رسالة اللقــاء [76] : العلماء والمتساقطون على طريق الثورة/ د.خالد الطراولي

 

هل أصبح الربيع العربي حلما ضائعا بين الشجون والأحزان؟ هل انتهت قصة الإنسان ذلك المجهول في بلاد العرب إلى كابوس؟ سنحكي يوما لأحفادنا ولا شك هذه القصة ولكننا لن نقف عند السؤال لن نحذف منه محطة هامة وموقفا غريبا عجيبا رافقنا في دربنا الطويل في البحث عن الحقيقة... ذلك هو موقف العلماء!

دخلوا علينا بيوتنا وأشبعونا ذكرا ونصحا، ذرفوا دموعنا وذكرونا بالدين قبل الدنيا، أكثرنا عرف الإسلام وشعائره قبل ذلك، لكن عربدة الاستبداد وغلقه لمنافذ القيم والاخلاق وتجفيف منابع التدين أعانهم على صولاتهم وجولاتهم، فوجد الكثير في علماء الفضائيات بين غثهم وسمينهم ملجأ وسندا وجاءت الصحوة الثانية رقراقة تحمل في ثناياها كثيرا من السلب والإيجاب والذي ليس محل هذا المقال...

وجاءت الثورة وتبعتها فتن وبلاوى تجعل الحليم حيران، وباغتتنا الثورة المصرية بانقلاب واضح المعالم والأفق، بمساندة ضخمة وممنهجة لإعلام الفلول وأموال الفاسدين، ورافقه قتل واراقة دماء بريئة ومن عودة الى المربع الأول، ودخل السجن رئيس منتخب وغادره رئيس مستبد... كانت فتنة عاتية تلزم الجميع بمواقف واضحة شعارها استلهام لقولة نببوية مباركة نقول للمحسن احسنت وللمسيئ اسات ونقف مع المظلوم ونشهر ونردع الظالم...

تعس الحياد حين يكون ملطخا بالدماء، و تعس العُبّاد في محاربهم ان كان السجاد يخفي عذابات المظلومين والمكروبين، وتعس علم الرجال وفقههم إن كان مؤداه شهادة زور وفتوى بإباحة دم الأبرياء.

خرج علينا بعض الدعاة سامحهم الله، والحمد لله في هذا التبغيض لأن الخير في هذه الأمة الى قيام الساعة، وأدلوا بدلوهم، ماء مرّ كالحنظل، منهم من دخل بيته وأسدل ستاره وأخذ مسبحته وأغمض عينيه وصمّ اذنيه حتى لا يسمع الأنين ويرى الدماء فينتفض ضميره، ومنهم من وقف على الربوة ينتظر الى أين تميل الأسهم، ومنهم من اعتلى منبره وزيّن ودعّم وأفتى بجواز سقوط الأبرياء وسيلان الدماء ودعا للظالم ونكل بالمظلوم...

هي فتنة ولا شك ولكنها تمحيص بين القراءات والمواقف مبني أساسا بين وعي محدود، وعلم منقوص، وتدين مغشوش...حديثنا ليس فيه تخوين ولا تكفير ولكنه مئاخذة على أناس ظننا اننا استكملنا ديننا برؤية وجوههم وسماع اصواتهم، هي قرائتهم التي اجتهدوا فيها حيث اجتهدنا ولكننا نراهم أخطأوا السبيل!!!

الثورة مسار تبنيه الشعوب قبل نخبتها، واذا اعتلّت النخبة وتساقط بعضها في الطريق فلن يسقط البناء ولكن يدعمه حتى وان خُيّل انه تعطل او توقف، ومحطات التمحيص والغربلة هي جزء من المسار الثورى وليست مسقطة عليه.

الثورة موجة عاتية تاخذ في هيجانها الصخور والأحجار ولكنها في مسارها تجعل الزبد يذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض، وصدق المثل التونسي الجميل "ما يبقى في البير كان حجرو"


2013-08-16