وثيقــة تــاريخية : حول المصالحة بين المشروع الإسلامي والسلطة التونسية


 د. خالد الطراولي
منذ مدة من الزمن بدأت تظهر على السطح محاولات وأحاديث من بعض الإسلاميين المغتربين حول مااصطلح على تسميته حينا بالمصالحة مع السلطة وحينا آخر بتسوية الوضعيات. وهي تعني في أغلبها محاولات فردية لتصحيح حالات شخصية، ومعاودة ارتياد تراب الوطن، بعد غياب اضطراري طال بالنسبة للبعض أكثر من عقدين من الزمن. وقد استطاع بعض الأفراد على ما يبدو في تخطي هذا الباب وتسوية وضعياتهم، المبنية أساسا على تنحيهم عن النشاط السياسي فكرا وممارسة، وتفرغهم إلى الاعتناء بأسرهم وأحوالهم المعيشية، والابتعاد الكلي عن التطرق للسياسة وأحوال البلاد وهمومها. ويبدو أن هذا المشوار، رغم محدوديته قد بدأ يلقي بظلاله نحو مواقف اليأس والفتور والإحباط ، مما يملي ضرورة التعامل الرصين والجاد معه، لدفعه إلى رحاب أوسع وأعقل، وأكثر مردودا جماعيا وشعبيا للبلاد والعباد، رغم شبه التعتيم واللامبالاة المفتعلة من بعض الأطراف.
إن بقاء الظاهرة في السراديب الباريسية والسويسرية، وانحصارها في بوادر فردية متعددة، وعدم إخراجها إلى السطح، وعدم التعامل معها بصفة علنية وحضارية، مجلبة لمزيد الاستفحال والتنامي بعيدا عن أي مكسب حقيقي يطال الفرد والمجموعة والمشروع على السواء، ولا يعطي لهذه البادرة أبعادا وطنية بارزة، ومنطلقا لرحاب أسلم من اللقاء والتجاوز والبناء، وفرصة للمشروع للبلورة والتغير والانطلاق، نحو أطروحات مغايرة ورؤى بديلة للعمل السياسي الإجرائي والحضاري في مفهومه العام، ولعلاقات مصالحة وعفو وصفاء، بين أطراف المجتمع التونسي العزيز، ومصافحة كريمة ومرتفعة بين الحكام والمحكومين. وليس التغاضي عن هذه الظاهرة والتهرب من طرقها على مستويات رفيعة، حلا في تهميشها وتجاوزها، لأن انفلات الظاهرة إلى منازل أوسع، من شأنه رج الحالة الإسلامية والمساهمة في فك تلاحمها، وتهميش دورها، وضمور عدد حامليها، وموت مشروعها. كما أن المعالجة الفردية مهما كان دعاتها، لا يمكن أن تأت على حلّ كل الظاهرة الإسلامية، التي ما فتأت الأيام تؤكد على تعاظمها، والتي يجب ملامستها بكل رفق وتفهّم، بعيدا عن كل يد غليظة، ومعالجة أمنية، و مؤثرات عاطفية غير موضوعية ولا عقلية، والتي نرى أن الأوان قد حان(إن لم يكن تأخر) لبلورة علاقة جديدة بين المشروع الإسلامي والسلطة القائمة، أساسها السلم السياسي والاجتماعي للجميع، وعفا الله عما سلف.
كما تندرج هذه المبادرة وهذا النداء، في محاولة جذب المشروع الإسلامي بعيدا عن تحالفات أثبتت عقمها أو هشاشتها، وقلت ثمارها، وحتى انسداد أفقها. فقوى اليسار، رغم تهافت الإسلاميين على العمل معهم بكل إخلاص وتفان، غير أنهم لحساباتهم الخاصة، ولمصالحهم الذاتية المفهومة وغير المفهومة، لا يزالون تشوبهم الحيطة والارتياب والوجس من لقاءهم وعملهم مع أصحاب المشروع الإسلامي جملة. حتى صحّ فينا قصة الجاحظ في ذلك المروزي "والله لو خرجت من جلدتك ما عرفتك" !.. وإنا لنرى أن تغيير اتجاه بوصلة التعامل السياسي نحو التقارب مع السلطة، سيكون أكثر واقعية وأخصب ثمرا، خاصة وأن بعض الأحداث والأقوال تؤكد على محاولات تقارب جدية بين بعض أجنحة اليسار وبعض أطراف النظام. ولعل إعادة تجربة التسعينات بدأت تظهر في الأفق وتُطبخ على نار هادئة... فلا نريد هذه المرة أن يكون المشروع الإسلامي وأصحابه كبش الفداء ثانية، فيُسلخ جلده ويباع لحمه بأرخص الأثمان، بين عجز أهله، وصمت أقوام، وشماتة آخرين... !
وليست هذه المبادرة تهافتا على ارتياد أماكن السلامة، و لا وقوفا ذليلا بباب السلطان، فنحن في غنى عنها، فلا مزايدة في الوطنية، ولا تنابز بألقاب التخوين والتكفير وغيرها، فالله يعلم سرائر النفس وما أخفى، ولكنها محاولة صادقة ونداء أمين للخروج من أزمة حانقة ومتواصلة، وحبا للبلاد والعباد، ورأفة برجال ونساء، منهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر، ورحمة بعوائل وأسر وأطفال، لا نبتغي من ورائها سوى تبرئة ذمتنا أمام الله أولا، ثم نحو من قاسى، وننشد من ورائها نهاية المأساة ولمّ شمل هذا الشعب العزيز بكل أطيافه ورجاله وحكامه ومحكوميه، ودفعا بالمشروع، من مواقع التهميش والفتور والإحباط والموت البطيء، إلى منازل التدافع السلمي والحضاري والحياة الفاعلة، وإيجاد حالة من الطمأنينة والاستقرار الدائم والمتين لكل فرد من هذا الشعب الأبي، ودفعا بتنميته الحضارية إلى منازل الرقي والرفاه المادي والروحي، شعارنا فيها : التونسي للتونسي رحمة، وتونس الحبيبة لكل التونسيين الأحباء، والله على ما أقول شهيد.
 

حديث المصالحة
المصالحة مبدأ قرآني، وسنة نبوية، و ميول إنسانية، ومطلب وطني..، والوطن وكر الجميع، حسنه وسيئه، جميله وقبيحه، غنيه وفقيره، عالمه وأمّيه. والمناداة بالمصالحة بين أطرافه مجلبة للصفاء والإخاء والتعاون والبناء، والنفس إذا صفا حالها نزّاعة إلى السلم والحِلم والصلح والتجاوز. إن ما نريد طرحه هو خض هذا الواقع الذي طال صمته، وهيمن سباته، وقلّ فعله، وتهمّش مردوده، وضعفت جرأته، و نسعى بكل تواضع وثقة وإيمان، إلى محاولة إيقاظه وتفعيله، رأفة بالمبتلى، ورحمة بغيره، من أجل رضاء الله أولا، وحبا لتونس ولكل التونسيين مهما اختلفوا وتخالفوا.

إشارات في التأصيل
ورغم أننا نعتبر المصالحة تنزل منزل المباح الذي لا يتطلب تأصيلا ولا اجتهادا، غير أنه رفعا لكل التباس وغلو وعدم تواضع، فإنا ارتأينا ملامسة مناطق الارتكاز الشرعي لهذا المسعى الإنساني بكل جرأة دون الإبحار في ذلك، لقلة الزاد وزهد البضاعة. فزيادة على تركيز القرآن على مبدئية السلم والعفو وكظم الغيظ، والرفق والحلم والتوسّع، وقبول العذر والاعتذار، والتجاوز والكرم، فإن السنة النبوية حفلت بعديد المواقف الصلبة في هذا المجال، من أحداث صغيرة ومتموضعة، إلى تظاهرات كبيرة حملت تحولات ضخمة للمشروع وأفراده وإطاره الذي يتنزل فيه. فبدأها الرسول الكريم (ص) في الطائف وقد نال منه صغار القوم وحثالتهم، فكسروا أسنانه الشريفة وأدموا وجهه وقدميه، وما كان قوله تجاههم رغم العنت والنصب والإعياء، إلا "اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون !"، ثم أتمها عليه السلام يوم الفتح.. : "اذهبوا فأنتم الطلقاء". وبين هذا وذاك وقعت مصالحة الحديبية...
ويعتبر هذا الصلح إحدى هذه المحطات الهامة في هذا المشوار السلمي المبدئي والحضاري. وبالرغم من أن هذا الموضوع قد قُتل بحثا ودراسة وردودا متباينة، فإننا نزعم إلقاء نظرة أخرى، من زاوية نخالها جديدة رغم قلة العلم وتواضع الإضافة. لقد سعى الغيب عبر الرسول الكريم ومن خلال صلح الحديبية، أخذ الاعتبار لربح كل الأطراف، لم تكن المصالحة نجاة فردية، لتعالج مواقف شخصية تنجو بها الذات على حساب الآخرين، ولم تكن المصالحة خلاصا للمجموعة على حساب الفرد والمشروع والجماعة (الشعب)، ولم تكن المعاهدة تحريرا للمشروع وإهمالا لأفراده ومجموعته، ولم يكن الصلح مناورة سياسية ومسارا غير مبدئي وصادق، تلقي بالهزيمة والسقوط على الطرف الآخر ولا تعطي أي شأن للجماعة، يقول الرسول الكريم (ص) في شأنها :"لا تدعوني قريش اليوم إلى خطة يسألوني فيها صلة الرحم إلا أعطيتهم إياها"[[1][1]]. كانت الحديبية كل ذلك، وهذا سر نجاحها، وتلك عبقرية صاحب الرسالة والحضور المكثف للغيب. كانت معادلة جمعت كل هذه الأبعاد، دون الحطّ من أي من أطرافها، كانت المعاهدة نجاة للفرد، وخلاصا للمجموعة، واعتبارا للجماهير، وتحريرا للمشروع نحو مناطق أسلم، وسلامة للطرف المقابل، وراحة واستقرارا حينيا لكل الإطار، يقول الزهري : فلما كانت الهدنة.. أمن الناس،...[[2][2]]
وتستوقفنا عديد من المواقف المهيبة التي أنارت أمجادنا، والتي أكدت التفاعل الرصين للأمة مع أطرافها رغم سواد بعض الأزمنة وظلمات المكان. فقد حمل علماء الأمة الأجلاء والربانيون مشعل الوقوف والصمود، والعفو والمصالحة عند المقدرة، وهم طليعة المشروع ورواده، رغم ما تلقوه من عنت الأمراء وجورهم، فهذا مالك إمام دار الهجرة، وقد ألقي به في السجن وناله التعذيب حتى خلعت كتفه، ثم طيف به في المدينة راكبا على حمار ملتفتا إلى جهة ذنبه، نكاية فيه وحطا من مكانته، ثم لما استرد حاله ويدخل مسجد الرسول.. يرفع يديه ويقول :"اللهم أُشهِدك أني قد عفوتُ عنهم فاعف عنهم"، حتى إذا قيل له لماذا؟ أجاب : "لا أريد أن يدخل أحد من أسرة النبي بسببي النار ! (العباسيين أبناء عمومته صلى الله عليه وسلم)". وهذا أحمد بن حنبل وقد ناله في محنة خلق القرآن ما ناله، من عذاب وسياط وإذلال من ثلاث خلفاء، تتابعوا على ضره والإساءة إليه وتهديده بالقتل، وأودع السجن ثلاث سنوات، ولما خرج مُنع من لقاء الناس إلا ارتياد المسجد للصلاة والعودة إلى بيته طيلة عهد الخليفة الواثق... ورغم ذلك كما يروي بن كثير جعل هذا العالم الصالح كل من آذاه في محنته في حلّ، وكان يتلو في ذلك قوله تعالى :"وليعفوا وليصفحوا"[النور22]، ويقول : ماذا ينفعك أن يعذَّب أخوك المسلم بسببك، وقد قال تعالى : "فمن عفا وأصلح فأجره على الله إنه لا يحب الظالمين"[الشورى40]، وينادي المنادي يوم القيامة ليقم من أجره على الله، فلا يقوم إلا من عفا !.[[3][3]]
مشروع المصالحة
يعتمد هذا المقترح على باب حقوقي وآخر سياسي، نعبر عنهما بالمصالحة الحقوقية والمصالحة السياسية، ولكل منهما مطالب وواجبات لكلا الطرفين.
* المصالحة الحقوقية :
تلتزم السلطة بالعفو التشريعي العام على كل المساجين السياسيين، والسماح للمغتربين بالعودة وإعادة الحقوق إلى أهلها.
يلتزم الطرف المقابل أفرادا ومجموعة بالعفو عما سلف، وطي صفحة الماضي، وعدم الدخول في مطالب ومحاسبات لأطراف أو أفراد أو نظام.
* المصالحة السياسية :
تلتزم السلطة بتحرير العمل السياسي للمشروع الإسلامي وإعطائه الإذن القانوني بالعمل العلني.
يلتزم الطرف المقابل بجملة من البنود :
· لا تسييس للمساجد وتركها بيتا كريما بعيدا عن تدافع السياسة والسياسيين.
· يدخل ممثلو المشروع الإسلامي الانتخابات التشريعية والبلدية، ويلتزمون بأن لا يتجاوز عدد نوابهم في المجلس، وممثليهم في الهيئات البلدية، الثلث من الأعضاء.
· لا يدخل التيار الإسلامي الإصلاحي الانتخابات الرئاسية، لكنه يمكن أن يساعد أو يدعم أطرافا مترشحة أخرى.
· الاحترام الكامل لقانون اللعبة الديمقراطية ومؤسساتها وما تفررزه الانتخابات الشفافة من تغييرات.
· الانطلاق من المرجعية الإسلامية لا يعطي التيار الإسلامي أي حق وأي احتكار بالحديث عن الإسلام، الذي يبقى الجامع لكل التونسيين. فالطرح الإسلامي هي رؤية اجتهادية ككل الرؤى لا عصمة فيها لفرد ولا قدسية لفكر، تميزها مرجعيتها الإسلامية وقرائتها لتاريخها ولحاضرها.
· يمكن للتيار الإسلامي أن يكون متعدد الألوان والأطر، ولا احتكار لهذه الصفة لأحد.
· الالتزام بالابتعاد عن منطق التكفير، واعتبار الاختلاف بين الفرق والأحزاب على قاعدة الخطأ والصواب، و لا يملك أحد هذا الحق الإلهي في القضاء في مصير الناس والحكم على معتقداتهم وتصوراتهم ونواياهم.

من الرابح ومن الخاسر؟
نكاد نجزم أن الحالة الراهنة المنتصر فيها مهزوم، فلا النظام مرتاح البال تماما من الوضع الحالي سياسيا واقتصاديا، في ظل عولمة زاحفة شديدة الوطء والتأثير، وعلى وجس تنامي التطرف والغلو والإرهاب. ولا أصحاب المشروع الإسلامي في هناء ورفاه وراحة ضمير كاملة تجاه إخوتهم في الداخل والخارج، وتجاه حالة انسحاب وخمول للأفراد، وضمور للأطروحة، وغياب مضني عن واقع البلاد والعباد في تونس.

و إنا لعلى يقين أن الحالة الجديدة التي يبثها هذا المقترح ترمي بثمارها الطيبة على كل الأطراف، فالسلطة تربح بوضع مسمى على المشروع الإسلامي الديمقراطي وعلى ممثليه، والذي لم يعد يكفي رفضه أو تهميشه أو غرس الرأس في التراب حتى يندثر، فالحالة الإسلامية قائمة ودخول الإسلام الشأن العام أضحى محسوما فكريا وواقعيا، ويجب التعامل معه برفق وتفهم وتدافع سلمي. وهو إقصاء لقوى التطرف والغلو التي بدأت تطأ برأسها مهددة ومتوعدة ومنغصة حال الأنظمة والعباد والبلاد، وهو كذلك تأكيد للمسار الديمقراطي الذي يصبح حقيقة ملموسة يعيشها الوطن ويكون الحزب الحاكم قائدها وراعيها، وعليه التباهي بها مستقبلا ولن ينسى له التاريخ هذا الانعطاف الحضاري الكبير. وهو انفراج للسلطة مع أفراد المشروع الإسلامي، وهي شريحة انتخابية هامة، يمكن أن يكون لها مردود إيجابي في الانتخابات الرئاسية القادمة.
ويربح المشروع الإسلامي بلمّ شمله ووضوح برنامجه واحترام حدوده، وبواقعيته الجديدة التي تنبذ الاكتساح وهواية القفز والعجلة، وتحترم قبول وقابلية الجماهير، وتتعامل في إطار من الشفافية والأمانة داخلا وخارجا. وتربح المعارضة بكل أصنافها، حيث تضمر القطبية التي كانت مفتعلة بين السلطة والإسلاميين، والتي لم تترك حيزا كبيرا لها للعمل واكتساب المنتمين. وتنتهي الملفات الأمنية التي كانت مبررا في بعض الفترات إلى تقلص الهم الديمقراطي في البلاد، والذي مسّ أطرافا من هذه المعارضة نفسها. ويربح الشعب التونسي وهو أهم هذه الأطراف، في استتاب الأمن والاستقرار وهيمنة المظلة الديمقراطية في البلاد على كل فرد، حتى يعيش المواطن، كل مواطن، وطنيته جلية ومواطنته كاملة.
 

حديث القلوب
لن يمنعني جلال الموقف وعظم الحدث وكبر المسؤولية الملقاة على عاتق كل واحد يؤمن بحقوق البلاد والعباد مهما اختلفت مشاربهم، في العيش الآمن والهنيء، أن أسحب الحديث بعض الشيء نحو منازل القلوب، وما أقله في زماننا... وهي ليست مثالية زائفة، ولا واقعية متروكة، ولا هي قلة وعي وعلم وسوء تقدير، ولكنها إيمان بهذا الإنسان وبإنسانيته، وقناعة بأنه خيّر بطبعه وفطرته، وأنه مهما علا الدرن وكثر الشطط والغلط، فإن الخير والطيبة من شمائله...

"الخير في أمتي إلى قيام الساعة" هكذا قال الرسول الكريم (ص)، وهذا الخير لمسته عند طرف بما حباه الله من قدرة على العفو والتسامح والتجاوز... وإني لا أشك لحظة واحدة على وجوده عند الطرف المقابل، والزمن يطو الذاكرة ويقلل العتاب... فرغم العواصف والمواجهات وما طال البعض من ضرر ومعاناة، ولكلّ تبريراته، وَهَى منها ما وَهَى، واستقام منها ماستقام، غير أني لا أرى أن أحدا من هذه البلاد الطيبة لا يحب الخير لها ولذويها، ولعل طرق الأبواب كان خاطئا في بعض الثنايا والأزمنة، واختلط الحابل بالنابل، وغابت الحكمة وعلا الأنا ووقع المحظور... وغابت زاوية حساسة في هذا المجال وهي النظرة الفوقية لهذه الدنيا ومتاعها وزينتها...
كم نودّ أن يلقى الجميع ربه (بعد عمر مديد) وليس عليه شيء تجاه أخيه في الوطن، حِلم هنا وعفو هناك... كم نتمنى أن يقلّ حساب الجميع في يوم يجعل الولدان شيبا... كم نتمنى والأيام معدودة والدنيا فانية أن لا يبقى تونسي واحد يسأل الله يوم القيامة عن ظلم ناله ولم ير عفو أخيه له في الدنيا...
"ماذا أنا فاعل بكم؟ قالوا أخ كريم وابن أخ كريم ! قال لا تثريب عليكم اليوم اذهبوا فأنتم الطلقاء !"... ذلك محمد عليه السلام وهو في عزّ قوته بعد فتح مكة، ذلك محمد وما أكرمه...وذلك النموذج وما أحلمه... وتلك القدوة وما ألطفه... وهؤلاء نحن وما أضعفنا... وذلك هو الطريق وما أسهله !
  وقد فتحت لهذه المبادرة عريضة وددت من خلالها التعبير على انتساب هذا التوجه إلى عديد الأفراد والوجوه، وقد عبر عن موافقته والالتقاء معها بداية، العديد من الأسماء، والتي نعتبرها بداية خير وبركة، ونتمنى أن تتلوها انتماءات وموافقات، لتعزز هذا النداء. وهذه العريضة مفتوحة للجميع، ومن أراد ذلك فعليه إرسال انتسابه على البريد الإلكتروني التالي : 
 
" إن أريد إلا الإصلاح ماستطعت، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب " [هود 88]
والله أعلم
باريس في 18/أوت/ 2003
 



[4][1]  ابن هشام "السيرة النبوية" دار الفكر بيروت 1994، الجزء الثالث، ص:245.
[5][2]  الطبري " تاريخ المم والملوك" دار الكتب العلمية، بيروت، طبعة الثانية، 1988، المجلد الثاني،ص:124.
[6][3]  ابن كثير "البداية والنهاية" مكتبة الأصمعي الرياض، بدون تاريخ، الجزء العاشر، ص : 379-380.
 

2007-06-22