الدكتور خالد الطراولي في حوار شامل في الذكرى الثانية لتأسيس اللقاء/ الجزء الأول

 

الدكتور خالد الطراولي في حوار شامل مع صحيفة "الوقت" البحرينية [1/2]

الجزء الأول

الوقت - نادر المتروك :

سيكون الدكتور خالد الطراولي تميّزه الخاص في الاقتصاد وأسلمة اجتهادات الاستثمار والعمل التنموي، وتلك منطقة لها أهميتها الكبيرة والحاجة للإطلال عليها، ولكننا نستضيف الطراولي في هذه الإطلالة لاستكمال النقاش في موضوع الحركات الإسلامية في بلاد المغرب العربي، إتماماً لحوارات سابقة حول هذا الموضوع، تناوَلَ بعضها نموذج المغرب وتونس.

هذا الحوار يؤكد قيمة المعرفة في فهم الحركة الإسلامية وظروفها المتبدّلة، فالطراولي ساهم بشكل جاد في الكتابة الفكرية لقضايا الحركة الإسلامية، ومؤلفاته تقدّم نموذجاً مهماً في معالجة مأزق الإسلاميين المعاصرين بروح كشفيّة ومتوازنة، وتبرز أهمية ذلك أكثر مع انخراط الطراولي في الممارسة العملية للفكر الإسلاميالسياسي عبر حركة ‘’اللقاء الإصلاحي الديمقراطي’’ الذي يقوده من خارج تونس.

ما هو توصيفك الحالي لواقع الحركة الإسلامية في ! المغرب العربي عموما؟ من حيث التقانة الفكرية، والتسديد الواقعي، والقدرة على إنجاز المشاريع والشعارات؟

لا يخرج حال الحركة الإسلامية الإصلاحية المغاربية عن واقع الحركة الإسلامية عموما والتي يجتمع فيها المغرب والمشرق على السواء، رغم بعض الخصوصيات التي يفرضها عامل التاريخ والجغرافيا والبيئة السياسية والاجتماعية المحيطة. فالحركة الإسلامية تعيش ولا شك فترات خصب وجدب، مثل كلّ الحركات السياسية التغييرية، حسب علاقتها بالواقع الخارجي وعلاقتها بذاتها عبر بلورة برامجها ومشروعها، وعلاقتها بمؤسسات المجتمعالمدني، وبالسلطة الحاكمة، وعلاقتها بالصحوة الدينية. ونجاحها أو فشلها مرتبط بإيجاد نقطة التوازن التي تؤهلها أن تلعب دوراً أساسيا وفعّالا داخل المشهد العام لبلدانها، وبتحكيم ذكي وراشد لفقه الأولويات الذي كثيرا ما شابهه عدم وعي بالمرحلة وضروراتها، وغياب فكر نقدي وميكانيزمات مؤسساتية لمراجعة التنظيروالممارسة.

معضلات الحركة الإسلامية

إذا أردنا الإطلال على المعضلات التي واجهت مشروع الإصلاح داخل الحركة الإسلامية، فماذا يمكن القول؟

لقد رافق مشروع الإصلاح الذي حملته الحركة الإ ! سلامية هناتٌ ومعضلات في مستوى المنهجية والماهية والهدف، رجّت أطراف الم شروع وساهمت في ضبابيته عند أصحابه وذويه، قبل خصمه ومنافسيه، وساعدت على انتكاسة بعض الأطراف، وتهميش البعض الآخر، ودخول البعض في متاهات العنف والمواجهة. فعلى مستوى منهجية الإصلاح، فإذا كانت السلمية منهجاًظاهراً للخطاب في مفهومه للتغيير، إلا أنّ واقع الممارسة قد أخلّ بهذا الطرح ووقعت الحركة الإسلامية في فخّ المواجهة وردّات الفعل، وحملت ولا شك نصيباً في هذا الانحراف في بعض بطونها، فأصبحت منهجية الإصلاح عند البعض تغييراً قسرياً، أو انقلاباً عسكرياً، أو مواجهة شاملة رغم عدم توازن القوى، فوقع المحظور ودخلت الحركة الإسلامية في بعض المواقع والأزمنة أنفاقا مظلمة من التشريد والنفي والجور. وفي مستوى الماهية، فقد غلب على مشروع الحركة الإسلامية إجمالاً التذبذبُ والفراغ وحتى العدم في بعض الأحوال، وعوّضت الشعاراتُ والرموز عبء الاجتهاد والبناء، وكانت الإضافات والإبداع نابعاً من خارجها، وكثيراً ما عقًم الداخل عن الإنجاب والإنشاء إلا ما ندر. أما عن الهدف، فكثيرا ما كانت إسلامية الدولة وتطبيق الشريعة في مستواها الجزائي، هو الهمّ الأكبر والهدف الأسمى، حتى اختُزِل مشروع الإصلاح عندبعض الحركات ا ! لإسلامية في تغيير عنوان القصر وقطع الأيادي ورجم الزاني، وأصبح شعارها ‘’إن الله يزغ بالسلطان ما لا يزغ بالقرآن’’، ومن أجل ذلك هيمن السياسي وهُمِّشت أبعاد الثقافة والنفس والاجتماع.

وكيف تطبّق هذه النظرة النقدية على الواقع المغاربي عموماً؟

الواقع المغاربي يحمل هذه المواصفات بنسبيةٍ معينة ولا شك، مع لافتاتٍ أخرى تكاد تميّز الحركة الإسلامية في المغرب العربي عن مثيلاتها الشرقية من جهة، وعن بعضها البعض من جهة أخرى، فتجربة الحركة الإسلامية التونسية هي غير الجزائرية وغير المغربية من حيث الخصوصية التاريخية والتقانة الفكرية والإنجاز الواقعي والقدرة على بلورة شعاراتها إلى واقع ملموس، هذا إذا سمح الواقعُ بذلكفالتجربة الجزائرية مخضرمة، بعضها واجه السلطة وبعضها هادنها، وهي تجربة مريرة وحزينة على أكثر من باب، لأنها حملت معها صناديق الموت ومسارات حمراء، وطرحت أسئلة أكثر مما أجابت عليها وتركت أسئلة معلقة ونقاط استفهام كثيرة. ولا يمكن استرجاع ثقة الجمهور- ومن ورائها عوامل الجدوى والنجاح- إذا لم يتبلور خطابٌ مدني واضح المعالموالأهداف ينبني على تقييم كامل لتاريخ التجربة وتحمّل مسؤو ! ليات المراجعة والمحاسبة حتى يتمّ التجاوز على أسس سليمة دون مناطق ظل.

الزخم المعرفي ميزة الحركة الإسلامية المغربية؟

 وفي هذا الاتجاه، كيف تحلّل التجربة الإسلامية المغربيّة؟

التجربة المغربية لها خاصيّاتها، أقلها الإطار السياسي الملكي المنفتح نسبيا، ووجود تعدّدية سياسية فتحت الباب -ولو ببطء أحياناً- لتمثيل سياسيّ ذي مرجعية إسلاميةٍ ووجود أربعة أحزاب في هذا الِشأن. كما تميّز الوضع المغربي بوجود مناخ تديّني أصيل يعبّر عن كلّ أطياف المجتمع، مما شكّل عنصراً ضاغطاً ويسّر هذه القفزة النوعية نحو التمثيل السياسي. ولعلّ الخاصيّة المهمة التي تحملها الحركة الإسلامية المغربية بكلّ أطيافها والتي مكّنت للتجربة وأعطتها نوعاً من الجدّية والفعالية؛ فهو وجود زخم فكري ومعرفيّ يحمله إطارها السياسي، وهي كما يقول الدكتور الريسوني -أحد أعمدة الحراك السياسي والدعوي الإسلامي في المغرب- إن الحركةالإسلامية المغربية تشكّل أكثر الحركات الإسلامية تمكناً معرفياً وفكرياً وثقافياً وذلك نتيجة ما عاشته من مواجهاتٍ وتحدياتٍ وتجارب تجاه أطروحات اليسار المهيمنة والضاغطة في بعض الفترات السابقة. وهي في الحقيقة فلتة في المشروع الإسلامي عموماً نظرا لضموره في بقاع كثيرة أخرى، ! وهذا الإلمام المعرفي والفكري، وحتى لا نبخس الناس أشياءهم، ليس محصوراً في الحركة الإسلامية المغربية ولكنه يعبر كل المشهد السياسي المغربي

وأخيراً، ماذا يمكن القول في هذا الشأن حول بلدك تونس؟

إن انغلاق المشهد السياسي في تونس عسّر على الحركة الإسلامية التواجد الفعلي وجعل موطنها الأساسي إما المهجر مشرّدة بين المنافي، أو السجن والملاحقة. وليست الحركة اٌلإسلامية نشازاً في عدم السّماح لها بالوجود القانوني، فأحزاب أخرى لا تزال خارجالمشهد رغم جماهريتها وتاريخها. والحقيقة أنّ التدافع المرير الذي وقع منذ عقد السبعينات من القرن الماضي بين السلطة والحركة الإسلامية والذي أدّى إلى مآس كبيرة؛ أضعفَ كلّ البناء وجعل كل همّ الحركة موجّهاً إلى القضية الحقوقية في لمّ شمل أبنائها وإعانة المشرّدين منهم وأُسَر المسجونين. ولعلّ ارتهان الفكري والمعرفيبالحقوقي أضعفَ البناء النظري، وهي إحدى الهنات الكبرى التي يحملها المشروع ولا يزال. ولعل خصوصية التجربة التونسية أيضا تكمن في أحادية التمثيل الإسلامي في المشهد السياسي، مما ساهم ولا شك في تعميق المأساة وجعلتها أكثر إيلاماً وتجاوزاً، فلم يتوا ! جد خطابٌ آخر بديلٌ يلملم الجراحَ ويسعى إلى التلطيف ويطرح رؤيا وتصوراً وقراءة مغايرة ويتجاوز المأزق الذي ساهمت فيه السلطة بالنصيب الأكبر، ولكن لا يلغي نصيب الحركة الإسلامية ممثلة حينذاك في حركة النهضة. لقد وقعَ المحظورُ ودخلت البلادُ في سنين من الجمر.

مشكلة الحركة الإسلامية في تونس؟

هل يمكن الحديث الآن عن فارق تأخري كبير بين الحركة الإسلامية في تونس وتلك التي تتحرك في المغرب مثلا؟ ما هي مقارنتك للحركة الإسلامية في تونس وتلك في المغرب؟

كما قلت لك آنفا؛ فالحركة الإسلامية عموماً لها مواصفات موحّدة تجمعها وتتجاوز الإطار الزماني والمكاني، كما أن الإطار الجغرافي والتاريخي يجعلها تتميّز عن بعضها البعض. وبينالحركة الإسلامية في تونس وشقيقتها في المغرب اجتماعُ المرجعية والعمل المدني الإصلاحي، مرجعية الإسلام والمنهجية الديمقراطية، فالجميع يلتقي على العمل السّلمي والإصلاحي من خلال قوانين الدولة واحترام مؤسساتها، وهو التزامٌ مبدئي لا يتزحزح وليس موقفاً تكتيكياً يعيش اللحظة بتقلباتها ولكنه موقفٌ حضاري واستراتيجي ثابت.

غير أن خصوصيات الواقع الذي يتحرك فيه كلّ طرفٍ جعل أحدهما يتقدّم نحو مواطن الفعل كتجربة حزب العدالة والتنمية في المغرب وما ينتظرها في الاستحقاقات الانتخابية المستقبلية. أما الحركة الإسلامية التونسية الحالية بطرفيها الاثنين حركة النهضة واللقاء الإصلاحي الديمقراطي؛ فإنها بقيت خارج إطار الفعل السياسي المباشر نظراً للحظر المضروب على كلّ نفَسَ إسلامي. وهذا الاختلاف هو في الحقيقة اختلافُ درجة عمل، نظراً للواقع المحيط والبيئة الحاضنة، وليس اختلاف جدوى أو فعالية، رغم أني لا أنكر أو أهمّش نسبية هذا الطرح حيث تدخل عوامل المرونة السياسية وفهم مستجدات المرحلة وفقه الأولويات على الخط لتشكّل حسب نظري عواملَ مهمة لا يجب استنقاصها في فهم التمايز بين التجربتين، والتي نجدها أكثر بروزاً عند الطرف الإسلامي المغربي بكل أطيافه.

 هل يعني ذلك أنّ الحركة الإسلامية التونسية يمكن أن تتقدّم لو ارتفع الإشكال السياسي فيها؟

أكاد أجزم أنّ مناخ الحريات والتعدّد السياسي غير المغشوش لو توفر في تونس بالشكل المرضي لتمكّنت الحركةالإسلامية من إثبات وجودها وتجاوز نقائصها بسرعةٍ، ولأضحت الفعّالية والجدوى من مميزاتها نظراً لتجاربها السّابقة في التدافع السياسي، شريطة أن تعي بكلّ رصانةٍ تاريخها بسلبياته وإيجابياته وتبتعد عن التفسير التآمري لأمْسها، ولا تغفل عن الأسباب الذاتية للسقوط والفشل.

و’’اللقاء الإصلاحي الديمقراطي’’ رغم حداثة تأسيسه سنة 2005 وعدم تحمّله لرواسب المراحل السابقة؛ إلا أنه يسعى بكلّ جهدٍ إلى إرساء عقلية وثقافة المؤسّسة داخل كيانه، الكفيلة حسب زعمنا بتجاوز الكثير من السلبيات التي يحملها خطابُ ومشروع الحركة الإسلامية، وهو الطريق الصّواب نحو حركةٍ معاصرة لا تعيش على هامش اللحظة وهامش الحدث وعلى ردّات الفعل.

ركائز لحركة إسلامية معاصرة؟

إذا وصلنا هذه النقطة، فما هي تصوّراتك للإمكانات الفكرية والمناهجية المطلوبة لتأسيس حركة إسلامية معاصرة؟

الحركة الإسلامية ليست ‘’روبنسون كريزوي’’ في جزيرته النائية ! وهي ليست حركة تعيش خارج التاريخ، ولا تعيش منبتة عن واقعها، بل هي وليدة تاريخ وجغرافيا، وتعيش هذا التاريخ وهذه الجغرافيا بكلّ رشدٍ وأريحية. هذه هي الركيزة الأولى نحو بناء هذه الحركة الإسلامية المعاصرة غير المنبتة وغير المسقطة على واقع لا يتوقف عن الحراك، حيث يجب استشعار هذا الحراكومعايشة التحدّي المتجدّد والمنبثق عنه. ومن هنا تتجلى أهمية تلازم البعد المبدئي والبعد البراغماتي في أطروحاتها، هذا التلازم الذي أخفقت فيه نسبياً الحركة الإسلامية، حيث لا يزال ! البعضُ يرى أن هناك تضارباً بين المصلحة والمبدأ، بين البراغماتية والثوابت، بين النظرية والواقع. ويوم تحسمُ الحركة الإسلامية هذه المفارقة تكون قد قطعت جزءاً من طريق الوعي والرّشد وفهمت فقه الأولويات الذي كما قلتُ لك سابقا لا يزال يعيش تشوّشاً في العقول وتهميشاً في الممارسة، وتدفع من جرائه الحركة في بعض الأزمنة والمواقع ثمناً باهظاً.

الركيزة الثانية الأساسية لبناء هذه الحركة الإسلامية المعاصرة- وهي مرتبطة بالأولى- هو التعويل على البناء الفكري والمعرفي والإنتاج العلمي، فلا يمكن أن تكون الحركة واعية بمرحلتها إذا هيمنت الأمية الشرعية والمدنية في صفوفها. وأنا أزعم أنّ هذا الجانب المعرفي والفكري يشكل خللاً مهماً في البناء وله مضاعفاته وتأثيراته على الحركة نفسها وعلى مسار التغيير الذي تهدف إليه. ألا ينال الإنسان الاستغراب حين يجد أن أكثر الكتاباتالسياسية والفكرية لبعض الحركات الإسلامية يكاد ينحسر في بعض قادتها أو في رئيسها، ولذلك في تونس مثلا تكاد تنحسر الاجتهادات الشرعية والفكرية لحركة النهضة في كتابات زعيمها الشيخ الفاضل راشد الغنوشي.

الضّمور المعرفي في الحركة الإسلامية ؟

ما هي في رأيك عوامل هذا الانحسار والضمور المعرفي في أبنية الحركة ا لإسلامية؟

اعتبارات كثيرة ساهمت في ضمور الجانب المعرفي لدى الحركة الإسلامية. نعم ساهمت السلطات الحاكمة في استنزاف طاقات الحركة ودفعها إلى الإنكباب على معالجة قضاياها الحقوقية من تشريد وسجون، والتفرّغ للكرّ والفرّ السّياسي الضيق، ولكن وحتى لا نقع مجدّداً في التفسير التآمري للتاريخ، فإنّ نصيب الحركة الإسلامية لا يجب تجاهله، ويتجلى ذلك خاصة في الهيمنة النسبية للتنظيم وانحسار مساحات الحرية، حيث لا يجتمع الإبداع والتضييق تحت سقفٍ واحد. ولكي أكون أكثر وضوحاً فإني أرى أن الإبداع بصفةٍ فالإبداع منازله الحرية وفي هذا الباب نرى أن الحركة الإسلامية لا تزال تعيش صولة التنظيم وهيمنته. ألا يمكننا أن نتعجّب حين نرى إبداع الكثير من طاقات الحركات الإسلامية وهم خارج تنظيماتهم بعد انسحابهم أو تواجدهم خارجها ! فتجربة البنوك الإسلامية قد نجحت نظراً وفعلاً من قبل إطاراتٍ خارج تنظيماتهم، وعديد التنظيرات والاجتهادات التي تملأ مكتباتنا وتغطي الصّحف والمجلات والفضائيات تعود إلى وجوهٍ لا تعيش التحزّب والتنظيم، من أمثلة الشيخ ا ! لجليل يوسف القرضاوي والدكتور محمد عمارة والأستاذ طارق البشري.

 

ـ يتبع ـ

ktraouli@yahoo.fr

www.liqaa.net

صحيفة "الوقت" البحرينية بتاريخ الجمعة 1 جوان 2007 / 15 جمادى الأولى 1427


2007-06-22