياه أزمة أخلاقية مدوية، وانهيارا قيميا مفزعا...ترى ذلك وأنت تعبر الطريق، وأنت في الحافة، وأنت في السوق...تلمس ذلك وأنت تبتاع وتشتري وتتعامل مع الأجير ومع المدير...تلاحظ ذلك في علاقة النخبة بالقاعدة والخاكم بالمحكوم...ويسقط الرمز والنموذج وتتورط القدوة وتعلو الأصبع متهمة عازفة ويحدث المحظور...

كلما ازددت قربا من هذا المجتمع وغوصا في تفصيلاته وفي حراكه إلا وازددت يقينا بأن المشروع الأخلاقي هو الحل، وأن أي تغيير يرتجى لن يكون له تواصل وثمرة طيبة وبقاء دون هذا التمكن الأخلاقي في نفوس الناس و سلوكياتهم ومعاملاتهم!

كلما لمست عن قرب العلاقات الاجتماعية واحتككت بسبل التعامل بين أفراد هذا الشعب إلا وقفت على انحطاط أخلاقي وزور وغش وخيانات وسقطات مدوية تنخر هذا الكيان وتدفع به إلى القاع!

ليس الإستبداد إلا منظومة تعامل وسلوك لها ثقافتها التي تتشكل عليها ممارسات الإنهيار والسقوط الأخلاقي. والاستبداد معادلة فساد وإفساد يتقاسمها المستبد بفساده والمجتمع برضاه وتقبله بقوانين اللعبة، وحين ينهار الاستبداد يمكن لثقافته ومنظومته التواصل والبقاء بدون رأس ولكن بجذوره الممتدة في أعماق المجتمع ومخياله.

لن يكون الحل المادي كافيا لنمو مجتمعاتنا وازدهارها ولن يكون الحل مختزلا في ثورة خبز وماء، ولكن في ثورة أخلاقية عارمة تمس الجذور وتعيد صياغة العقل الإجتماعي التونسي، ولن يكون لثورة 17 ديسمبر أي معنى ولا بصمة دون الإحساس بأن شيئا قد تغير في أخلاق التونسي ومعاملاته...

ليست الثورة تغييرا ماديا فقط ولكنه تغيير لمنظومة القيم والأخلاق نحو أفق جديد ومختلف جذريا، وليست الثورة نقطة مفصلية بين حال وحال إذا لم تكن تغييرا في السلوك والممارسة والتعامل بين الناس...

إن الثورة لن تكتمل أو لم تبدأ إلا بثورة في الأخلاق والسلوك يقف على بابها المجتمع بكل أطيافه ومؤسساته، ومن أهمها الدولة عبر قوانينها وبرامجها ومخططاتها ونموذج رجالها في الحكم والممارسة. إن مدرسة الشارع ومدرسة العلم ومدرسة الثقافة ومدرسة الإعلام ومدرسة الأسرة يمثلن هذه الكيانات الأساسية الحاملة للتغيير والمنزلة فيه.

إن الثورة الأخلاقية المرجوة لا تحمل بعدا اجرائيا فقط ولكنها تتنزل في إطار حضاري أوسع تتجاوز فيه منزلة الوطن والمجموعة الضيقة لتتنزل في مستوى النقلة الحضارية الممتدة، لأمة مازالت ترنو إلى عالمية اسلامية ثانية، لن تكون بوابتها السليمة والناجعة إلا أخلاقية قيمية بامتياز، عبر منظومة جديدة للأخلاق والقيم تكتب على الورق وتمشي في الأسواق، كما كان منهجها الأول وينبوعها الصافي "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق"


2013-06-28