في الذكرى الأولى لتأسيس "اللقــاء" / الطريق الثالث / الجزء الثاني


أين الخلل ؟
تمنينا أن تكون اللوحة وردية لا يشوبها رماد، لكن أماكن الخلل تجعلنا نتواضع ونضع النقاط على الحروف ونترك مجال الأماني غير متحسرين... نزعم أن تساؤلات يجب أن تطرح حول مسيرة اللقاء عسى أن نحاول تجاوزها مستقبلا والبناء على قواعد سليمة وناجعة، وهي تتمثل في المضارب التالية :
* أين الداخل والوطني في صورة التغيير التي يعمل ضمنها اللقاء الإصلاحي الديمقراطي؟
* هل وصلت المصالحة التي هي عنوانه إلى طريق مسدود ؟
* هل أصبح خطاب اللقاء واضحا وميسّرا لدى العامة، وأين تميّزه عن بقية الأطروحات ؟
* هل مرجعية المشروع الإسلامية غابت في ثنايا إنسانيته وديمقراطيته ومدنيته ؟
المهجر والداخل الثنائية العابسة
تطفح على الصفح مجددا علاقة الداخل بالخارج، وقد تعرضنا لها سابقا في المقالات التوضيحية التي أعقبت البيان التأسيسي، وبعد عام من التواجد وجب سرد الملاحظات التالية التي تشكل فرضيات فهمنا للعلاقة بين المهجر والوطن :
* الداخل هو أساس العمل والنضال والبناء ولم نقل أبدا عكس ذلك.
* الهجرة موطن استثنائي، ألزمت ظرفيته حالة غير سليمة داخل الوطن.
* العمل المعارض داخل الوطن يختلف عن مثيله خارجه.
هذه المنطلقات الفرضية هي أساس فهمنا للعمل المعارض من خارج الأوطان، لقد ألقينا نظرة من نافذة المهاجر على الوضع التونسي فوجدناه مشهدا مكبلا مغلقا لا يسمح بأي عمل معارض ويصادر ويقصي كل مظهر من مظاهر الاختلاف، فوجدنا أنفسنا أمام معظلة ذات ثلاث زوايا :
* البقاء على الأعراف والانسحاب من الإطار والموت البطئ خارج الوطن أو والالتحاق بقافلة السكون والأمل الكاذب ولما لا العودة ولعن السياسة والسياسيين وأن نصبح "خبزيسة" خارج الإطار.
* أو الالتحاق بمعارضة الديكور وإقناع النفس بأن العمل المعارض هو عمل داخلي أساسا ولو كان الإطار الحامل له إطارا باهتا لا طعم له ولا رائحة لا يسمن ولا يغني من جوع يكبل المشهد السياسي ويزوره ويكون سندا للاستبداد.
أو الانطلاق في بناء طريق آخر، طريق ثالث لمشروع معارض خارج الوطن يتنفس حرية المكان ويسعى إلى بلورة طرح نظري وممارسة مهجرية مع أبناء الوطن المهاجر في انتظار تهيئة المكان.
لقد قرّرنا عدم الموت، وقرّرنا عدم النفاق والتزوير، قرّرنا دخول هذه التجربة ولو بعيدا عن الوطن، رأينا أن الحرية هي أساس الحياة أساس الوجود وأن خلافها العدم. لقد رأينا في السنة الماضية وما قبلها خروج إخوة لنا من مساجين الرأي والحرية من سجنهم الصغير إلى سجن أكبر، لا صوت فيه ولا كلام... مُنعوا من الحديث، من الرأي، من الاتصال ولم نقل تكوين أحزاب، حتى أصبح منهم من يريد الخروج ومغادرة الوطن ليتمكن من استنشاق نسمات الحرية، والتعبير عما يكنه فؤاده وتحتفظ به ذاكرته وينوي فعله من أجل سعادة الوطن الجريح. كان أملهم أن الاختناق انتهى بخروجهم من السجن، فإذا بهم في سجن أكبر لا يقل إيلاما وألما عن سابقه، سجن الأفواه فيه مكممة، والأصوات معدومة، ومن تنطع وأراد تسلق السياج فإن حياته وحياة أسرته، عرضه وشرفه كله معرض للخدش والسقوط !
ولكن رغم هذه التبريرات يبقى العمل الداخلي هو الأصل وما سواه إلا حالة استثنائية ونحن في اللقاء نتفهم هذا الوضع غير السليم ونعتبره أحد سلبياتنا ونحن عاقدون العزم مستقبلا على بلورة أساليب حضارية مدنية وسلمية للتواجد على أرض الوطن، رغم أن نسمات الحرية التي نستنشقها في هذه البلاد الطيبة تعيننا على استكمال البنيان.
والعمل المعارض خارج الوطن ليس بالمريح إطلاقا ولا يذهب البعض إلى أنه استلقاء وراحة وتتبع للأحداث من وراء الشاشة وعلى أريكة في قاعة الجلوس وأمام فنجان من الشاي... العمل المعارض هو همّ بالليل وهمّ بالنهار، هو مساندة للداخل المكمّم الأفواه والآذان، ومحاولة مساندته بالعريضة والاتصال والبيان، حتى لا يظن الاستبداد أنه استفرد بالضحية في الظلام وبدون شهود عيان... العمل المعارض خارج الديار ليس عملا ثانويا ولكنه الأصل في حياة الفرد بعد عمله الذي يرتزق منه والذي لا يجعله يسقط في المذلة والهوان... إن عملنا المعارض هنا كان ولا يزال على حساب الزوجة أو على حساب الزوج والأطفال، ونحمد الله أن سخر للكثير منا زوجات صالحات أو أزواج صالحين صبروا علينا وسمحوا لنا بمواصلة المشوار... إن اللقاء وهو في ديار الغربة لا يزال يسعى بكل ما أوتي من وقت ومساحة إلى بناء بيته واستكمال رؤيته وخطته من أجل تونس الرفاهة والتغيير.
المصالحة عقم أم طريق الأشواك ؟
لا نخفي ظاهرا أن اللقاء الإصلاحي الديمقراطي قد جعل من هذا الهدف مبدأ ثابتا في برنامجه، ولا نزال نذكر بأن المصالحة التي عنيناها هي عودة المشاريع المغتربة والمشردة والممنوعة وليست انهزاما وتذللا والرضا بالعودة إلى الأوطان مكسوري الجناح، أو تقزيم المشروع وتحجيمه أو تنحية بعده السياسي، والرضا بتواجد الأشباح والظلال الثابتة وأكل الفتات على موائد غير كريمة... ليست المصالحة كما عنيناها خلاصا فرديا على حساب المشروع، ولا نجاة للمشروع على حساب الأفراد، فلا وجود سياسي حر للأفراد خارج مشروعهم الذي آمنوا به وحبسوا أو تشردوا من أجله وباعوا النفس والنفيس لحسابه، ولا تمكّن للمشروع بدون أصحابه وهم الذين خاطوا ثيابه وزينوا عرضه وسوقه، وعايشوا ولادته ونموه ومحنه.
هذه هي المصالحة التي عنيناها  وهو تحد تجاه السلطة التي ترى المصالحة نجاة فردية للأفراد وتصحيح وضعياتهم، وهو تهرب من حل المشكلة وترقيع لا يفيد ولا يعالج جوهر المأساة. ولذلك كانت  المبادرة السياسية التي أطلقناها منذ 3 سنوات حول المصالحة بين المشروع الإسلامي والسلطة في تونس، والموجود نصها على موقع الحركة، كان أحد بواعثها الأساسية هي محاولة جذب المشروع من السقوط في الخلاص الفردي الذي انتشر في ذلك الوقت.
ولكن رفض الضفة المقابلة لهذا الصنف من المصالحة وتهميشها والتصعيد الذي ما فتأ يغزو المكان ولا ينجو منه أي طرف يريد مواجهة الاستبداد، لا يعني بالنسبة لنا نهاية هذه المنهجية وعدم سلامتها، فهذه الطريقة التي انتهجناها في سلميتها وحضاريتها ومدنيتها ليست مرتبطة بظرف أو مرحلة بل هي مبدأ ثابت في برنامجنا ونحن لازلنا نراهن عليها وعلى وجود أطراف في الضفة المقابلة لعلها لازالت أقلية وصوتها غير مسموع، على الإصغاء والتفاعل معها.
ولكن إلى متى ؟ وهو تساءل منهجي ومعقول وهو يمثل هذه المراهنة على شيء من المجهول الذي يحمله الفعل السياسي إجمالا، خاصة مع تراكم أفعال الصدّ والرفض والترويع والإقصاء. إننا وجدنا أمام هذه المنهجية طرقا أخرى مختلفة ومنهجيات متعددة، منها ما يتكامل مع طرحنا وتوجهنا، ونراه طريقا آخر للبناء، ووجدنا طرقا لست أدري مدى حكميتها ونجاعتها وسلامتها، وجدنا من يدعو مرارا وتكرارا إلى الخروج، والجماهير تدير بوجهها وتفضل الدخول، وجدنا من يدعو إلى الثورة وهو لا يمسك أي حبل فيها...
وجدنا في الحقيقة عدم فهم كلي لعقلية التونسي وإدراك لثقافته، وعدم وعي بمحيطه وحرق للمراحل، تدفع إليه في الكثير من الأحيان تسرع لقبض الثمرة دون تحضير التربة لولادتها ولا تهذيب الأيادي لجنيها ! فاخترنا في نظرنا الطريق الأسلم والأنجع ولعله الطويل المدى ولكنه يسعى إلى البناء بهدوء وتأني وفهم ولو كان متواضعا لثقافة التونسي وميزاته، وسعي لتشكيل عقلية الرفض والمقاومة السلمية، وعدم حرق للمراحل من غير مساومة على المبادئ أو محاباة للاستبداد.
ماذا عن خطاب اللقاء ؟
تمر سنة إذا ونحن نحاول عبر البيان والعريضة والمقال والقصة والخاطرة والقصيدة والكلمة المباشرة إلى سبك خيوط خطاب اللقاء الإصلاحي الديمقراطي والدفع به إلى ميدان التواجد أولا وعدم التلاشي ثم العدم، وثانيا إلى التميّز حتى لا يكون نسخا لآخرين، فلا نأتي بجديد ويظل الأصل مفضلا على المنسوخ فنهمَّش ويطالنا البرود. هذا التحدي الذي وجدناه يحيط بنا ونحن نحمل عديد المعيقات، تواجد في المهجر، تهميش وإقصاء، نظرات الريبة والتوجس...، هذا التحدي جعلنا نمشي في طريق غير مفروشة بالورود، لا نريد أن نبني خطابنا على ردّات الفعل أو على الاستفزاز والإثارة، ولا على الخبر المدهش والسبّاق (scoop) ، ولا على عنتريات لا أساس لها، ولا على لفّ ودوران لملئ الإطار بالخواء.
التميز الذي ينحو إليه اللقاء في خطابه وممارسته والذي يعبر عنه شعاره هو هذه المسحة من الأخلاق والقيم التي تشكل أساس تواجده وأساس تواصله. فالمنظومة القيمية التي يحملها اللقاء في خطابه وبرنامجه ليست طفرة أو ديكورا أو ردة فعل متأخرة لحالة السقوط الأخلاقي التي تمر بها البلاد، ولكنها الأصل والإطار والمنهج والهدف الذي ينبني عليه برنامجه. إن المرجعية الإسلامية التي تشكل إلى جانب الديمقراطية مرتكزات فعل اللقاء وتنظيراته يسرت لنا استلهام هذه المنظومة من القيم الإنسانية التي يحفل بها مقدسنا واجتهادات سلفنا ومواثيق حقوق الإنسان.
لقد آمنا بأنا رجل السياسة يحمل على منكبيه حلم الوطن، ولا سبيل إلى أن تكون الثمرة طيبة إذا لم يكن حاملوها طيبين، وإلا فإن تغيير الوضع الحالي لن يكون إلا تعويضا مغشوشا وتغييرا لا يتجاوز الطلاء، فنعوض الاستبداد بالاستبداد، والفساد بالفساد " وشِدّ مشُومِك لا يْجِي ما أشْوَم مِنُّو" ولذلك وضعنا في موقعنا على النات لوحة ثابتة تحمل عنوان "ميثاق السياسي" وهي رباط والتزام نحو السياسة والسياسيين والوطن والمواطنين بأن السياسة قبل أن تكون برامج وكر وفر وتنافس هي أخلاق أو لا تكون.
التميز الثاني الذي يحمله خطابنا وفهمنا للسياسة ودورها في إسعاد الناس هو الهدف الأسمى الذي لا نريد إخفائه ولا نسعى إلى الحياء منه هو الهدفية الربانية لفعلنا السياسي، فكما نريد أن نعبد الله شعيرة وطقوسا فإنا نرى أننا يمكن أن نعبده سياسة بما تحمله السياسة من خدمة الناس والوطن وتيسير عيشهم وإعانتهم على رفاهتهم الروحية والمادية. هذا البعد الروحي في خطابنا لا يحمل أي قدسية أو معصومية أو طهرية استعلاء، ولكنه بناء يستظل الهدفية الربانية ويعطي للخطاب كثيرا من النزاهة والفعالية ويخفف من وطأة النرجسية والأنا وحب البروز والتفرد والاستعلاء.
هذا القرب من خدمة المواطن الإنسان عبر هذا الإطار القيمي والأخلاقي والروحي، يدفع بنا إلى تميز ثالث هو إنسانية هذا الخطاب وديمقراطيته ومدنيته حيث تغيب العنصرية والجهوية والفئوية ولا يبقى غير الإنسان كمواطن، فتنجلي المواطنة في حقوقها وواجباتها كأساس العلاقة بين الفرد ومحيطه. لذلك فمرجعيتنا الإسلامية والديمقراطية هي الدافع إلى مدنية رؤانا وإنسانية خطابنا واجتهادية طرحنا، فلا قدسية لفكر و لا عصمة لمفكر، ولكنه اجتهاد يحمل في طياته تجربة الخطأ والصواب. وهذه السمات التي يحملها خطاب اللقاء الإصلاحي الديمقراطي سوف تجد أثرها كاملا وبصماتها واضحة، في برنامجه السياسي ورؤاه الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
لعل البعض سوف يشير إلينا بأصابع المثالية في طرحنا ولعله يرانا موغلين فيها، ولعله محق في ذلك، ولكننا نؤمن أنالجانب الأخلاقي في طرحنا وهو ركيزة وهدف كل أطروحاتنا السياسية والاقتصادية والاجتماعية، فإننا نحمله من منطلق مبدئي الذي يتجاوز التاريخ والجغرافيا والتكتيك، فإذا كانت السياسة اليوم بدون أخلاق كما نراها تصول وتجول، فليس مطلوبا أن نجاري التيار ونتخلى عن مبادئنا وقيمنا من أجل لقمة أو عطاء، وبالتالي لا يعني إذا كان الجار لعّانا أن نكون لعّانين، وإذا كان ابن العمّ مخادعا، أن نكون مخادعين، وإذا كان الصديق غشّاشا أن نكون غشاشين، وإذا كان المنافس راش أن نكون راشين، وإذا كان العدو ظالما أن نكون ظلمة وجائرين.
إن هذه الميزة التي نحملها تجد أصولها في تاريخنا في تعامل الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم مع من حوله... كان سياسيا ليس في الديوان أو في السوق فحسب، ولكنه كان سياسيا في المحراب سياسيا في المسجد، ولم يتخل يوما عن مبادئه ولم يعمل ضد مصلحة قومه ولا ضد الصالح العام.
ختــاما
هذا هو الطريق الثالث الذي وددنا رسم معالمه في هذه الذكرى الأولى للتأسيس، وعسانا كنا واضحين ولم نطل على القارئ العزيز والمواطن الوفي، ولا شك أن تساؤلات أخرى غابت عن طرحنا ونسيها قلمنا، وسنواصل الاستماع وقبول النقد والمراجعة، فهذا البناء الذي نريد إقامته هو منكم وإليكم، إن رأيتم فيه حسنا فأعينونا على تنميته ونجاحه، وإن لاحظتم اعوجاجا أو انحرافا فلا تبخلوا علينا بالنصح والإفادة والتذكير..، إن وافقتمونا فأبواب اللقاء اًلإصلاحي الديمقراطي مفتوحة للجميع، في هذه الرحلة الطويلة مع الوطن العزيز، نبني مع بعض ونجتهد مع بعض، وإن رأيتم غير رأينا فحلمكم علينا، ومحطات اللقاء كثيرة، ولا شك أن ما يجمعنا من أجل تونس وأهلها الطيبين أكثر مما يفرقنا... إننا نعتقد أن رحلة البناء مازالت طويلة وشاقة، أو لعلنا لم نبدأ الرحلة بعد !
ـ انتهـــى ـ


2007-06-21