رسالة اللقاء رقم [1]: السياسة أخلاق أو لا تكون /د.خالد الطراولي

السياسة أخلاق أو لا تكون
بقلم د. خالد الطراولي
ktraouli@yahoo.fr
قيل لنا ونحن نعبر هذا المسار الجديد في حياتنا أن السياسة موطن متميز بازدواجية الخطاب وبالضحكات الصفراء بين رفاق درب أو أصحاب فكرة، تغلب عليه الطعون والاستفزازات من كل جانب وفي كل حين..،
قيل لنا أن عناوين الصفاء والإخلاص والمروءة ليس لها منازل تحملها في حيّ” السياسة..!، قيل لنا أن القيم والأخلاق صفحات في كناب مفقود في السياسة… قيل لنا أن السياسة بحر لجيّ، الداخل فيه مفقود والخارج منه مولود، من دخله معافى سقم، ومن دخله سقيما زاد سقمه وقلت عافيته!
قيل لنا أن السياسة لا تعرف المثالية، ليس هناك صديق أو أخ في السياسة، ولكن رفيق درب وصاحب محطة أو مرحلة، حليف الأمس هو منافس اليوم، ولعله عدو الغد!
قيل لنا أن مهاتفتك أو مصافحتك لأحدهم هو موقف سوف يحسب لك أو عليك، ولو كان هذا الهاتف أخلاقيا، إنسانيا، ووطنيا أو هذه المصافحة شرعية، أخوية، أردتَ بهما رضاء الله قبل رضاء الناس، أردتَ بهما التعبير عن مكنون صادق يتجاوز الحسابات الضيقة ويرمي بها بعيدا في زبالة الرذائل والشرور..، أردتَ من خلالهما التعبير عن صداقة، عن مودة عن أخوة وكفى!
كنا نعلم ونتفهم أن السياسة إطار للتنافس النزيه من أجل الصالح العام، كلنا لا يغيب عنه و كما يراه الجميع، أن العمل السياسي مطية للسلطة والتغيير، وخدمة الشعوب وتحسين أوضاعها، وهذا ليس عيبا في ذاته، لكن العيب والجارح هو أن يصبح هذا الهدف لعنة على الآخرين، أن تصبح هذه الغاية الشريفة مطية لدوس الآخر وإسقاطه وقتله سياسيا، وتستعمل في ذلك كل الأدوات علنا وسرا من أخلاق وأعراض واجتماع وأسرة، والتي تصبح جائزة عند العقول المريضة والنقول المشوهة،
هذه الكلمات التي سبقتنا وسابقتنا، لم تكن في الحقيقة غائبة عنا، لم نكن غائبين عن المشهد السياسي إجمالا في صغرنا وكبرنا، كانت الملامسة والمتابعة وحتى معايشته عن قرب في بعض الأزمنة جعلنا نعلم الكثير عن أزماته ومظاهره السلبية، كنا نسمع ونرى ونقرأ بين السطور أو من وراء خفايا الحديث الطعون والغيبة والازدواجية وذا الوجهين
ما يريح الضمير ولا يسقط الأمل أن السياسة ليست شر كلها، ما يثلج الصدر أن الكرماء ليسوا قليلا، ما يدفع على العمل أن الإطار لا يطفوا فقط بالسلبيات وأنه لن يكون في النهاية إلا تعبيرا مباشرا لعقلية التونسي عامة وسلوكه وثقافته، وكما تكونوا تكون معارضتكم ويكون حكامكم، وليست السياسة إلا ظاهرة من الظواهر التي تصطبغ بحالة التونسي إجمالا سلبا وإيجابا. وتغيير عقلية السياسي نحو الأفضل والأصلح يبدأ بتغيير عقلية التونسي وإعادة تشكيلها، وتغيير مفهوم السياسة والعمل العام ليس إلا جزء يسيرا من التغيير الجامع.
هل نعود من حيث أتينا ونقول رحم الله من عرف قدر نفسه؟ هل نترك الغابة للسباع والذئاب ونصعد صومعتنا ونغلق بابنا؟ هل نلعن السياسة والسياسيين وندخل المحراب ونلبس الأكفان ونطرق باب التصوف والزهد ونغادر الدنيا وهمومها ونعدّ أنفسنا للآخرة؟ أم نقول: “نحن لها، “ومن لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم” و”من لم يرد صعود الجبال يعش أبد الدهر بين الحفر!”"
رحلة المضيق ومشوار من زجاج
هذه المناطق السوداء التي تحف بالفعل السياسي وتؤثر على إنتاجه وفعاليته لم نكن غافلين عنها ولكننا عزمنا أن ندخل المشهد السياسي التونسي بمثاليتنا، أردنا أن نشق عبابه بآية قرآنية سهلة في سردها، عميقة في معناها، تجمع الفرد والمجموعة، وتتعدى زمن الدنيا إلى الآخرة…” قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين” [الأنعام 162]…
كل حركة، كل لحظة، كل فعل، يجب أن يعاش لله، وهذه مثاليتنا في الحياة، وليست السياسة إلا حالة يعيش فيها الإنسان حلقة من حلقات هذه الحياة، ولن نخرج من هذا “الكل” لله.. كانت غايتنا ولا تزال هو تخليق الفعل السياسي رغم تشعب الظاهرة السياسية خصوصا والظاهرة الإنسانية عموما، كان هدفنا أن ننزل إلى غابة ولا نحمل معنا غير الكلمة الصادقة والكلمة الطيبة والكلمة الحرة والكلمة الشفافة، مهما علا صوت الذئاب وزادت تكشيرات السباع..، عزمنا أن نحمل قيمنا معنا وأن لا نتركها على رفوف المكتبات الخاصة والعامة، أو بين صفحات كتب صفراء باهتة، أو نحلق بها في السماء، وأردنا أن نعيشها في إطار جديد يلامس الواقع ويحتك بالإنسان ذلك المجهول..!
وكان اللقاء الأول صعبا، كان “الصديق” بالمرصاد، وكان “المنافسبالمرصاد، وكان “العدو” بالمرصاد! شعارنا الذي استظلينا تحته كان خندق الدفاع ومتاريس الوقوف، شعار الكلمة الطيبة والصمت هو السبيل، والكلمة موقف والصمت موقف.
تفهمنا “الصديق” وسنتفهمه دائما، والتمسنا له الأعذار (التمس لأخيك عذرا إلى سبعين عذر[حديث شريف] ) ، فهو إنسان قبل أن يكون صديقا، وبشريته تضعه في موضع الغبطة وأكثر، ويكفينا أنه صديق…!
تفهمنا المنافس وهو يسعى إلى خدمة بلده ويسهر الليالي على حساب الأهل والصحة رغم أنه أخطأ طريق الاختلاف والمنافسة، ووجدنا فيه كثيرا من المحاسن التي تغطي عليه ولا تبرر غلبة سلبية التجريح والاستخفاف.
ووجدنا للعدو مبررا، فيكفيه مبررا أنه عدوك وتفهمنا وضعه الذي لا يحسد عليه من قبلنا… ومن ضربنا على خدنا الأيمن، لن نمد له خدنا الأيسر ليضربه ولكن لن نقابله بالضرب ونفضل الانسحاب بهدوء والصمت، والصمت التزام وموقف إذا لزم ذلك، أوالكلمة الصادقة والموقف الواعي والرصين إذا كان ذلك مجديا.
سوف نكون واضحين مع أنفسنا قبل أن نكون مع الناس، لسنا ملاكا ولا ندعي الطهرية والنقاوة، ولسنا في مجتمع الملائكة، وكل فرد أو مجموعة تحمل نصيبها من السلب والإيجاب… ولكن ليس عيبا أن يتطهر الإنسان، ليس عيبا أن تحمل مجموعة في جعبتها قيما وأخلاقا، ليس عيبا أن يرنو المشروع إلى الطهر والنقاء تنظيرا وممارسة!
قيل لنا أن لغة المصلحة هي الغالبة في الفعل السياسي وأن المبدئية يجب تركها عند المدخل… وكأن المصلحة والمبدأ بحران لا يلتقيان، هذا ملح أجاج، وذاك عذب فرات. ونحن نرى أن خيمة التعقل والمصلحة العامة يمكن أن تجمعهما، ولقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مبدئيا في حياته وفي مشروعه ولم يتخلّ يوما عن مصلحة قومه ونجاح أفكاره، كان صلح الحديبية مصلحة للناس من ضفته ومن الضفة المقابلة، ومبدئية في الإنصاف والحلم والصبر والتعقل والمروءة. وكان دستور المدينة مصلحة للمواطن المدني أيا كان لونه ودينه وطائفته، وكان مبدأ في حقوق الإنسان والرعية وحقوق “المواطنة”.
إن عالم المثل والمبادئ يبقى حلما أو طوباوية زائفة إذا لم يلامس الواقع ويعيش آلامه و أحلامه، ولذلك سوف نجمع القوة والأمانة، واقع ومثل، أليس خير من استأجرت القوي الأمين”. ولن يبرر عنف الفكرة المقابلة أو بشاعة موقف المنافس لا أخلاقية الرد أو السقوط والتجاوز، وكم كانت الفكرة بشعة جهنمية وكان الرد إنسانيا واعيا لا ينفلت عن منظومة القيم التي أقامهافرعون يدعي الربوبية، والرب يبعث له رسولين “فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى” وهو يعلم في علم الغيب أن فرعون سيظل رافضا متعنتا!
لن نلغي المآلات أو النتائج بالمفهوم العصري عن سياقنا، فستبقى محددا لفقه المقاصد وصلاحية الموقف أو الفكرة وصلوحيتها… لم يهدم النبي الكريم، صلى الله عليه وسلم، الكعبة الشريفة ويعيد بناءها، رغم أنه أفضل لها وأمتن، حتى لا يحدث بلبلة بين الناس، فيتهمش ما هو أهم، ويهيمن الأقل أهمية وينحرف المسار، ويسقط مشروع حضاري كامل من اجل ترميم حجرات في بناء، حتى وإن كان هذا البناء إسمه الكعبة المشرفة ” لولا حدثان قومك بالكفر لفعلتكما يرويه مالك في الموطأ.
هذا هو السبيل الذي ارتأيناه في مشروعنا فحملنا معنا في مزودنا منظومة من القيم نحسبها تصلح في السياسة كما تصلح في غيرها، وأنها ليست حكرا على أحد، ولا ندعي فيها أستاذية ولا أسبقية وهي ليست سقوفا تعجيزية أو مثالية زائفة. وكما يقول باقر الصدر رحمة الله عليه : “إذا كنا لا نسع الناس بأموالنا، فلماذا لا نسعهم بأخلاقنا وقلوبنا وعواطفنا

2005-12-08